يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


بينما يساهم دعم تركيا غير المحدود للميليشيات المتطرفة المتحالفة معها في ليبيا، بالأسلحة والذخائر والمرتزقة في تأجيج النزاع الدامي الذي تشهده البلاد، يسعى رجب إردوغان من جهة أخرى لنهب ثروات البلد العربي الغارق في بحور من الفوضى منذ سنوات.

ومن ثم يمكن إيجاز سياسات إردوغان في ليبيا في استعارة بسيطة، فالخليفة العثمانلي له يدان لا تكفان عن العبث بالبلاد، يد تخرب وتهدم ويد تتكسب من إعادة بناء ما هدمته اليد الأخرى، وهو بهذا يحقق أقصى قدر من الاستنزاف السياسي والاقتصادي في البلد العربي الغارق في لجة الفوضى.

ليبيا أول بلد أجنبي مارس فيه المقاولون الأتراك أنشطتهم عام 1972، وتحتل المرتبة الثالثة ضمن قائمة البلدان الأجنبية الأكثر احتضاناً لمشروعات المقاولين الأتراك وذلك بمشروعات تصل قيمتها إلى 28.9 مليار دولار، بحسب رئيس المجلس التنفيذي لرابطة المقاولين الأتراك مدحت ينيغون، وهي إلى جانب هذا وذاك تمثل أحد أكبر المطامع لدى أنقرة، نظرًا لثرواتها من النفط، حيث تحتل ليبيا المرتبة الخامسة عالميًا من حيث احتياطات النفط، بمعدل 74 مليار برميل تكفي لتصدير النفط لمدة 112 عامًا أخرى.

ويذكر المؤرخ محمد عبد الكريم في كتابه "ليبيا ما بعد القذافي .. إخوان ليبيا سيناريوهات محتملة" أن ليبيا تعد إلى جانب روسيا وتركمانستان والعراق وكازاخستان أكبر الأسواق أمام شركات البناء التركية التي نافستها الشركات القطرية والإماراتية والكويتية والأوزبكية في العام 2016 ونمت على حساب حصتها. وواجه القطاع خسائر في ليبيا (التي تشكل مع روسيا والعراق أكثر من 35% من مشروعاتها في الخارج) بسبب الأوضاع الأمنية.


الغزو التركي
سبق أن كشف إردوغان عن دور الشركات التركية العاملة في ليبيا، الذي يتعدى حدود الاستثمار التجاري البحت، فقد قال إن حكومته لا تعتبر ما يقوم به المقاولون الأتراك نشاطًا اقتصاديًا فقط بل إنهم ينقلون إلى ليبيا الثقافة التركية فضلًا عن العادات والتقاليد والقيم. وأنهم يبنون جسرًا بين تركيا والدولة التي يعملون بها خارجها.

ورغم حرص إردوغان على التغلغل في الاقتصاد الليبي من خلال شركات التشييد والبناء التركية، غير أن الشركات التركية العاملة في ليبيا لا تقوى على منافسة الشركات الكورية (التي تستحوذ على 21% من سوق الشركات الأجنبية العاملة في هذا القطاع) ثم الشركات الصينية (التي تستحوذ على 17% من هذا القطاع) حيث لا تتجاوز حصة الشركات التركية في قطاع البناء والتشييد في ليبيا 8% رغم جميع سبل الدعم المالي التي توفرها أنقرة لأنشطتها في البلاد، والتي يأتي في مقدمتها القروض بدون فائدة التي يقدمها بنك "إكسيم بنك" لهذه الشركات.

مقاطعة الشركات
التدخلات التركية السافرة في الشأن الداخلي الليبي، منذ تفجر الاضطرابات في البلاد في 2011، انتهت بسقوط الدولة الليبية، ولم تكتف أنقرة بذلك ولكنها واصلت دعمها للعناصر الإرهابية في البلاد وتزويدها بجسر بحري من العتاد العسكري وكميات هائلة من الأسلحة المختلفة، ومن ذلك دعم ائتلاف "فجر ليبيا" الذي وحدت فيه مختلف الميليشيات الإرهابية للانقلاب على البرلمان الليبي المنتخب بعد فشل عملائها "إخوان ليبيا" في الحصول على أغلبيته، للانقلاب على السلطة التشريعية والاستحواذ على السلطة بالقوة.

أدت هذه التدخلات التركية إلى إعلان حكومة طبرق - المنبثقة عن البرلمان الليبي المنتخب - في 2015 أنها ستستبعد جميع الشركات التركية من العمل في ليبيا، لا سيما في الجانب الشرقي الذي تسيطر عليه هذه الحكومة، ويعد قرار مقاطعة الشركات التركية قرارًا بالغ التأثير، نظرًا لضخامة حجم التبادل التجاري بين تركيا وليبيا، فقد بلغ في العام 2014، نحو 2.3 مليار دولار وكان معظمه يمثل صادرات تركية إلى ليبيا.

في يناير 2016 أعلنت حكومة طبرق أن القوات الجوية الليبية ستقصف أية طائرة تركية تخترق مجالها الجوي، ردًا على التدخل التركي السافر في شؤون البلاد الداخلية، وإمداد الميليشيات الإرهابية بالسلاح حتى تمكنت من الانقلاب على الشرعية البرلمانية المنتخبة واستولت على العاصمة طرابلس. 

المنافسة الروسية
بخلاف الشركات الكورية والصينية تمثل الشركات الروسية تهديدًا حقيقيًا لأطماع تركيا في ليبيا، لأن موسكو تضع إمكانياتها العسكرية والاستخباراتية رهن مصالحها الاقتصادية في الدولة، وقد بدأت الشركات الروسية تمثل خطورة مباشرة لأطماع أنقرة لا سيما بعد حصول المشير خليفة حفتر، قائد الجيش الوطني الليبي، المعين من البرلمان الليبي المنتخب، على دعم موسكو في صراعه ضد الميليشيات الإرهابية التي تدعمها حكومة إردوغان في طرابلس ومصراتة.

وبعد وقف حكومة طبرق جميع التعاملات مع الشركات التركية، بدأت الشركات الروسية تحل محلها، وقد تزامن ذلك مع دعم روسيا للجيش الوطني الليبي، صفعة كبيرة لأطماع أنقرة في ليبيا عبر شركاتها التجارية، حيث وقعت شركة روزنفت، إحدى كبرى الشركات الحكومية الروسية في قطاع الطاقة، اتفاقًا للتعاون مع مؤسسة البترول الوطنية الليبية في فبراير 2017، وهو ما يهدد مصالح وأطماع أنقرة في النفط الليبي، بعد دخول الدب الروسي حلبة المنافسة. 

محاولات الالتفاف
وتحاول تركيا الضغط بقوة لضمان مصالحها الاقتصادية في ليبيا، بعد صفعة وقف التعامل مع شركاتها من جانب حكومة طبرق، والذي تحتال عليه أنقرة من خلال أذنابها وأعوانها من الميليشيات الإرهابية التي تدعمها بالسلاح في طرابلس، التي سهلت لها - بوساطة إخوان ليبيا - الحصول على النفط الليبي بثمن بخس، كما جرفت ملايين الدولارات من البنوك الليبية لدعم الليرة التركية أمام الدولار.

ويتضح قلق أنقرة على مصالحها الاقتصادية في ليبيا من اللقاءات الرسمية رفيعة المستوى الكثيفة التي تعقدها أنقرة مع حكومة طرابلس، والزيارات المكوكية التي يقوم بها المسؤولون الأتراك إلى عملائهم في حكومة فايز السراج في العاصمة الليبية وزيارات الأخير المتكررة إلى أنقرة في هذا الإطار.

جهود للعودة
كما أكدت الخارجية التركية أن إعادة فتح السفارة سيتيح لتركيا تقديم إسهامات أقوى لجهود بناء السلم والاستقرار وإعادة البناء في ليبيا. وأن تركيا ستواصل دعم سلامة أراضي ليبيا ووحدتها الوطنية. وكان السفير التركي لليبيا يتخذ من تونس مقرا لعمله طيلة فترة غلق السفارة التركية في طرابلس.

وعقب فتح السفارة مباشرة اتفقت تركيا وليبيا على تكوين لجنة مشتركة لبحث عودة الشركات التركية لاستئناف عملها في المشروعات المتوقفة، ورفع قيود منح التأشيرة لليبيين الراغبين في زيارة تركيا. وإلى جانب الملف الاقتصادي ركزت المحادثات على الإرهاب وعملية الحوار الليبي والقضايا المختلفة في الإقليم ككل. 

الكعكة الليبية
تمثل مشروعات إعادة الإعمار بمثابة كعكة تتنافس عليها الدول، لتوفير أكبر حصة لشركاتها الوطنية في مقاولات هذه المشروعات الضخمة، لا سيما في بلد نفطي غني مثل ليبيا، يمكنه تسديد جميع نفقات إعادة الإعمار بسهولة. ورغم أن تركيا المسؤول الأول عن تفجر الوضع في البلاد، وأنها المغذي الأول للفوضى في ليبيا، بحسب مسؤولي البرلمان الليبي المنتخب، وحكومة طبرق والمتحدث باسم الجيش الوطني الليبي، غير أن أنقرة تريد أن تعيد إعمار ما خربته ميليشياتها بأسلحتها لتحقيق أرباحا اقتصادية طائلة.

وعندما أعلن بن علي يلدريم، آخر رئيس وزراء لتركيا، قبل تحول البلاد إلى النظام الرئاسي، عن قرار أنقرة بتشكيل لجنة مشتركة بين تركيا وليبيا لتعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري بين الجانبين، ذكر أن هذه اللجنة ستكون تحت مظلة وزارة الاقتصاد، وستكون معنية بتسريع استثمارات البنية التحتية في ليبيا، وتنفيذ المشروعات الجديدة، وحل المشكلات العالقة، في إشارة إلى أطماع تركيا في مشروعات إعادة الإعمار في ليبيا بمجرد أن تضع الحرب أوزارها. 

غير أن موسكو تسعى إلى تحطيم جميع آمال أنقرة في الاستئثار بمشروعات إعادة الإعمار في ليبيا، من خلال الدفع بالشركات الروسية الكبرى في المناطق التي يسيطر عليها الجيش الوطني الليبي (ثلاثة أرباع مساحة البلاد) بالإضافة إلى الضغط على حكومة طرابلس من أجل عقد بعض الصفقات في قطاع النفط. وفي أكتوبر 2018 نشرت صحيفة "ذا صن" البريطانية تقريرًا كشفت فيه التغلغل الروسي في ليبيا، واستعدادات موسكو للاستحواذ على قطاع التشييد والبناء في ليبيا من أنقرة، فضلًا عن الاستفادة من النفط الليبي، من خلال عودة شركات النفط الروسية الكبرى للعمل في ليبيا.

خسائر تركية
وفي ظل تقدم الشركات الروسية في السوق الليبي، تحصد الشركات التركية ثمرة ما زرعته حكومتهم في ليبيا، فقد توقفت قرابة 300 شركة تركية كانت تعمل في ليبيا، وتكبدت خسائر كبيرة جراء الفوضى التي تعم البلاد، لا سيما بعد قرار حكومة طبرق بوقف جميع التعاملات معها،  ووقف تسيير رحلات الخطوط الجوية التركية إلى ليبيا. 

وقد أدت الاضطرابات التي اشتعلت في ليبيا منذ 2011 والتي غذتها أنقرة إلى تأثر كثير من الشركات التركية العاملة في ليبيا بصورة سلبية. مصداقا للمثل القائل: "من أعمالكم سلط عليكم". فقد أدت الفوضى التي تعصف بالبلاد، وتدخلات أنقرة المستمرة في الشؤون الداخلية الليبية إلى توقف المشروعات التي تنفذها الشركات التركية.

في مارس 2019 صرح مدحت ينيغون، رئيس رابطة المقاولين الأتراك، لوكالة أنباء "الأناضول"، أن قيمة المشروعات التركية المتوقفة في ليبيا تناهز قرابة 19 مليار دولار، فضلا عن مستحقات وتأمينات لهذه الشركات تبلغ قيمتها 1.7 مليار دولار. وذكر أن حجم الخسائر والأضرار التي لحقت بمعدات هذه الشركات في ليبيا بلغت 1.3 مليار دولار، وأن هذه الشركات تنفق 50 مليون دولار سنويا لتسديد خطابات الضمان.

مشكلات عالقة
وكشف ينيغون أن أنقرة نسقت مع حكومة الوفاق في طرابلس لتشكيل مجموعة عمل من ضمنها رابطة المقاولين الأتراك التي يرأسها، لوضع حلول لمشكلات المشروعات التركية العالقة في البلاد، ولتحصيل مستحقات هذه الشركات، مؤكدا على ضرورة تسديد التعويضات لجميع الشركات التركية المتضررة نتيجة توقف مشروعاتها والخسائر التي تكبدتها نتيجة للصراع الدائر في البلد الإفريقي.

وشدد ينيغون على ضرورة تحقيق الاستقرار والأمن في ليبيا، وألقى مسؤولية ذلك على الليبيين دون أن يتهم حكومته بالتسبب في هذه الفوضى بطبيعة الحال، وقال إن استتباب الأمن هو البيئة الوحيدة التي يمكن للشركات التركية خلالها استئناف أعمالها ومشروعاتها في ليبيا.

كانت تركيا وشركاتها المقاولات التركية تحصل أرباحها من عائدات النفط الليبي، التي يتم إيداعها في مصرف ليبيا المركزي، ومما يعقد الأمر أن هذا المصرف لا يعترف بحكومة طرابلس، العميلة لأنقرة، وهو الذي يقرر وجهة المدفوعات التي ينفقها، وليس على قوائم مدفوعاته شركات المقاولات التركية، وهو ما يثير حفيظة أنقرة، التي ترغب في استنزاف دولارات ليبيا لصالح شركاتها بما يصب في مصلحة الليرة التركية المنهارة أمام الدولار.

Qatalah