يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


"دماء وغدر بين أبناء الأسرة الواحدة، حيث يقتل الأخ أخاه والأب ابنه طمعًا في العرش"، هكذا كان تاريخ الدولة العثمانلية منذ نشأتها حتى سقوطها في عشرينيات القرن الماضي.. محمد الثالث أحد أبرز السلاطين العثمانلية الذين استباحوا دماء الأشقاء والأبناء، حيث اشتهر بأنه "تسلم الكرسي صباحاً وأخرج 19 تابوتاً لأشقائه الأمراء ظهراً".

كان الحادث الأبشع في تاريخ الأسرة العثمانلية الحاكمة، ما قام به السلطان محمد الثالث بعد لحظات من تنصيبه، عندما أمر بتجهيز 20 قبراً، أحدها لأبيه السلطان مراد الذي توفي، و19 قبراً لأشقائه الأمراء، حيث تم خنقهم من الجلادين، ليخرج من القصر 19 تابوتاً بالوشاح الأسود في مجزرة بكل معاني الكلمة، كان من بينها 3 رضع و 5 أطفال أعمارهم بين 3 و 6 سنوات.

وعلى الرغم من محاولات والدته السلطانة "صفية" من منع إتمام هذه الجريمة، إلا أنه كان مصمماً ومتمسكاً بتنفيذ قانون قتل الإخوة لتثبيت عرشه، كما أمر ببقر بطون 6 من جواري أبيه الحوامل ووضعوهن في أجولة وألقوهن في البوسفور.
قبل أن تجف دماء إخوته، أمر بإعدام ابنه المفضل محمود خوفا منه بسبب شجاعته العسكرية. جرائم محمد لم تنته تجاه عائلته فأمر بسجن والدته ووصيفتها ثم أطلق سراحهما ووضع من بقي من الأمراء في القصر المعروف باسم القفص.
الثورات ملأت عهده احتجاجا على الظلم والفقر وتمردت فرق الجيش بسبب تحكم الحريم في السلطان ونقص الرواتب ولكن السلطان قمع الحركات الاجتماعية بقسوة. عهد محمد الثالث أكد على دخول السلطنة مرحلة الانحطاط التي لم تتعاف منها أبدا.

سفاح الأشقاء
هو السلطان الثالث عشر في قائمة السلالة العثمانلية ولد عام 1566 من جارية إيطالية الأصل تدعى صفية وتولى الحكم بعد وفاة والده مراد الثالث عام 1995 وتوفي عام 1603.
قبل اعتلائه العرش شغل محمد منصب والي أماسيا في الأناضول وتم استدعاؤه وتتويجه بعد وفاة والده.

عهد محمد الثالث بدأ بشنق 19 من أشقائه أولاد السلطان مراد الثالث ثم أقام لهم جنازة مهيبة ودفنهم بإكرام بجانب والدهم في أكفان مرصعة بالأحجار الكريمة. وقام أتباع السلطان بقتل ستة من جواري مراد الثالث وكن حوامل ووضعوهن في أجولة وألقوهن في البوسفور حتى لا ينجبن أبناءً يطالبون بالعرش.
جرائم قتل أفراد العائلة لم تقف على الأشقاء وامتدت للأبناء حين أمر السلطان بقتل ابنه المقرب محمود لأنه توسل إليه أن يجعله على قيادة الجيوش التي تحارب المتمردين في الأناضول فأثار ذلك شكوك السلطان فكان سبب قتله. 
السلطان سجن الأمراء في قصر يعرف باسم القفص حيث أبقاهم معزولين عن العالم.

بعد ما فرغ من سفك دماء عائلته واطمأن إلى ملكه ركن إلى حياة اللهو وعاش حياة المجون بين الجواري وترك إدارة الحكم للوزراء ومنهم سنان باشا وجفالة باشا وحسن باشا ففسدوا في الأرض وباعوا المناصب المدنية والعسكرية وقللوا عيار العملة لتحقيق مكاسب شخصية.

سلطان الحريم
شخصية محمد الثالث اتسمت بالانطوائية والتردد وتقلب المزاج وكان سهل الانقياد، فسيطرت عليه والدته صفية وأحاطته بالجواري لتبقيه مشغولا لتنفرد بالحكم وظلت تتحكم في شؤون البلاد طيلة عهده.
اليهود حازوا مكانة عالية في البلاط السلطاني واشتهر منهم سيدة تدعى إسبرانزا مالشي حصلت على امتياز لجمع الضرائب الزراعية وتم قتلها على يد فارس سباهي في إطار الصراع السياسي على الحظوة في البلاط. 
الفشل كان شعار عهد السلطان فعم الخراب في كل مكان وشهدت البلاد أزمات اقتصادية كبرى وتسلط الولاة على الفلاحين الذين صاروا مصدر الدخل الوحيد للسلطنة بعدما فقدت دخل الغنائم بتوقف التوسعات العسكرية.

الطاعون ضرب العاصمة ولم تقم السلطات بجهد يذكر لمكافحته، ففتك بالآلاف وبعده حلت كارثة أخرى على المدينة حيث اندلع حريق هائل عام 1598.
الوالدة صفية سيطرت تماما على الحكم ولم ير السلطان أحدا دون إذنها وأخفت عنه أخبار الاضطرابات وعندما ثار السباهية طالبوا بسجن السلطان وإعدام اثنين من الوزراء.

النمسا والصفويون
كانت الحرب العثمانلية-النمساوية مشتعلة منذ عهد والده مراد الثالث وأحرزت النمسا انتصارات كبيرة وتسبب إهمال السلطان محمد واستبداد وزرائه بالحكم في ثورة إمارات ولاشيا وترانسيلفانيا ومولدافيا على العثمانيين وانضمامها إلى النمسا.
الجيش النمساوي استولى على حصن إستركون وفيشكراد المهمين بعد هزيمة مذلة للعثمانيين.

عهد محمد لم يشهد أي توسع للسلطنة بل انكمشت حدودها بعد اقتطاع النمسا جزءًا من الأراضي. أمام الهزائم المتوالية على السلطنة اضطر السلطان للخروج على رأس الجيش بسبب تنازع الوزراء فيما بينهم وتخريبهم للحملات التي يخرج على رأسها قادة أو وزراء من المنافسين لهم.
في البداية تمكن السلطان من تحقيق نصر على جيش نمساوي واسترد أحد الحصون واستولى على قلعة مهمة لكنه لم يتحمل حياة الحرب فعاد مسرعا إلى قصره المطل على البوسفور خوفا من تدبير المكائد ضده أثناء غيابه.
النمسا نفضت عنها الهزائم وعاودت الحرب وحققت انتصارات عديدة عام 1598 بينما السلطان يلهو بين جواريه.

شخصية السلطان الساذجة وسلوكه المشين شجّع الدول على السلطنة العثمانلية وقام الشاه الصفوي عباس الأول بحملة عسكرية استعاد خلالها الأراضي التي فقدها بموجب معاهدة فرهاد باشا. عباس نجح في الاستيلاء على منطقتي نقشبان وتبريز.

ثورات وفتن
عهد محمد الثالث اتسم بالفوضى والظلم وشهدت البلاد أزمة اقتصادية حادة وتنامى التضخم سريعا وزادت معاناة الفلاحين بسبب الضرائب القاسية وتعسف الإقطاعيين ضدهم.
الأناضول قلب السلطنة شهدت موجات ثورية جديدة من الحركة الاحتجاجية الواسعة التي عرفت باسم ثورات الجلالية والتي بدأت في عهد السلطان سليم الأول واستمرت إلى قرن بعده.
تسبب قرار مصادرة ممتلكات السباهية والفرق العسكرية التي فرت من الحرب أمام النمسا في زيادة حدة الثورات واكتسابها طابعا عسكريا.

إحدى الفرق المتمردة تدعى علوفه جي كانت ممن فروا من معركة كرزت وتم نفيهم إلى الأناضول وهناك ادعى أحد رؤوسائهم ويدعى قره يازيجي أن النبي جاءه في المنام وبشره بالنصر على آل عثمان فتبعه كثيرون وتغلب على والي القرمان واتحد مع أخيه دلي حسن والي بغداد.
تمرد قره يازيجي انتهى بقتله إلا أنه كلف السلطنة أموالا كثيرة وحرمها من الضرائب لسنوات وكلفها عددا كبيرا من الجنود.

انعزال السلطان في قصره وفساد رجال إدارته كاد أن يعصف بالسلطنة فلم يكن أحد يهتم بشؤون الجيش واستغل كل شخص منصبه لتحقيق مكاسب شخصية وفي ظل استشراء الفساد الإداري ثار فرسان السباهية احتجاجا على عدم تعويض الدولة لهم بعد خسائر إقطاعياتهم في الأناضول نتيجة الثورات.
السباهية طالبت بنهب ما في المساجد من التحف الذهبية والفضية وصهرها وسكها في عملات تدفع لهم وبدلا من حل المشكلة بطريقة منصفة لجأ السلطان إلى الوقيعة بين الفرق العسكرية وحرض الإنكشارية أعداء السباهية على الفتك بهم فوقعت مجازر في العاصمة بين الطرفين انتهت لصالح الإنكشارية.

المصادر :


Qatalah