يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


في 30 مارس عام 1432 زفت إحدى جواري السلطان مراد الثاني له خبر ولادة ابنه محمد، فذهب من فوره إلى جناح الحريم ليحمله بين ذراعيه، كان السلطان في غاية السعادة وهو يداعب يد الوليد الصغيرة الناعمة ويفرد أصابعها المضمومة ولم يكن يعلم أنها نفس اليد التي ستمسك يوما بالسيف وتقتل أخويه، لم يكن يعلم أن طفله حين يشتد عوده سيأمر بنفيه شخصيا خارج البلاد ليخلو له الحكم.

استرعت طفولة محمد الثاني الانتباه من سكان القصر، فقد كان حادا وعنيفا مع كل من يتحدث إليه، فتجنبه الجميع ولم يفلت من بطشه العبيد والجواري الذين كان يتلذذ بركلهم وإلقاء الأواني الحارقة على وجوههم، وعندما أصبح شابا يجلس بجانب والده كان يوزع أذاه على الحضور، لم يسلم أحد من لسانه السليط، وهو ما أجبر والده على عدم تسميته ولياً للعهد، إلا أن الأمير المتهور باغت والده بما لم يتوقع!

قتل أخويه ليمنعهما من ولاية العرش، ولم يكتف بذلك بل قام بنفي والده إلى ولاية "أيدين"، ونصب نفسه سلطانا على البلاد. ولكن والده مراد استطاع العودة إلى الحكم بمساعدة الإنكشارية، وأصدر فرمانا بتعيين الابن القاتل محمد الثاني ولياً للعهد ليأمن على نفسه من شروره.

جلوسه على العرش
مات الوالد، فاعتلى الابن العاق أمور السلطنة، وأقر تشريعا بقتل الأشقاء تحت اسم "قانون البغي"، ليذبح بقية إخوته وأولادهم، وهو القانون الذي شرعن عملية قتل الأشقاء وحكم صراع العرش في الدولة العثمانية لمدة قرنين من الزمان، تم فيها سفك دماء عشرات الأمراء. 

جلس السلطان محمد الفاتح بدون منازع على العرش، ليبدأ فترة حكمه التي استمرت ثلاثين عاما، انتكست فيها الشريعة الإسلامية، فقد أحل الزنا والشذوذ لنفسه وأباح سفك الدماء ليقضي على كل من يحاول التفكير في الوقوف أمامه، وتحالف مع الفرق المتشددة وترك الأندلس تضيع من يد المسلمين وأنقذ اليهود وكاد أن يعتنق المسيحية وادعى الألوهية.

 

 

القانون البيزنطي
اقتبس محمد الثاني 75 تشريعا من القانون البيزنطي أطلق عليها "فاتح قانون نامه سي"، نبذ فيها أحكام الشريعة الإسلامية واستبدالها بالقوانين الوضعية الغربية، وأجبر الفقهاء تحت السيف على مباركتها والتصريح أمام عامة الشعب بأنها توافق إجماع المذاهب الأربعة.

أهم تلك التشريعات التي حصن بها نفسه، قانون "القتل سياسة" - كان بمثابة تقنين الاغتيالات السياسية - ونص على أنه "إذا تيسرت السلطنة لأي ولد من أولادي فيكون مناسبا قتل إخوته في سبيل تأسيس نظام العالم"، فأجاز معظم العلماء القانون البربري، ووجب العمل به وصدرت الفتوى من شيخ الإسلام فخر الدين عجمي أفندي بجواز قتلهم تحت اسم "فتوى البغي"، والتى نصها: "إن قتل الأخ والابن جائز للسلطان، لأجل المصلحة العامة وحفظ النظام"، وهي الفتوى التي أراد بها تبرير قتله لإخوته.  

قانون البغي
جند فقهاء السلطنة للترويج لتشريعاته الدموية، فعكف الفقيه دده أفندي على تأليف كتاب "سياست نامه"، الذي استند فيه على فتاوى ضعيفة لتوسيع مفهوم البغي ليشمل أفراد آل عثمان وأية شخصية سياسية بالسلطنة، فشملت الأمراء والوزراء وقادة الجيش، ومكن القانون السلطان من اعتبار كل متمرد أو طموح في السلطة مجرما باغيا، عقابه الإعدام بتهمة الخيانة العظمى مهما كانت صلة قرابته أو منصبه في الدولة أو رتبته في الجيش.

أول ضحايا القانون كان الصدر الأعظم خليل باشا جاندارلي الذي خشي محمد الثاني من شعبية عائلته التي حكمت إمارة جاندارلي وكانت تضم صفوة سياسية مثقفة من الطراز الأول نافست إمارة عثمان، فاتهمه بالتخابر مع البلاط البيزنطي، وتولى بنفسه عملية اغتياله في الخيمة السلطانية، لينهي الوجود السياسي لآل جندارلي.

 

تحريم بالهوى
غزو السلطان محمد الثاني للقسطنطينية وفتحها العام 1453م، أصابه بجنون العظمة والكبر، وهو ما جعله يتشبه بملوك أوروبا في تخليد نفسه بالصور والتماثيل، ويخالف إجماع الفقهاء على تحريم فن التصوير والتجسيم، ليأتي بكبار الفنانين من الشرق وإيطاليا للبلاط العثماني، ويرسل رجال الدولة ليتفاوضوا مع كبار رسامي أوروبا ليرسموا له "بورتريهات" شخصية. الغريب أن ما حلله السلطان لنفسه حرمه على الرعية ففرض عقوبات صارمة  وصلت لحد الإعدام على الخازوق على أي مبدع وموهوب يحاول رسم صورة خارج نطاق القصور العثمانية، مستخدما في ذلك فتاوى رجال الدين.

قرر السلطان القاتل إلغاء فكرة الزواج الشرعي وأعلى من فكرة الجواري وملكة اليمين، استصدر فتوى من شيخ الإسلام تؤيد رغباته المارقة، أباحت له معاشرة الجواري والغلمان لإشباع شهواته، وأجازت له تولي أبناء الجواري العرش من بعده.

انغمس في البحث عن الحسان لإشباع نزواته، وأمر الصدر الأعظم باقتياد أجمل الفتيات إليه، وحين سقط حصن بوردو تم أسر 704 فتيات، ألحقهن جميعا كجواري للسلطان، وطلب من جامعي ضريبة الدوشرمة، وهي ضريبة تبيح خطف أطفال العائلات المسيحية للتجنيد في صفوف الإنكشارية فضلا عن خطف الفتيات القاصرات، باعتبارها جزءا من الضريبة السنوية على الشعوب المحتلة، ليتخذ المئات منهن محظيات ويقضي معهن لياليه الحمراء، وينشغل بهن عن متابعة شؤون الحكم.

 

الشذوذ
سريعا ما شعر السلطان بالملل من الجواري فألهمته رغباته المحرمة إلى تشريع الشذوذ بالقصور العثمانية، وروج له على اعتبار أنه نوع من التحضر والتمدن، أثبت المؤرخون أن السلطان شاذ جنسيا، وهي القضية المعروفة بـ"إيج أوغلان"، من أبناء الدوشرمة الذين كان يتم اختيار أجملهم ليعمل في جناح "أندرون" أي القسم الداخلي لقصر السلاطين، وقد دخل محمد الثاني في علاقات غير مشروعة معهم، وحين انتابه الشك والغيرة عليهم من أمراء القصر، أمرهم بوضع نقاب على وجوههم.

وورث السلطان عشقهم لابنه بايزيد الثاني خليفته على العرش فنصحه بمعاشرتهم وهو يقول له : "إذا أردت الصحة والسعادة فعليك بالنساء إذا جاء الصيف، وعليك بالغلمان (أوغلان) إذا جاء الشتاء، لأن جسد الغلمان حار، واجتماع حارين في الصيف مضر بالصحة، وجسد النساء بارد، فإذا اجتمع باردان في الشتاء جف الجسد".

معاقرة الخمور
ثالوث المحرمات اكتمل بإباحته شرب الخمر، فلم يفارق الكأس يده، وأنشد فيها أشعارًا، فقد شهدت القسطنطينية احتفالات صاخبة بعد اقتحامها، استمرت أربعين يوما، أعد فيها السلطان لضيوفه كل ما يشتهونه من أنواع الخمر وفي إحدى ليالي الاحتفالات تقدم وألقى قصيدة قال فيها:

"قدم الشراب إلي يا ساقي .. فقد تزول حديقة الأزهار يوما ما 

إذ تأتي فصل الخريف .. وتزول بستان الربيع يوما ما".

المهدي المنتظر 
لم يكن غزو القسطنطينية بالشيء السهل، فقد فشل أجداد السلطان في اقتحامها، ولكن محمد الثاني نجح في ذلك بعد أن قدم مهرها الغالي وهو التخلي عن أصوله الإسلامية، وضع السلطان دينه على مذابح الفرق الضالة واحتضن المذهب الحروفي، وتبنى معتقدات أكثر مغالاة تمنحه سلطة أكبر من كونه، طمع في لقب المهدي المنتظر، ووجد ضالته في الطريقة الحروفية فتقرب من أقطابها.

كافأه زعماء الحروفية على دوره في نشر المذهب، فروجوا بأنه المهدي المنتظر والمخلّص، وظل الله على الأرض، أشاعوا فكرة ألوهيته وعِصمة آل عثمان، لكنه طلب منهم لقبا يتوارى خلفه ويمنحه سلطة دينية، فمنحه شيخهم لقب الفاتح، باعتباره السلطان الذي فتح دولته أمام المذهب الحروفي.

موجة غضب
تسبب انتشار الحروفية في اندلاع موجة غضب عارمة في العاصمة، وشاع خبر تبني الدولة للعقائد الباطنية، فثار الفقيه الملا فخر الدين عجمي، أحد أشهر علماء عصره، فأصدر فتوى تسفه من عقيدتهم المنحرفة، واتهم محمد الثاني بالخروج عن الإسلام، إذا استمر في مساندتهم ودعمهم.

سرعان ما وجدت فتوى الملا فخر الدين من يطبقها فتم قتل شيخ الحروفية وطرد تلاميذه من قصره على يد الصدر الأعظم، إلا أن السلطان لم يرتدع وتواصل مع  من تبقى من مريدي المذهب، وعرض عليه الانضمام للطريقة الصوفية الرسمية للدولة، وابتداء من عام 1452 دخلت البكتاشية تحت تأثير مذهب الحروفية، وصارت جزءا من عقيدتها.

ميوله للمسيحية
أم السلطان الأوروبية المسيحية جعلت الشكوك تثار حول ميول محمد الثاني للنصرانية، فقد سعت جاهدة لتربية ولدها على دينها، وهو ما ظهر في أشعاره التي امتدح فيها محبوبته، ويفوح منها التشبع بالعقيدة المسيحية، فقال في إحدى قصائده:

" لمحت هناك حبيبة بلكنة أجنبية تهب الحياة مثل عيسى

شفتاها تهبان الحياة للإنسان كما كان عيسى يهب الحياة

هذه الحبيبة التي ظلمت عشقك تعرف أنها كافرة

من رأى شعرها المنسدل على ظهرها كالزنار

وخصلات شعرها على عنق كالصليب"

أما بابا روما الكاثوليكي فكتب رسالة للسلطان محمد الفاتح، حاول فيها استمالته للدين المسيحي، ودارت مراسلات كثيرة بينهما بهذا الشأن، وهو ما تم جمعه على يد "جاسبارت" في كتابه "الرسائل المرسلة من كبير الترك إلى الأب القديس البابا"، ووجدها البابا فرصة ليبعث أحد معاونيه للدعاية للدين المسيحي بالقصر العثماني، وكتب له رسالة يدعوه فيها صراحة للمسيحية قال فيها: "لو أصبحت مسيحيا فأوروبا كلها لك، ولنصبناك إمبراطورا على اليونان وعلى الشرق".

اجتمع محمد الثاني مع رجال الدين المسيحي بعد دخوله القسطنطينية، يطلب ودهم فأعطوه كتاب "حول المسيحية" ألفه البطريرك "غناديوس"، وتولى ترجمته للسطان قاضي قارافاريا، ليشاهد الجميع بعدها المئات من التحف البيزنطية المسيحية تزين قصره، ويتخذ قراره بتخصيص دير "كومجا" في سلانيك ليكون مدفنا لوالدته.

 

خيانة الفاتح
لن ينسى التاريخ استنجاد أهل غرناطة بالسلطان محمد الثاني، أرسلوا إليه وفدا في العام 1477، ليلفت نظره إلى تدهور أوضاع المسلمين في الأندلس، وناشدوه التدخل لإنقاذهم من العدوان الصليبي، إلا أن الفاتح استقبل المبعوثين بلا اهتمام، وتملص من نصرتهم، وتركهم فريسة للأوروبيين، وأرسل جيوشه لمهاجمة السواحل الإيطالية، وسيطر على مدينة لاترانتوا، ثم توجه للتوسع شرقا.

وعلى العكس فقد استقبل بحفاوة الآلاف من المهاجرين اليهود، وفتح لهم أبواب السلطنة وتقرب منهم وجعلهم وزراءه ورجال دولته، فعين يعقوب باشا وزيرا له، والذي كان على علاقة وطيدة بجمهورية البندقية ورجل أوروبا بالبلاط العثماني، مما جلب انتقاد معاصريه، فيقول المؤرخ التركي عاشق باشا زاده في كتابه:"لقد أصبح الطبيب يعقوب باشا وزيرا، حتى بدأ كل سافل يهودي وجائع يتدخل في أمور السلطان".

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر:

1 - أحمد عبدالرحيم مصطفى في أصول التاريخ العثماني

2 - أحمد آق كوندز الدولة العثمانية المجهولة

3 - يلماز أوزتونا تاريخ الدولة العثمانية

5 - خليل اينالجيك تاريخ الدولة العثمانية من النشوء إلى الإنحدار

6 - محمد فريد تاريخ الدولة العلية العثمانية

7 - دائرة معارف الإمبراطورية العثمانية

8 - محمد جميل بيهم فلسفة التاريخ العثماني

Qatalah