يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


أينما حل العثمانيون بحشودهم المتعطشة للدماء، حل الخراب والفساد والظلم، وساد الجهل والظلام الطويل، هذا ما فعلوه في الشام  ومصر مع دخول عامي  1516 و1517، في واحدة من أسوأ موجات الاستعمار همجية وتوحشا في تاريخ الأرض العربية.
لم يقبل عرب السواحل الشامية بهذا التخلف العثماني الوافد على ظهور الخيل، وتحت ستار المطامع والشهوة في خيرات الشرق، فهب الأمير فخر الدين المعني الثاني أمير منطقة الشوف في لبنان ليحطم هذا الكابوس العثماني الجاسم، بعد قرن من الاحتلال البغيض والمدمر، حتى فرض سيادته على "مدد الشوف" بطول الخارطة المعروفة حاليا باسم لبنان، وشرع في إحياء نهضة عربية، وجلب العلوم الحديثة من أوروبا لمواجهة وحش التخلف القادم من إسطنبول.
في عهده ارتفعت مكانة لبنان، وأصبحت منارة للعلم والتعليم، وعاصمة للتقدم والأمن، وساد السلام بين سكانها، وتمتع الجميع على اختلاف أديانهم ومذاهبهم بالمساواة، بعد أن كان التمييز العنصري التركي يفصل بينهم، وتميز حكمه بالعدل والإنصاف على طول المساحة الواقعة بين طرابلس شمالا حتى يافا جنوبا.
لم يطق الأتراك صبراً على رؤية العرب أحياء من جديد، وأكلت نفوسهم الغيرة من النهضة العربية الوليدة، فجردوا الحملات العسكرية الشرسة لإطفاء نور مملكة فخر الدين، وحصلوا في نهاية المطاف على غايتهم، بعد مقاومة عربية بطولية، شاء لها القدر أن تلقى مصير الشهداء تحت أقدام ثيران الأناضول الكارهة للحضارة.

إزالة القرى العربية وفرض الجزية
ضرب الخراب مدن الشام بعد الاحتلال العثماني، وضعف اقتصادها بسبب سوء الإدارة العثمانية، ويقول أحمد عارف الزين في كتابه تاريخ صيدا :"كانت صيدا خرابا وقرية حقيرة في العهد العثماني، حتى جدد بناءها الأمير الدرزي العظيم فخر الدين المعني، وبنى بها قصراً وخانات كثيرة للأجانب والتجار".
اتبع الأتراك سياسة تقوم على العسف والقوة في إدارتهم للشام، وعملوا على فرض سيادتهم من خلال تأجيج نار العداوات بين الأحزاب القبلية في الشام، وأهمهم حزب القيسية واليمنية، بالإضافة إلى إثارة العداوات بين السنة والدروز، وفق ما ذكر ستيفان ونتر في كتابه "الشيعة في لبنان تحت الحكم العثماني".
لم يهتم الأتراك بفرض الأمن داخل لبنان، ولم يهتموا بصيانة الطرق والجسور، وتركوا البلاد في حالة يرثى لها من الخراب والإهمال، تركز هدف العثمانيين الإداري على تحصيل الضرائب بالقوة، بعدما تركوا الساحل السوري بأكمله يخضع لقوانين الامتيازات الأجنبية التي منحت سفن فرنسا وإنجلترا السيطرة على التجارة بين الشرق والغرب مع إقصاء كامل للتجار العرب. 
وعانى السكان العرب من البطش، وخلال الغزو العثماني لمنطقة الشوف - مقر الإمارة الدرزية - قتل العثمانيون المئات من المقاتلين الدروز وأزالوا القرى، وحصلوا الضرائب بالقوة، ونفوا العديد من الزعماء المحليين إلى إسطنبول، وفق المرجع السابق.
كان وقع الظلم أشد على المسيحيين واليهود، إذ فرض الأتراك عليهم الجزية، وأجبروهم على ارتداء زي مخالف للمسلمين، ومنعوهم من الوظائف، أما الشيعة فلم يعترف الأتراك بهم كطائفة مستقلة.
كانت لبنان قبل عهد فخر الدين تتخبط في خضم الفوضى والاضطراب والظلم، فالناس وما يملكون من مال وأرض تحت رحمة الحكام الأتراك، ولم يكتب لأكثرهم النجاة من فسادهم، وإن نجوا فهم لا يخلصون من اللصوص وقطاع الطرق، وغزوات البدو التي تعتدي على الأمن من خلال السلب والنهب والحرق، كل ذلك في ظل إهمال عثماني للبلاد، كما ذكرت سماح معروف في دراسة بعنوان "الأمير فخر الدين المعني الثاني ودوره في تاريخ لبنان الحديث".

نهضة في حماية "الأتراك المرتشين"
تولى الأمير فخر الدين المعني الثاني حكم إمارة الشوف في ظل هذا المناخ الفاسد الذي خيم على البلاد عام 1590، ولم يقبل بفساد الحكم التركي، فعمل على توطيد الأمن دخل إمارته، ثم بدأ في التوسع حتى ضم مجمل لبنان المعاصر وأجزاء من الساحل الفلسطيني.
كان الجد "فخر الدين الأول" قد قتل غدراً بيد العثمانيين عام 1544، وكذلك قتل الأتراك والده قرقماز عام 1585، بسبب محاولتهم الاستقلالية عن سيطرة الإدارة التركية الفاسدة.
أدرك الأمير مبكرا أن العثمانيين لن يقبلوا بأي حاكم عربي قوي، ولا يريدون أي ازدهار للمدن أو نمو للتجارة، فعمل على تحصين إمارته عسكرياً، لمواجهة الغدر العثماني المرتقب.
واضعا نصب عينيه إنقاذ لبنان من التدهور والاضطراب، والسير به على طريق التقدم والازدهار، وأدرك أن السبيل لذلك هو الحد من تدخل ولاة دمشق العثمانيين في لبنان.
كانت السلطنة العثمانية تدار بالرشوة، من أعلى شخص وهو السلطان حتى أدنى جندي تركي، وتنبه فخر الدين لذلك، فقدم العديد من الرشاوى للسلطان العثماني والولاة والقادة الأتراك، لإبعاد خطرهم عن لبنان.
امتازت سياسة الأمير فخر الدين بالوطنية والتي تجلت بحبه للبنان وتعلقه بأرضه، وتركزت على الحرية والعدالة الاجتماعية والوحدة الوطنية وتطوير مناطق لبنان، والتي كانت قبلة، كما ذكرت سماح معروف في دراستها.
استلهم فخر الدين نموذج التحديث من أوروبا، وكان سباقاً في هذا الأمر، إذ بينما يهاجم العثمانيون أوروبا من أجل السلب والنهب، كان فخر الدين يوطد سلطانه مع مدن إيطاليا - فجر النهضة الأوروبية - من أجل نقل الحضارة إلى لبنان، وإنقاذها من التخلف التركي.

القوة تبدأ من دودة القز
توطدت علاقات الأمير بأوروبا بعد منفاه الاختياري في فلورنسا عام 1613، لمدة خمس سنوات، قضاها في دراسة الحياة في مدن إيطاليا، ودرس نظام المصارف والخزانة المركزية والجهاز القضائي المنظم والجيش ومظاهر الحضارة بشكل عام، وعندما عاد من المنفى 1618، ركز على توطيد سلطته المفقودة على كامل لبنان.
تمثلت أبرز إنجازات الأمير الاقتصادية في إدخال تربية دود القز، والاهتمام بصناعة الحرير، وتنمية الصادرات النسجية إلى أوروبا، حيث شجع الفلاحين والحرفيين على الهجرة والاستقرار في شمال جبل لبنان، واهتم بتنمية المهن الزراعية، كما انتشرت صناعات عديدة في عهده، منها صناعة الزجاج والحرير والصابون، وتم تصدير الفائض لأوروبا.
في مجال التجارة عمل على توطيد الأمن الداخلي، وإصلاح الموانئ البحرية، وفتح البلاد على التجارة مع أوروبا، وبنى الخانات لإقامة الأجانب، وفي العمران أحيا الأمير المدن التي كانت مهملة في زمن العثمانيين، وأعاد بناء مدينة صيدا، ووسع مدينة بيروت.

على الأرض السلام
من أهم معالم السياسة الداخلية لفخر الدين التسامح الديني، ورفض الطائفية، والمساواة بين أبناء لبنان من مختلف الأديان والطوائف، وأزال مظاهر الذل التي فرضها العثمانيون على المسيحيين واليهود، ومنح الطوائف حق إقامة الشعائر الدينية.
يقول فؤاد أبو زكي في كتابه :"قبل ثلاثة قرون من القرن العشرين خطا الأمير فخر الدين خطوات إلى الأمام على طريق الحداثة التي تأخر الشرق عنها طيلة هذه القرون" فقد تجرّأ على تجنيد المسيحيين في جيشه، وهو أمر تم فرضه على السلطنة في أواسط القرن التاسع عشر، كما تجرّأ، في عزّ تحجّر سلاطين إسطنبول على إدخال الحداثة إلى الشرق: حداثة الثقافة والتقنية وفنّ العمران وتذوق فنون النهضة وآدابها، التي كانت قد اجتاحت أوروبا وترسّخت فيها قبل قرن من رحيل الأمير إلى فلورنسا.
جلب الأمير فخر الدين المطابع من أوروبا، وأنشأ أول مطبعة بلبنان في عهد حكم المعنيين عام 1610، في وقت كان سلاطين آل عثمان يتفاخرون علنا بمنع المطبعة في إسطنبول بزعم أنها من بدعة من الشيطان، كما أرسل  البعثات العلمية من الطلاب الموارنة إلى روما، لتكوين نواة من الأساتذة وفق المناهج العلمية الحديثة، بهدف إنشاء تعليم حديث في لبنان.


 

جيش الباشا يفر
لم يقبل الأتراك بنهوض المدن العربية في لبنان، وعمدوا إلى الوقيعة بين العرب، وتجييش حملة عسكرية كبيرة للقضاء على النهضة العربية الوليدة، قبل أن تغدو إمارة لبنان مستقلة، قادرة على طردهم من الشام.
وجه العثمانيون حملة بقيادة يوسف باشا لمحاربة فخر الدين، فتحالف الأخير مع الزعيم الكردي علي باشا جانبولاد، الذي كان واليا على حلب من قبل العثمانيين ثم احتفظ بها لنفسه، ونجح الحلف في إنزال هزيمة ساحقة بالعثمانيين، وطردهم حتى دمشق.
ثم عاد العثمانيون فجهزوا حملة بقيادة الوزير مراد باشا القبوجي الذي كان والياً على الشام، استغل فخر الدين انتشار الفساد بين قادة العثمانيين، وقدم رشوة كبيرة للوزير مراد باشا، وكف الأخير شره عن لبنان.
عقد فخر الدين معاهدة مع دوقية توسكانا عام 1608، بهدف التزود بالأسلحة والفنيين، من أجل بناء جيش وطني لصد الهجوم العثماني المرتقب، فقد تعلم أن العثمانيين لا أمان لهم، وأنهم لن يقبلوا بحاكم عربي قوي، وصلت أنباء المعاهدة إلى إسطنبول، فجرد العثمانيون حملة عسكرية كبيرة بقيادة أحمد حافظ باشا على لبنان، الذي حشد جيشاً مؤلفاً من ثلاثين ألف مقاتل، ومزودا بدعم من ولاة حلب وطرابلس وديار بكر.
نظم أمير الشوف صفوف المقاومة ضد العدوان التركي، ونجح في صد هجماتهم لمدة تسعة أشهر، رغم التفوق العددي والتسليح للأتراك، وضرب شعب لبنان آيات في المقاومة الوطنية، دفاعاً عن بلادهم، وعن حقهم في الحرية، وعن الإنجازات التي تحققت بأيديهم، كما ذكرت الباحثة سماح معروف في كتابها.
 

الأتراك قادمون: حرق القرى وقتل السكان
اتبع العثمانيون سياسة الإرهاب في لبنان، بهدف تدمير الروح المعنوية للمقاومة الوطنية، وعمدوا إلى نهب القرى وحرقها وقتل السكان، وأمام هذا الإرهاب رأى فخر الدين أن من الحكمة اختيار المنفى في إيطاليا طوعا، لتجنيب لبنان الدمار الكامل بيد الإرهابيين الأتراك، وغادر عام 1613 إلى منفاه.
استمرت المقاومة بعد رحيل فخر الدين، وفشل الأتراك في اختراق قلعة أرنون، وحصن بانياس، وأمام هذا الفشل، لجأ الأتراك لحرق القرى المحيطة، وقتل سكانها، ويقول زوق مصبح في دراسته "سيرة الأمير فخر الدين المعني الثاني وأبرز منجزاته "قاد أحمد باشا الحافظ حملة عسكرية مؤلفة من خمسين ألف جندي لإخضاع لبنان، وعندما عجز عن احتلال حصن بانياس، وقلعة أرنون، ودام الحصار ستين يوماً، توجه إلى المدن والقرى ونهبها وأحرقها وقتل سكانها"، كما جرد الحافظ حملات عسكرية على منطقة دير القمر، وحرق قصور المعنيين، ووجه قوة من 8 آلاف جندي لعقاب أهل الشوف على مقاومتهم للغزو التركي.
وأمام المجازر العثمانية بحق اللبنانيين، اضطر الأمير فخر الدين للتنازل عن الحكم والذهاب إلى منفاه الاختياري، إيطاليا، تجنبا لإزهاق أرواح اللبنانيين أمام آلة القتل العثماني البشعة.
أرسل الأمير يونس - الذي خلف فخر الدين في حكم لبنان - والدته لطلب الصلح مع الأتراك، وعقدت الصلح معهم مقابل دفع جزية قدرها 300 ألف قرش، وحين عجز اللبنانيون عن استيفاء مبلغ 20 ألف قرش من الجزية، قام الأتراك بأخذ والدة الأمير يونس رهينة حتى سدد ابنها بقية المبلغ.


 

عودة فخر الدين
عاد الأمير فخر الدين إلى لبنان بعد خمسة أعوام في المنفى، وعزم على إعادة بناء ما دمره العثمانيون، وأحضر لذلك المهندسين من إيطاليا في مجالات الري والبناء، وصحبته بعثة علمية في شؤون الزراعة، وجلب محاصيل وأنواعا حيوانية جديدة للبلاد، وفق ما ذكرته إسراء القعود في دراسة بعنوان "الأمیر فخر الدين المعني الثاني ودوره في تاریخ لبنان الحدیث".
تمكن فخر الدين من إعادة بسط سلطته على المناطق التي فقدها بعد الغزو العثماني بقيادة أحمد باشا، تصدى لهجوم عسكري كبير، تزعمه منافسوه من آل حرفوش، بمساعدة والي دمشق مصطفى باشا، ونجح في تحقيق انتصار كبير على العثمانيين وحلفائهم في موقعة قرب قرية عنجر في البقاع.
حاول قليلا التعايش مع العثمانيين، والتزم بتسديد الضرائب المفروضة على لبنان، على أمل صرف الأحقاد العثمانية عن البلاد، إلا أنهم لم يقبلوا إلا بإطفاء أية شمعة قد تبدد ظلامهم، ولم يقبلوا بأية نهضة عربية في قلب مملكة الظلام.
 

الانتقام.. مشنقة في المسجد
تشدد موقف الأتراك تجاه فخر الدين مع تولي السلطان مراد الرابع الحكم (1624 - 1640)، كلّف السلطان والي دمشق أحمد باشا الكجك بالقضاء على الأمير فخر الدين، فشن الوالي حملة برية كبيرة بلغ قوامها 80 ألف مقاتل، بمساندة من الأسطول العثماني بحراً  عام 1633.
واجه جيش فخر الدين العدوان التركي، وصمد طويلاً أمامه، إلا أن كثرة الأتراك غلبت شجاعة المقاومة اللبنانية، ولقي الأمير علي بن فخر الدين مصرعه في معركة سوق الخان.
حاول فخر الدين ترك لبنان لتجنيب ما بقي من أهلها خطر الإبادة على يد الأتراك، إلا أنه وقع في قبضة الأتراك هذه المرة، وأرسلوه أسيراً إلى إسطنبول، وسجنوا زوجاته في دمشق.
وتقول سماح معروف عن الغدر العثماني بالأمير فخر الدين "في الواقع أن أعمال فخر الدين الثاني أثارت حفيظة الحاسدين الذين كانوا يخشون أن يحل محلهم، وأخذوا يدبرون له المكائد، واستطاعوا إقناع المفتي الأكبر أن يصدر فتوى بأن فخر الدين مرتد عن الإسلام، وأحل المفتي دمه"، قتل الأتراك الأمير فخر الدين خنقاً في ساحة أحد المساجد عام 1635، وقطعوا رقاب جميع أولاده ما عدا حسين، فقد نجا لصغر سنه، كما قتلوا زوجاته المحتجزات في سجون دمشق. 
لم يقبل الأتراك بنهضة الأمة العربية في أي مكان، وظلوا في نشر الجهل بدلاً من العلم، والتخريب بدلاً من العمران، وطال قمعهم الحركات القومية العربية، وشنقوا المفكرين التنويريين العرب، بينما شجعوا الخرافة والجهل، لم يستطع العرب في لبنان والشام تنفس نسائم الحرية إلا بعدما تخلصوا من نير الحكم التركي مطلع 1916، بعد ظهور فجر الثورة العربية.

Qatalah