يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


اكتشافات الغاز شرق المتوسط، أثارت أطماع تركيا، وأزاحت الستار عن الوجه الاستعماري مرة أخرى عن بلاد العثمانلي، وأشعلت فتيلاً جديداً للنزاع في منطقة تقع على صفيح ساخن، بعد اتجاه حكومة إردوغان للاستيلاء على ثروات جيرانها من احتياطيات الغاز بصورة "غير قانونية".

مجلة "ناشونال إنترست" الأمريكية، انتقدت غياب دور واشنطن في منطقة شرق المتوسط الحيوية، التي باتت تشهد تحولات جيوسياسية عميقة، بعد أن ظلت مكاناً هادئاً بالنسبة للأمن القومي الأمريكي على مدار ثلاثة قرون تقريباً، داعية القيادة الأمريكية لمنع تحول المنطقة إلى منطقة نزاع مثل بحر الصين الجنوبي.

المجلة، أوضحت، في تحليل كتبه الدبلوماسي الأمريكي إيريك إيلدمان ونائب قائد القيادة الأوروبية السابق الجنرال تشارلز والد، أن الفراغ الأمريكي في هذه المنطقة أدى إلى سطوة الأتراك وازدياد نفوذهم بصورة كبيرة، سمحت لهم بالتعدي على حقوق جيرانهم من الغاز الذي تم اكتشافه في هذه البقعة، وأشارت إلى هذه هي المنطقة حيثما اتخذت الولايات المتحدة أولى خطواتها كقوة عظمى في بداية الحرب الباردة حيث نص مبدأ الرئيس الأمريكي هاري ترومان (1884 - 1972)، على تقديم الولايات المتحدة المساعدة لليونان وتركيا باعتبارهما محور الالتزام بالدفاع عن العالم الحر في مواجهة الشيوعية.

منطقة شرق المتوسط، ظلت نقطة وصل رئيسة للاستراتيجية الكبرى للولايات المتحدة على مدار عقود من المواجهة بين القوى العظمى، ووفقاً للمجلة، تمتّع حلف شمال الأطلسي (ناتو) بتفوق عسكري واضح على القوات السوفيتية في هذا المسرح، لكن الوجود الإقليمي للولايات المتحدة أصبح ضئيلاً عقب نهاية الحرب الباردة، بعدما جذبت صراعات أخرى انتباه الولايات المتحدة نحو الخليج الفارسي وأفغانستان وأماكن أخرى.

ضرورة العودة
تحليل الجنرال
تشارلز والد والدبلوماسي إيلدمان، أوضح أن منطقة شرق المتوسط بدأت تعاود الظهور مجددا كمفترق طرق حاسم، في الوقت الحالي، وذلك يُعزى إلى عملية إعادة تنظيم الجغرافية الاستراتيجية التي أدت إلى بروز آفاق جديدة للتعاون والصراع . الكاتبان، يشيران إلى ثلاثة دوافع ضرورية لتحرك الولايات المتحدة، يتمثل أولها في تحوّلات تركيا في عهد إردوغان، إذ لم تعد تركيا عضوًا موثوقًا به في حلف الناتو، فقد أصبحت بشكل متزايد دولة استبدادية ولا يمكن التنبؤ بتصرفاتها التي باتت تتناقض مع مصالح شركائها السابقين، لاسيما الولايات المتحدة وأوروبا، ومع مصر كذلك، ويعد إتمام صفقة منظومة الدفاع الجوي الصاروخية الروسية دليلا على تخلي تركيا عن دورها التقليدي بوصفها الحصن الجنوبي لحلف الناتو.

الدافع الرئيس الثاني - ووفقاً للكاتبين - يتمثل في استمرار التنافس بين القوى العظمى، مثل روسيا وإيران اللتين تفرضان تهديدات في شرق المتوسط من خلال وكلائهما، إذ تمتلك طهران خطاً مستقيماً من النفوذ السياسي والعسكري يمر عبر العراق وسورية إلى لبنان والبحر المتوسط​​، ويتضمن هذا الخط حزب الله وما يملكه من صواريخ متطورة قادرة على استهداف البنية التحتية لقطاع الشحن والموانئ وكذلك الطاقة.

وبالمثل، تعد موسكو منخرطة في المنطقة أكثر من أي وقت مضى، ويتبين ذلك في أنشطة الأسطول المتجدد ومنظومة الدفاع الجوي الهائلة التي تغطي معظم المنطقة، في إشارة إلى منظومة S-300 في سورية. 

الدافع الثالث، وفقاً للتحليل، أن شرق المتوسط يُعد ​​موطناً لأكبر اكتشافات للغاز في هذه الألفية، مع وجود احتمالات لاكتشافات أكثر أهمية، لكن طغى على هذه النعمة المحتملة للمنطقة، حقيقة أن العديد من الجهات الفاعلة الإقليمية - تحديداً تركيا - تدّعي أحقيتها في هذه الموارد، مما يزيد من التوترات القائمة بالفعل ويزيد من خطر اندلاع الصراع.

سباق التسلح
المحللان، أكدا أن إحجام القوات الأمريكية عن اتخاذ موقف صارم في مواجهة هذه التحولات الجيوسياسية والجيواقتصادية، أسفر عن اندلاع سباق تسلح على مستوى المنطقة، وأوضحا أن عمليات بناء السفن البحرية ودبلوماسية الزوارق التي تنفذها تركيا، تحمل الكثير من التهديدات ضد اليونان وقبرص ومصر، وهي الدول التي تقربها قضايا الطاقة والأمن من بعضهم البعض. 

المجلة الأمريكية، وفي ظل هذه الأزمات، أكدت أن الولايات المتحدة أمامها فرص عديدة، من خلال عقد شراكات مع حلفائها بالمنطقة لترسيخ الاستقرار الإقليمي، حيث تعتبر اليونان على أهبة الاستعداد للاستثمار بقوة في حلف الناتو وفي علاقتها الثنائية مع الولايات المتحدة.

ردع تركيا
الكاتبان، أشارا إلى أهمية ردع الحكومة التركية، وقالا :"بينما اتخذ صناع السياسة الأمريكية خطوات أولية مهمة لدعم التعاون مع اليونان وتعزيزه، هناك تخبط كبير حول كيفية تناول العلاقات مع تركيا، ما يعكس شكوكاً واسعة النطاق حول نوايا الولايات المتحدة والتزاماتها تجاه اليونان".

المجلة الأمريكية، أضافت :"بالنظر إلى خبرتنا الواسعة في المنطقة، نعتقد أن شرق المتوسط، ​​يجب أن يحظى مرة أخرى بانتباه الولايات المتحدة الاستراتيجي، ما يعني أن الولايات المتحدة بحاجة إلى أن تبدأ النظر إلى المنطقة ككيان استراتيجي متماسك، الأمر الذي يستحيل حدوثه ما لم تعالج واشنطن التوترات".

الكاتبان، شددا على أهمية أن يوضح صناع السياسة الأمريكية لحلفاء واشنطن وخصومها على حد سواء، أن شرق المتوسط أصبح منطقة ذات أهمية حيوية بالنسبة للأمن القومي الأمريكي، وستظل الولايات المتحدة تشارك في توفير القيادة والأطر الدبلوماسية للتعاون الأمني من أجل تحقيق الاستقرار في هذه المنطقة الحيوية.

خطط تركية
صحيفة "كاثيريميني" اليونانية، أوضحت أن شركة البترول التركية تعمل وفقًا لخطط واسعة وطويلة الأمد في شرق المتوسط، ​​لا تشمل فقط المنطقة الاقتصادية الحصرية لقبرص، التي تقوم بالتنقيب فيها بصورة غير مشروعة، بل تمتد إلى المناطق الواقعة على حافة الجرف القاري اليوناني.

الشركة التركية، ووفقًا للمحللين، على ما يبدو أنها قامت بالفعل بعمليات مسح أولية عن الزلازل في مناطق معينة شرق خط خط الطول الثامن والعشرين على حافة الجرف القاري اليوناني، حيث توجد مؤشرات على وجود احتياطيات من الثروات الهيدروكربونية (الغاز والنفط).

المحللون، يتوقعون أن تأتي الخطوة التالية لأنقرة في صورة إجراء عملية تنقيب إضافية لتحديد أهداف الحفر، إلى جانب الهدف النهائي المتمثل في توحيد مطالبها عن طريق تثبيت منصات استخراج الغاز والنفط في حالة عثورها عليه.

مخططات تركيا لتوسيع أنشطتها في شرق المتوسط، تعود إلى احتياجاتها المتزايدة من الطاقة، لاسيما الغاز، حيث يقدر الطلب التركي على الغاز الطبيعي بنحو 52 مليار متر مكعب سنويًا. أنقرة تعتمد اعتمادًا كبيرًا على روسيا وإيران، حيث تستورد من 55 إلى 60% من الغاز من روسيا و 20 % من إيران. لذلك، تحولت الأنظار منذ فترة إلى شرق المتوسط​​، مما يجعل مطالب تركيا باحتياطيات الطاقة في المنطقة جزءًا من استراتيجيتها طويلة الأجل.

مسوح جيولوجية
الصحيفة اليونانية، نشرت أمس مقالاً لجيولوجي البترول وخبير الطاقة "كونستانتينوس نيكولاو"، كشف أن تركيا أجرت على الأرجح، مسوحًا للزلازل شرق خط الطول الثامن والعشرين على مدار فترتين، امتدت الأولى من 2012 إلى 2015، عن طريق سفينة تقوم بالمسح الجيوفيزيائي للمنطقة، لكنها كانت تعمل بالتقنيات القديمة، وبدأت المرحلة الثانية من عمليات المسح الجيولوجي منذ 2015 حتى الآن من خلال سفينة "بارباروس" الأكثر تقدمًا من الناحية التكنولوجية.

صحيفة "ديلي صباح" التركية، ذكرت في يوليو الماضي، أن الطائرات المسيرة التركية من طراز "بيرقدار تي بي 2" محلية الصنع، يتم استخدامها حالياً لتوفير الحماية لعمليات السفينة "بارباروس" التي تقوم بعمليات المسح الجيوفيزيائي، وللسفينة "فاتح" التي تقوم بالتنقيب عن النفط في شرق المتوسط.

الصحيفة التركية، ادعت أن أنقرة تسعى لحماية حقوقها السيادية وحقوق القبارصة الأتراك في شرق المتوسط، حيث تقوم بالتنقيب عن الغاز والنفط في منطقتها الاقتصادية الخالصة، والتي تم تسجيلها في الأمم المتحدة عام 2004. الصحيفة أضافت :"أن أنقرة تسعى جاهدة لحماية سفنها، التي تعرضت لبعض المضايقات خلال قيامها بهذه العمليات في تلك المنطقة"، مشيرة أن تركيا تسعى لتعزيز قواتها البحرية للقيام بدوريات حراسة في هذه المنطقة.

أسطول التنقيب
تركيا، عززت أسطولها من سفن التنقيب من خلال امتلاك سفينتي الحفر "فاتح" و"يافوز" عامي 2018 و2019 على التوالي. ويرى مراقبون أن تطوير الأسطول التركي يأتي ضمن خطة شاملة، تحدث عنها محللون أتراك، للسيطرة على منطقة شرق المتوسط، ومنع وصول البلدان الأخرى إليها.

وفضلا عن أسطول سفن البحث الجيوفيزيائي والاستكشاف والتنقيب، تسعى أنقرة لتحديث وتطوير أسطولها البحري بصورة لافتة، كما أنها تُعد أول دولة تقوم بعمليات تنقيب عن الغاز والنفط في حراسة قطع بحرية، ووفقاً لصحيفة "حرييت"، تقوم أنقرة بتعزيز انتشار أسطولها شرقي المتوسط في الوقت الذي تقوم فيه سفن التنقيب بالبحث عن الغاز في حماية وحدات قيادة القوات البحرية.

وزارة الدفاع التركية، أعلنت في تغريدة لها على "تويتر"، أن قيادة القوات البحرية توفر الحماية لسفن التنقيب، سواء على سطح البحر أو تحت المياه، وبمساعدة الطائرات المسيرة، ونشرت الوزارة مقطعا مصورا التقطته إحدى الطائرات المسيرة، يظهر السفن الحربية التركية برفقة سفن التنقيب عن الغاز.

البيان، أضاف أن السفن التركية تخضع لحماية الطائرات المسيرة من طراز "بيراقدار تي بي 2" وطائرات الدوريات البحرية والمروحيات التابعة للأسطول التركي، وبعض الطرادات والفرقاطات والقوارب الهجومية توفر الحماية لسفن التنقيب على سطح البحر، كما أشار بيان الوزارة أن بعض الغواصات التركية تقوم أيضا بحراسة سفن التنقيب تحت سطح البحر.

 S-400
مع إصرار الرئيس التركي إردوغان على تنفيذ صفقة شراء منظومة الدفاع الجوي الصاروخية الروسية S-400، رغم اعتراضات واشنطن، وطرد أنقرة من برنامج المقاتلات F-35، ما أثار تكهنات حول نوايا إردوغان من وراء هذه الصفقة، حيث نشرت وسائل إعلام أنباء عن نية النظام التركي نشر الصواريخ الروسية التي يصل مداها حتى 380 كيلومترا، وهو ما يغطي المنطقة الواقعة فيها جزيرة قبرص التي تبعد عن السواحل التركية 70 كيلومتراً فقط.

وفي حال نشر الصواريخ الروسية جنوبي تركيا، تكفل حماية كاملة لعمليات التنقيب غير الشرعية في المنطقة الاقتصادية الخالصة لقبرص، وسوف تؤمن بصورة كبيرة جميع السفن والقطع البحرية التركية الموجودة في هذه المنطقة، ضد أية عمليات تقوم بها قبرص أو اليونان للدفاع عن النفس.

Qatalah