يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


التغييب العثماني المتعمد لمؤسسة الخلافة الإسلامية استمر لثلاثة قرون كاملة، جرت خلالها مياه كثيرة، وتبدلت فيها أوضاع الدولة العثمانية بعنف، حيث تخلفت حضاريا عن أوروبا، وتوالت عليها الهزائم العسكرية الفادحة، واستقل الباشوات بولاياتهم بعيدا عن الاستبداد العثماني، وثارت القوميات بحثا عن الحرية من النير التركي، حتى غدت الألقاب الفخمة التي تسبق اسم السلطان مثل الغازي والخاقان والباب العالي مدعاة للسخرية والتهكم، فيما هرول السلطان محمود الثاني إلى دول أوروبا لحماية دولته المنهارة.
أمام ذلك التأخر الواضح، والانهيار الذي لاح في الأفق للدولة، طرح العثمانيون شرعية حكمهم لإعادة النظر، فالسيف انثنى، وأصبح الدين ملاذ إسطنبول الأخير للنجاة من السقوط، فيما تربع السلطان محمود الثاني على العرش عام 1808 عشية هزائم مذلة أمام روسيا القيصرية، فاقترح الصدر الأعظم مصطفى باشا العلمدار على السلطان الجديد إحياء منصب الخلافة سعيا لإنشاء أرضية دينية لحكمه تضمن له السمع والطاعة من المسلمين، وتسوغ له إعلان الجهاد الإسلامي ضد خصومها.

أهواء السلاطين
دعا الصدر الأعظم السلطان الجديد في يوم بيعته وأمام رجال الدولة إلى القسم بأن يحكم بالعدل وفقا لشريعة الإسلام، وألا يصادر أملاك الناس أو يقتلهم إلا إذا سمحت أحكام الدين، فأقسم محمود الثاني ولم يدرك الغافل أنه اعترف على أسلافه بإقصاء الشريعة وتنحية الإسلام طيلة قرون مضت، حكموا فيها بهواهم لا بأمر الدين، واستبدلوا السبل المعوجة بالطريق المستقيم والفساد بالإصلاح.
لم تدرك النخبة العثمانية ومن قبلها السلطان نفسه أن تحولات القرن التاسع عشر وظروفه لن تنفعهم في دعوتهم لإحياء الخلافة، فالشرق الذي تسربت إليه أفكار الثورة الفرنسية عام 1789 ولقيت فيه رواجا لم يتقبل الخلافة المزعومة للعثمانيين، مثلما يقول سيار الجميل في كتابه "العثمانيون وتكوين العرب الحديث"، خاصة أن ذلك الشرق كان مدركا لألاعيب العثمانيين.
زاد نفور المسلمين ورفضهم لادعاءات السلطان محمود الثاني بفضل صمت علماء الدين في إسطنبول عن الخوض في عدم توافر الشروط الشرعية للخلافة في أفراد السلالة العثمانية، ما دفع المسلمين في إسطنبول وجميع ولايات الدولة العثمانية إلى مقابلة سكوتهم الجبان بتجاهل السلطان وخلافته المزعومة.


ظهر ذلك التجاهل جليا في ثورة اليونان ضد الحكم العثماني، حيث لجأ السلطان العثماني إلى شرعيته الدينية المستحدثة كخليفة للمسلمين، واستخدم شعارات الجهاد ضد الكفار في اليونان، ولكن محاولاته البائسة لم تؤت أكلها في النهاية، ولم تحتشد الجيوش الإسلامية الغاضبة تنفيذا لأوامر السلطان، ولم تتسبب نداءاته إلا في حالة هياج شامل في مدينة إزمير التي تعرض اليونانيون فيها إلى مذبحة واسعة بيد الأتراك.
لجأ السلطان العثماني إلى مصر وجيشها الصاعد على يد الوالي محمد علي باشا، فأرسلت حملة بحرية إلى اليونان بقيادة إبراهيم باشا، ولكنها لم تحقق النجاح المأمول، وتعرض الأسطول المصري للتدمير بالكامل في معركة نفارين، وخسرت الدولة العثمانية وجودها في اليونان.

السلطان الكافر
الفشل في اليونان كان له وقع الصدمة على محمود الثاني وسياساته، حيث قرر التخلي بسهولة عن الأيديولوجية الإسلامية، والاتجاه إلى الأفكار الأوروبية ذات المنزع العلماني لتحديث دولته، فعاد إلى سيرة أجداده الأولى من اللهث وراء القوى الغربية لكسب رضاها، وأطلق في سبيل ذلك حزمة جديدة من الامتيازات لتلك القوى في بلاد المشرق.
أبدى السلطان لقناصل فرنسا وإنجلترا رغبته في تحديث دولته وفقا للنمط الغربي وإحداث انقلاب تشريعي كامل في الهيكل القانوني للإمبراطورية باعتماد القوانين الوضعية الأوروبية بدلا من الشرع الإسلامي، وبدأ الرجل نفسه إرهاصات ذلك الانقلاب بتصرفات شكلية ذات مغزى، فخلع الرداء العثماني القديم وارتدى الزي الأوروبي في إشارة إلى انخلاعه وسلالته من الأصول الشرقية.
أمام ذلك التحول المتطرف شعر المسلمون في إسطنبول وجميع الولايات بالغضب على سلطانهم الحائر بين الإسلام والعلمانية، ويقول المؤرخ البريطاني فيليب مانسيل في كتابه "ثلاث مدن مشرقية" إن "مكانة السلطان تغيرت بين ليلة وضحاها، ونزل في نظر رعاياه من خليفة مسلم إلى سلطان كافر، خاصة بعد أن أبدى استعداده للاستجابة لكل شروط أوروبا وفرض التغريب على المجتمعات الشرقية".

فشل ذريع
فشل محمود الثاني في تنصيب نفسه خليفة للمسلمين، ولم يستطع فرض سيطرته على الأقاليم المحتلة من قبل العثمانيين، فأعلنت اليونان الثورة في عشرينيات القرن التاسع عشر، ونجحت في الحصول على استقلالها، لتنكمش أملاك العثمانيين في البلقان، واستغلت روسيا القيصرية الضعف العثماني في إعلان الحرب على الدولة بين عامي 1806 و1812، والتي انتهت بانتصار موسكو وإذلال إسطنبول، ثم الحرب الروسية العثمانية بين عامي 1828 و1829 والتي انتهت بهزيمة ساحقة للعثمانيين وسلطانهم محمود الثاني، الذي اعترف بتفوق روسيا بعدما كادت القوات الروسية أن تدخل إسطنبول لولا تدخل بريطانيا وفرنسا، التي باتت الحامية الرسمية للسلطان الضعيف.


بدأت الولايات العربية أمام وهن الحكم العثماني تفكر في الثورة والاستقلال، فيما تابع السلطان انهيار ملكه في صمت الجبناء، وصعد نجم والي مصر محمد علي باشا الذي استطاع أن يقوض أية شرعية مدعاة للعثمانيين، ونجح في غضون أعوام قليلة في انتزاع حكم السودان وبلاد الشام والجزيرة العربية من العثمانيين، بعد نجاح القوات المصرية في هزيمة العثمانيين في سلسلة من المعارك.
كانت المعركة الفاصلة قرب قرية نصيبين في أعالي الفرات عام 1839، وأنزل فيها المصريون هزيمة ساحقة بالأتراك، لم يحتملها السلطان محمود الثاني الذي مات كمدا فور أن علم بانتصارات جيش مصر، واستنجد العثمانيون بالدول الأوروبية لوقف تقدم محمد علي وقواته، فسقطت مزاعم الخلافة أمام الخضوع للقوى الأوروبية المسيحية التي باتت الحصن الأخير للسلطان ودولة الخلافة الوهمية.

Qatalah