يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


الحاكم المستبد، يحتاج ولاء مطلقا من بعض المدنيين والعسكريين، ليلعبوا دور الخادم المطيع للديكتاتور دون اعتراض أو نقاش، ووجد رئيس تركيا رجب إردوغان ضالته في رئيس أركان قوات الجيش التركي، ياشار جولر، ليقوم بهذا الدور القذر، بعدما برهن على ولائه بقتل 17 طفلاً، كما شارك سيده في إخراج مسرحية انقلاب يوليو 2016.

جولر، يرتبط بعلاقات متينة بحزب العدالة والتنمية الحاكم، فالرجل يؤمن صراحة بأفكار العثمانية الجديدة، أحلام التوسع وغزو العالم وإعادة إحياء الإمبراطورية المقبورة، تبرر له سفك الدماء العربية والكردية، متعة مريضة، يشارك فيها سيده إردوغان، لذا لم يكن غريباً أن يجعله الأخير على رأس المؤسسة العسكرية في محاولة إخضاعها بالكامل لأوامر الجالس في القصر الأبيض.

ثقة إردوغان العمياء في جولر، جعلته لا ينتظر اجتماع المجلس العسكري الأعلى "ياش" من أجل اتخاذ قرار بترقيته، لتتم ترقيته على غير المتبع بقرار جمهوري، فالرجل وبحسب صحيفة "أحوال" التركية، كان ولا يزال من أوائل الجنرالات الذين ارتموا في أحضان العدالة والتنمية من أجل نيل رضاء إردوغان.
الإشارة الكاشفة لولاء جولر للحزب الحاكم، كانت في عام 2010، عندما صافح خير النساء جول زوجة الرئيس التركي السابق عبد الله جول عام 2010، خلافاً للتقليد المتبع لباقي جنرالات الجيش الآخرين، ليثبت أنه من أبناء العدالة والتنمية وإن ارتدى بزة الجيش، لذا لم يكن غريباً أن يصبح جولر أحد أبرز الرجال الذين اعتمد عليهم إردوغان في معظم جرائمه سواء في إخراج مسرحية انقلاب يوليو 2016، أو المشاركة في عمليات التوسع التركي شمالي سورية، ما يرتكب من جرائم حرب هناك.

صعود سفاح
جولر ولد في محافظة أردهان عام 1954، حيث التحق بالمدرسة الحربية وتخرج كملازم في مدرسة المراسلات العسكرية عام 1975، وشغل في الفترة ما بين تخرجه حتى عام 1984 قيادة عدد من وحدات المراسلة في الجيش التركي. 
وفقاً لصحيفة "دوفار" التركية، دخل جولر الأكاديمية العليا للقوات المسلحة وتخرج فيها عام 1988، ليترقى إلى رتبة عقيد أركان حرب، ليشغل بعدها عدة مناصب منها رئيس قطاع الحركة بقيادة المنطقة الحرة في الأعوام 1986-1988، ورئيس قطاع التخطيط والتقدير والفحص في القوات البرية بين 1988-1991. 
كما شغل قطاع التدريب والحركة في الفرقة الثانية عشرة مشاة في الأعوام 1991-1992، ومنصب قائد فوج الأمن الداخلي في مدينة سيلوبي عام 1992-1994، ليتم إرساله في الخارج ليصبح مساعداً لقائد الفيلق التركي في البوسنة والهرسك عام 1995.

جولر بدأ في الاقتراب من المراكز القيادية، حين تم تعيينه كبير المستشارين بقيادة المشاريع العسكرية حتى عام 1997، ثم أرسل إلى إيطاليا حتى عام 1999 ليكون مساعد رئيس إدارة المراسلات بقاعدة الناتو الجنوبية في نابولي، ثم قائداً لمركز الشراكة من أجل السلام حتى عام 2000، وفي عام 2001 أصبح مدير شعبة المناورات برئاسة الأركان، كما تمت ترقيته إلى رتبة لواء. 
بعد ترقيته إلى رتبة لواء أصبح قائد الفيلق العاشر بالقوات البرية بين عامي 2001-2003، ثم رئيساً لدائرة إدارة التنسيق لخطة دعم الأفراد في رئاسة الأركان (MEBS Plan ) حتى عام 2005، لتتم ترقيته إلى فريق، تزامن ذلك مع وصول العثمانيين الجدد بقيادة إردوغان إلى السلطة بداية من 2002، حين شكل حزب العدالة والتنمية الحكومة لأول مرة. 
بعد حصوله على رتبة فريق، أصبح جولر قائداً لمركز التدريب ومدرسة دعم الأفراد حتى 2007، وحتى 2009 كان رئيساً لدائرة التدريب برئاسة الأركان، ليتم ترقيته إلى رتبة فريق أول ويصبح القائد العام لفيلق المسح والخرائط برئاسة الأركان، وفي 2011 تولى قيادة اللواء الرابع بالجيش التركي، ثم تولى قيادة استخبارات رئاسة الأركان 2013. 

في عام 2013 وبقرار من المجلس العسكري الأعلى، تمت ترقية جولر إلى رتبة مشير ليصبح سكرتيراً لرئيس الأركان وفي عام 2016 القائد العام لقوات الجندرمة، وفي 2017 عين قائداً للقوات البرية. 
جولر، وصل إلى أهم خطوة في مسيرته المهنية، بعد مسرحية انقلاب 2016، وأصبح حسب صحيفة "أكشام"، من خلال مرسوم رئاسي دون انتظار انعقاد المجلس العسكري الأعلى، المسؤول عن ترقيات القادة والأفراد بالجيش التركي، رئيس الأركان الثلاثون بالجيش التركي وأول رئيس أركان يعينه رئيس الجمهورية، ثقة إردوغان في جولر تبدت عندما لم يقم بإحالته للتقاعد رغم تجاوزه الستين. 

فضيحة تجسس
شبكة "بي بي سي" الإخبارية، كشفت عن تورط جولر حينما كان رئيساً لاستخبارات رئاسة الأركان، في فضيحة تعلقت بوجود شبكة للجاسوسية عرفت بـ "شبكة إزمير" تقوم بتسريب أسرار الدولة لاستخبارات أجنبية، اتهم فيها 357 شخصاً، بينهم عسكريون حيث كان تاريخ بداية الدعوى عام 2010. 

من ضمن الأسماء المتورطة في القضية، 9 أشخاص باستخبارات رئاسة الأركان، متهمين بتسريب أكثر من 700 وثيقة سرية، ومع أنه تمت تبرئة هؤلاء، لكن الدعوى تم فتحها مرة أخرى عام 2016، لتبدأ مجموعة الاتهامات بحق جولر في الظهور خاصة فيما يتعلق بإفادة لأحد المتهمين وهو العميد أركان حرب عرفان بولوت الذي أفاد بوجود شخص غير معروف يسهل عليه اعتراض المعلومات والوثائق الموجودة برئاسة الأركان نافياً التهمة عن نفسه.
وهو ما أدى لهجوم عنيف من جولر، الذي وصف بولنت بأنه شخص يظهر في وضع مهين ويرغب في تبييض صورته، أثناء إفادته التي وقع عليها للمدعي العام، حيث أبدت الوكالة دهشتها من عدم توجيه أي اتهامات لجولر في تلك المؤامرة رغم منصبه وطبيعة عمله، لكن يزول العجب إذا عرفنا أن جولر محمٍ من إردوغان شخصياً مقابل القيام بمهام النظام القذرة.

مجزرة أولوديريه
وكالة "بي بي سي" بالتركية، أشارت إلى مجزرة وقعت في مدينة أولوديريه بمحافظة شرناق، حينما كان جولر رئيساً لاستخبارات رئاسة الأركان، حيث تم استهداف مجموعة من المدنيين، كانوا يمرون إلى العراق بحجة أنهم من عناصر حزب العمال الكردستاني في ديسمبر 2011. 

جولر، أصدر أوامره لطائرات F-16 الحربية لقصف المدنيين حيث قضى في تلك الحادثة 34 شخصاً من بينهم 17 طفلاً، بينما تقول بعض التقارير إن عدد القتلى تجاوز الـ 60، كان جولر على رأس لائحة الأسماء التي ثبتت عليها التهمة، حيث تحدث تقرير من 16 صفحة نشره المدعي العام العسكري يناير 2014 عن إصدار جولر لأوامره بالقصف في تمام الساعة السابعة بعد أن شاهد صور الأقمار الصناعية للمدنيين حينما كان في مركز المراقبة برئاسة الأركان، حيث أرتأى أن التعامل باستخدام الطائرات الحربية مناسب في تلك الحالة. 

وزير الدفاع الحالي خلوصي أكار ورئيس الأركان السابق نجدت أوزيل، قاما بعد مجزرة جولر، بإصدار تعليمات بعدها بعدة ساعات لتنظيم طلعة جوية أخرى لتعقب باقي عناصر المجموعة، رغم ذلك سقطت التهمة عن جولر وباقي المشتركين في المجزرة، حيث أصدر كل من المدعي العام بديار بكر والمدعي العسكري قراراً بعدم ثبوت التهم الموجهة إليهم. 

تخريب سورية
صحيفة "سول بارتي" كشفت في عام 2017، وأثناء تواجد جولر في منصب سكرتير رئيس الأركان، عن تسجيلات صوتية لاجتماع سري أثار الكثير من الجدل في 2014، حيث أصبح اسم جولر مألوفاً للشعب التركي جراء تسجيل صوتي مسرب على الإنترنت منسوب له ولأحمد داود أوغلو كوزير للخارجية في تلك الفترة، وكذلك هاكان فيدان رئيس الاستخبارات التركية حالياً. 
الاجتماع السري، كان حول سورية، حيث تحدث جولر عن ضرورة دعم الاستخبارات لوجستياً وبالسلاح للمجموعات المعارضة للحكومة السورية، كما تحدث عن أن هيئة الصناعات الميكانيكية والكيميائية يمكن أن تصنع السلاح الكيماوي ليستخدم في سورية، في حالة إصدار تعليمات بذلك. 

مخرج مسرحية الانقلاب
جولر، لم يكتف بذلك، بل أمعن في القول حين وجه كلامه لداود أوغلو قائلاً :"من الآن فصاعداً سيكون الجيش التركي أداة ضرورية بالنسبة للعدالة والتنمية"، الجملة الأخيرة مفتاحية لفهم ما حدث بعد ذلك في تركيا، فالرجل يتحدث صراحة عن إخضاع الجيش لهيمنة حزب إردوغان، وهو ما نجح فيه الأخير بعد مسرحية انقلاب 2016، ومعروف دور جولر الذي سلم مفاتيح القيادة العسكرية للديكتاتور، فهل نتحدث هنا عن مؤامرة دبرت بليل بين إردوغان وجولر؟.
داود أوغلو، لم ينف هذا التسريب، لكنه اكتفى بالقول إن بعض ما فيه محرف، كما أن تحقيقات المدعي العام في أنقرة بخصوص هذا الموضوع انتهت دون الوصول إلى نتائج، ومرة أخرى يتدخل إردوغان لحماية رجله في المؤسسة العسكرية من أن يناله أي عقاب.

دور جولر في سورية غير مجهول، فهو أحد المشرفين القلائل على القوات التركية المحتلة في سورية، فهو دائم الزيارة للحدود السورية - التركية للإشراف على عمليات القتل الممنهج التي ترتكبها القوات التركية بحق العرب والأكراد، بهدف تنفيذ مخطط تغيير التركيبة السكانية شمال سورية تمهيدا لقطعها من الجسد التركي.

رجل إردوغان
جولر شارك في ترديد أقاويل إردوغان وأتباعه فيما يتعلق بأحداث الانقلاب المزعوم، فحسب صحيفة "إنترنت هابير" عام 2018، كان جولر بجانب أكار محتجزين في قاعدة أكنجي العسكرية، حيث صور نفسه كبطل حاول الانقلابيون إذلاله عبر تكبيله كما أفاد، كذلك أنه وبعد إحضاره للقاعدة ومقابلته الجنرال المتقاعد أوزتورك الذي تتهمه أنقرة بقيادة الانقلاب المزعوم حاول إثناءه، كذلك وصف أتباع أوزتورك بالمعاتيه.

تماهي جولر مع أقاويل إردوغان ليس بغريب، لأن أعضاء في عائلته ينتمون للعدالة والتنمية وكل ذلك للحصول على عطايا إردوغان وحاشيته، فحسب "إسطنبول جرتشغي" عام 2018، لا يصبح من المستغرب تجاوز إردوغان للوائح وعدم انتظار قرار "ياش" من أجل ترقية جولر كرئيس للأركان في يوليو 2018، إذا ما أخذ في الاعتبار أن أخاه أتيلا جولر العميد المتقاعد بالجيش أيضاً كان ضمن قائمة العدالة والتنمية للمرشحين للبرلمان عن مدينة بايبورت وذلك في انتخابات البرلمان التركي عام 2015.

Qatalah