يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


تاريخ سلاطين آل عثمان، لا ينضب من المؤامرات والدسائس والتآمر والعمالة للدول الأجنبية، ما عجل بسقوط الإمبراطورية العثمانية، فريسة سهلة في أيدي الدول الأوروبية. السلطان محمود الأول، الذي تولى الحكم في ظروف اضطرابات سياسية، وشهد عهده العديد من الانتكاسات الداخلية والخارجية، كان خير مثال على أوضاع سلاطين الدولة العثمانية.

السلطان محمود الأول، لم يجد منقذاً أمامه سوى فرنسا، التي أنقذته من التحالف الروسي - النمساوي، ورسمت السياسة الخارجية التي سار عليها خلال حكمه. القسطنطينية في عهده، تحولت إلى مدينة للمتع والشهوات، وصارت قبلة الغربيين الباحثين عن الملذات، بينما تردت الأحوال المعيشية في باقي الولايات والأقاليم.

القتل، كان مصير كل من يجرؤ ويحتج على الظلم الاجتماعي الواقع عليه، ففي عهد محمود الأول تم إغراق الآلاف في أهالي البوسفور، لأنهم طالبوا بما يسد رمقهم.

محمود الأول
السلطان الرابع والعشرون، هو ابن السلطان مصطفى الثاني، من المحظية السلطانة الوالدة صالحة، ولد في 1696، وارتقى العرش بين عامي (1730-1754)، وكان عقيماً فلم ينجب أية أولاد.
كان قد نُفي إلى أدرنة عام 1703 بعد خلع والده، واشتغل في صياغة الذهب، وفي عام 1730 قامت ثورة بقيادة شخص يدعى بترونا خليل، خلعت السلطان أحمد الثالث، وعينت محمود الأول.

في صبيحة 28 سبتمبر 1730، اندلعت الثورة بالعاصمة، ضد السلطان أحمد الثالث، الذي اشتهر عصره بالبذخ والإسراف على بناء القصور، والهوس بزهور الزنبق، بينما كان الشعب يموت جوعاً.

قائد الثورة، كان جندياً إنكشارياً من أصل ألباني، يدعى باترونا خليل. الثوار استولوا على أسلحة من جنود الإنكشارية، احتلت الجموع شوارع القسطنطينية، وأصبحت بحق، أول ثورة اجتماعية ودينية وسياسية واسعة النطاق، في تاريخ المدينة.

باترونا خليل، كان متحدثاً مفوهاً، استمال الناس إلى صفه بخطبه الحماسية، انضم إليه اليونانيون والأرمن والغجر، ومال إليه عمال ترسانة السفن، وموظفو دواوين السلطنة.

السلطان أحمد الثالث، لم يستطع مواجهة الثوار، الذين طالبوا برأس المفتي والصدر الأعظم، ورضخ خوفاً على عرشه، وقتل الرجلين، ثم خلعه الثوار لاحقاً، وقاموا بتعيين ابن أخيه، محمود الأول.
الثوار، نهبوا قصور وبيوت السلطان وحاشيته، وخربوا حدائق الزنبق، التي أعمت السلطان وحاشيته عن الاهتمام بشؤون الحكم.

خيال مآتة
الظروف التي تولى فيها محمود الأول العرش، جعلته دمية في يد بترونا خليل وقادة الثورة. فقضى سنوات حكمه الأولى في محاولة تلبية طلباتهم، فهدم السرادقات والمقصورات، وألغى الضرائب، وعين الأشخاص المفضلين لدى الثوار في المناصب الإدارية. 

عدد من ضباط الجيش لم يعجبهم سيطرة بترونا خليل على السلطة، وتعاونوا مع السلطان من أجل الخلاص منه، ودبروا مكيدة قاموا بقتله فيها، مع عدد من رفاقه، وتشتيت شمل من بقي منهم.

فرنسا، كان لها تأثير كبير في بلاط السلطان محمود الأول، وخضع الصدر الأعظم لتأثير السفير فيلنوف، بشكل تام، حتى أطلعه على أسرار الدولة. 

خلال عهد السلطان محمود الأول، اكتسب الأعيان والوجهاء المحليون سلطة كبيرة، فطغوا وتحكموا في سكان الأقاليم. الرذيلة، انتشرت في القسطنطينية، وعلى شواطئ البوسفور كانت حانات الخمور، والملاهي، وانتشرت المخالفات.

القسطنطينية، أصبحت مقراً للمتع والملاهي، وجذبت الرحالة الغربيين، الراغبين في ملذات ومتع الحياة العثمانية.

الوضع، كان مزرياً في باقي الولايات، وكان الرحالة والمفكرون شاهدين على ذلك، كتب الشاعر يوسف نبي :"لا شيء يكشف عن وضاعة الولايات غير مشاهدة القسطنطينية". في العاصمة عاش الأجانب والأقليات حياة اللهو والرفاهية مشاركين البلاط العثماني في ذلك، بينما كان الوضع المعيشي سيئاً في باقي الولايات. الملذات التي غرق فيها البلاط العثماني، والنخب العثمانية، استنزفت الروح القتالية للعثمانيين.

القمع والوحشية
محمود الأول، استخدم الشدة في مواجهة الاحتجاجات الاجتماعية، وعندما قبض على زمام السلطة، قام بإغراق آلاف الناس في البوسفور، السلطان قمع بشدة ثورة قادها آلباني آخر يدعى علي الأسود، وفيها أعدم عدة آلاف من الثوار، وأبعد الألبان والجورجيين عن العاصمة.
بعد أن استتب الأمر للسلطان محمود الأول، أمر بالهجوم على فارس، وتغلب جيشه على الصفويين، في عدة وقائع، أهدرت فيها الدماء، وطلب الشاه طهماسب الصلح عام 1732، وعارض القائد الصفوي نادر خان تقديم التنازلات للعثمانيين، وقام بعزل الشاه، وولى ابنه عباس الثالث، ونصب نفسه وصياً على إيران.
نادر خان، قاد الجيش الصفوي وهاجم العثمانيين، وأنزل بهم هزيمة شديدة قرب بغداد، فخاف السلطان من قوته، وبعث بمندوبيه طلباً للصلح. غطرسة العثمانلي اختفت، وحل محلها الخوف، واتفق الطرفان على الصلح، بعد أن رد العثمانلي صاغراً جميع الأراضي التي احتلها، وتم رسم حدود الدولتين وفق معاهدة عام 1639.

معاهدة بلغراد
في عام 1722، وقعت روسيا والنمسا وبروسيا معاهدة سرية، منعت تعيين ملك وطني على بولندا، خوفاً من عودة قوة مملكة بولندا، فلما تُوفيّ الملك أوغست الثاني انتخب الأهالي ستانسلاس لكزنيسكي ملكاً عليهم، وكانت تدعمه فرنسا، فأعلنت النمسا وروسيا الحرب على بولندا، ونادوا بأوغست الثاني ملكاً عليها.  

فرنسا، ردت بإعلان الحرب على النمسا، وسعت لدى العثمانيين من أجل التحالف معهم، فقد كانت المصلحة مشتركة. بقاء بولندا مملكة قوية كان يشكل درعاً حاجزاً بين روسيا والعثمانيين، وحاجزاً أمام تقدم الروس صوب أوروبا.

رجال إسطنبول، لم يدركوا هذه المصالح، أو خافوا من روسيا والنمسا، وفضلوا البقاء على الحياد، وتركوا بولندا وحدها، واكتسحها الروس. تحذيرات العثمانيين تحققت، فبعد استيلاء الروس على بولندا، قاموا بالتحرش بالسلطنة، واستغلوا فرصة تعدى قوزاق تابعين للسلطنة على أراضي روسية، وقاموا بمهاجمة القرم عام 1736.

بفضل المساعدة الفرنسية تم إنقاذ العثمانيين، وتوقيع معاهدة بلغراد عام 1740، التي أنهت الحرب. السفير الفرنسي فلنوف كان بطل المعركة، بفضل جهوده تم توقيع صلح غير مهين، واستجابت الدولة لطلبه، وقامت بعقد معاهدة دفاعية هجومية مع السويد.

سبب قبول الروس بالصلح لم يكن انتصار العثمانيين العسكري بل التحالف الفرنسي - السويدي، الذي سمح للأسطول الفرنسي بعبور بحر البلطيق، مما هدد حدود روسيا، التي خشت أن تقع بين عدوين، فأبرمت الصلح.

السلطنة، تنازلت للروس عن ميناء آزوف على البحر الأسود. مقابل هذا الدور دفعت السلطنة الثمن لفرنسا، فتم تجديد الامتيازات لها، التي منحت رعاياها حقوقا قنصلية، ومنحت التجار تسهيلات واسعة النطاق، ونال ملك فرنسا حق حماية المسيحيين الكاثوليك، وتنازلت السلطنة عن سيادتها على عدد من كنائس اللاتين.

الفضل في تحقيق السلام، يرجع أولاً وأخيراً للدبلوماسية الفرنسية، وذكاء فيلنوف وبعد نظره، فقد استطاع إقناع العثمانيين بالقتال في اللحظة المناسبة، وتحقيق السلام في الوقت المناسب، كما كان يستعمل أسلوب المناورات مع كل طرف على حساب الآخر أثناء المفاوضات. 

المعاهدة، كانت بداية لحقبة جديدة، أدركت خلالها السلطنة أن بقاءها معتمد على حليف أوروبي، لمواجهة المنافسين الأوروبيين التقليديين، في روسيا والنمسا.

قوة فرنسا
الضابط الفرنسي دي بونيفال، تولى مهمة تحديث المدفعية، يعاونه 22 ضابطاً فرنسيًا، وافتتح الكلية السلطانية التقنية، التي كانت نواة لفرق الهندسة، إلا أن تعنت الإنكشارية، وضعف إرادة السلطان أمامهم، تسبب في فشل مشاريع التحديث.

مرة ثانية ظهرت مصالح مشتركة بين فرنسا والعثمانيين، عام 1740 حين اندلعت حرب الوراثة النمساوية، وفيها حاربت فرنسا النمسا، وطلبت من العثمانيين الاتحاد معهم، ضد النمسا العدو الأول لهم، لكن العثمانلي فوت الفرصة.

النمسا انتصرت على فرنسا، مما فوت على السلطنة فرصة كبيرة لإضعاف عدوهم التاريخي، كما أضاع حكام إسطنبول فرصة كبيرة لاستعادة الأراضي التي انتزعتها النمسا منهم.

غلطة أخرى، ارتكبها رجال الدولة، وهي نزع السلطة في إقليمي الفلاخ والبغدان من نبلاء البلاد، وتعيين عدد من التجار اليونانيين، قرالات (حكام) مقابل مبلغ مالي سنوياً، وأصبح الحكم في الولايتين لمن يدفع أكثر.

التجار، قاموا بتعويض ما دفعوه مقدماً للخزانة السلطانية، بفرض ضرائب باهظة على أهالي الإقليمين. هؤلاء استبدوا بالسكان، وساموهم الذل، وفتكوا بالنبلاء، وقاموا بقتل كل من خالفهم، وباعوا ألقاب الشرف جهاراً.
كان نتيجة هذه السياسة أن سأم الأهالي هذه السلطة، ومالوا بكليتهم إلى روسيا، مما تسبب في تمردات وثورات عديدة، كلفت العثمانيين الكثير من الدماء.

خلال عهد السلطان محمود الأول، الذي استمر طيلة 24 عاماً، ركنت السلطنة إلى مهادنة أوروبا، والاحتماء بفرنسا. الشؤون الداخلية لم تشهد تغييراً يذكر، وفشلت محاولات التحديث العسكري، بسبب رفض الإنكشارية.

المصادر :


Qatalah