يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


كان - كشبان تلك الفترة- مبهورا بالحداثة الأوروبية حد الاستعداد لبيع نفسه وتحويلها إلى مسخ، يتبرأ به من ماضيه وعائلته ودينه، ووطنه أيضا إن لزم الأمر، رفع راية الإصلاح ككل أبناء جيله في ذلك الوقت ممن تربوا مترفين لعائلات غنية ومتدينة تحظى بنفوذ وسلطة ما، وكان نصيب عائلته من ذلك النفوذ سمعة واسعة بتخريج كثير من علماء الدين البارزين، وكان طبيعيا أن يبدأ الابن الضال مشواره بالتمرد على هذه السمعه ونبذ الدين وراء ظهره للأبد.

يعتبر أحمد شفيق مدحت الشهير بـ "مدحت باشا" أبرز من تولى منصب الصدر الأعظم في إسطنبول، خلال القرن التاسع عشر، كان ماسونيا حتى النخاع، واصطدم بالتيار القديم في السلطة مرات عديدة، نجح خلالها في فرض توجهاته على الدولة، حيث لعب أدوارا بالغة الخطورة داخل قصر السلطان، وصلت إلى تدبير مؤامرة لقتل السلطان عبد العزيز وتعيين دمية خاضعة له من أبناء جماعته السرية مكانه هو مراد الماسوني. 

تلميذ "كونت"
لعائلة مرموقة من علماء الدين في إسطنبول، ولد مدحت باشا في العام 1822، ورغم تلقيه تعليما دينيا تقليديا في سنواته الأولى فإنه تأثر بالأجواء الثقافية التي سادت في السلطنة في أعقاب قانون التنظيمات منذ العام 1839، التي حاولت تجديد شباب الدولة على الطريقة الأوروبية، وقلص كثيرا من نفوذ التعليم الديني مقابل نظيره الأوروبي العلماني، فاعتنق العلمانية في مطلع شبابه، وآمن بالفلسفة الوضعية التي صاغها الفرنسي أوجست كونت، وصارت صيحة ذلك العصر، مخلفا الدين وراء ظهره.

بذلك التكوين المصنوع في الغرب، ضمن مدحت باشا لنفسه مكانا متقدما بين صفوف النخبة العثمانية الجديدة والمعروفة باسم نخبة التنظيمات والتي عرفت نفسها كتيار تحديث معارض للتيار السائد الذي يستمد قوته من الموروث العثماني القديم، وكان حماس مدحت باشا المطلق لما سمته النخبة الجديدة بـ "الإصلاحات" سببا في ترقيه خلال ستينيات القرن التاسع عشر ليصبح حاكما على أقاليم عثمانية مهمة مثل بلغاريا في العام 1864 ثم بغداد في العام 1869.

صدر أعظم
خلال تلك السنوات نجح مدحت باشا في تقديم نفسه أمام السلطان عبد العزيز بصفته "إصلاحي" يسعى لإعادة تشكيل المنظومة العثمانية في السياسة والإدارة، فاستدعاه الأخير من بغداد في العام 1872 وعينه صدرا أعظم للدولة في العام التالي، لكن الصراعات المعتادة بين مدحت ورجالات التيار القديم في القصر أدت إلى خلعه سريعا بعد شهرين فقط من تعيينه في المنصب. 

في ذلك الوقت ، بدا أن التحديث الذي أرادته النخبة الجديدة برئاسة مدحت عاجز عن تحقيق الأحلام الكبرى التي وعد بها لانتشال العثمانيين من أزمتهم العميقة، فقد تضاعفت الامتيازات الأجنبية ومعها التدخل الغربي لأقصى مدى، وتراجع حضور الإسلام في المجتمع والدولة خطوات أكثر للوراء، بعد أن فقدت المدارس الدينية سمعتها لحساب صعود جيل جديد من المثقفين الأتراك، شرع في نزع الإسلام بالكامل من المجتمعات العثمانية وتعويضه بنزعات الإلحاد الجديدة، وأخيرا كان إصرار الشعوب المسيحية في البلقان على التخلص من سيطرة إسطنبول حتى بعد أن منحتهم حقوقهم كاملة، وكان كل ذلك معبرا عن الفشل الذريع للتنظيمات ونخبتها وعلى رأسها مدحت باشا.

نتيجة لذلك، تشجع التيار القديم مرة أخرى لاسترجاع مكانته السابقة، ونجح بسهولة في إقناع السلطان عبد العزيز بخلع عباءة التنظيمات، والعودة  إلى الحكم المطلق على طريقتهم والاحتماء بستار الدين والتقاليد، وكما كان متوقعا أمام انقلاب عبد العزيز ثارت النخبة الجديدة وتجمعت تحت قيادة مدحت باشا الذي اختار أن تكون قاعات محفل برودوس الماسوني في إسطنبول مقرا لمؤامرته ضد السلطة العثمانية.

ماسوني على العرش
كان محفل "برودوس" الفرنسي قبلة النخبة الماسونية التركية حيث ضم في عضويته العديد ممن تولوا منصب الصدر الأعظم: مدحت باشا ، كاشي زاده فؤاد باشا، إبراهيم حقي باشا، تونسولو خير الدين باشا، وسعد الله باشا بالإضافة إلى شيخي الإسلام موسى كاظم أفندي ومحمود أسعد أفندي، وكذلك سفراء الدولة العثمانية إلى أوروبا. 

وقد حقق المحفل انتصارا عظيما في عصر عبد العزيز عندما نجح في جذب أفراد من السلالة العثمانية نفسها إلى صفوفه حين انضم إليه أبناء السلطان عبد المجيد الأول الأمراء مراد ونور الدين وكمال الدين، واستغلت الحركة الماسونية ذلك في تنفيذ مشروع يضعها - للمرة الأولى - على رأس أكبر دولة إسلامية في حينه بتنصيب "سلطان ماسوني".

كان كالينتي سالييري العقل المدبر للمخطط الماسوني وهو عضو بارز في "محفل الشرق" الفرنسي من أصل يوناني راح ينادي بقيام دولة "بيزنطية" توحد بين اليونانيين والأتراك ويحكمها سلطان عثماني "مستنير"، ووجد ضالته في شخص الأمير مراد، وبالتنسيق مع الصدر الأعظم نجح سالييري في إشعال اضطرابات واسعة في العاصمة انتهت باغتيال السلطان عبد العزيز على فراشه  ثم إشاعة الأخبار عن انتحاره، وتنصيب مراد سلطانا للدولة تحت اسم "مراد الخامس" مع تعيين مدحت باشا صدرا أعظم للمرة الثانية.

وجبة مسمومة
لم يستطع مدحت باشا ورفاقه الاحتفال بانتصارهم الكبير طويلا، وبعد ثلاثة شهور فقط من تنصيب مراد، قام شقيقه "عبد الحميد"، بمساعدة التيار القديم، بانقلاب مضاد خلع على إثره السلطان الماسوني ونفيه إلى قصر  كاراجان بعد رميه بالجنون.

في البداية، أبقى عبد الحميد الثاني على مدحت باشا في الصدارة العظمى، ورضخ لطلباته حول التنظيم الدستوري والنيابي للدولة، فأصدر دستورا للبلاد في ديسمبر 1876، ثم افتتح البرلمان في العام التالي، لكن وبعد عامين أعلن عودته إلى الحكم المطلق، وعطل العمل بالدستور وحل البرلمان الذي لم ينعقد سوى دورتين فقط.

بعد ذلك قرر الانتقام من مدحت المتورط الأول في اغتيال عمه عبدالعزيز، فعزله أولا من منصبه في فبراير 1877 ثم نفاه إلى مدينة الطائف في الجزيرة العربية في العام 1881 ثم قضى عليه هناك - بمنتهى التأني - بوجبة طعام مسمومة بعد ثلاثة أعوام.

Qatalah