يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


إرث من الدم يطارد الرئيس التركي رجب إردوغان بعد قرن من سقوط الخلافة العثمانية، هذه المرة ينكأ الليبيون جراح الإمبراطورية العثمانية، ويعيدون إلى الأذهان مذبحة الأتراك بحق قبيلة الجوازي التي أسالت دماء شيوخ وأبناء الليبيين قبل نحو 200 عام.
في نهار رمضان، دبر العثمانيون المذبحة لأفراد القبيلة وهم صائمون، على خلفية نزاع بين الوالي العثماني يوسف باشا القرماني وولده محمد، بعد هروب الابن عدة شهور خوفا من بطش أبيه، فاحتضنته قبيلة الجوازي المعروفة بكرمها حتى انتهى الشقاق بين الأب وابنه.
رد الوالي العثماني إحسان القبيلة لولده بالإساءة، وقرر معاقبتها على فعلتها، بعد أن تنكر لبعثة من كبار القبيلة جاءته تطلب العفو والغفران وتخفيض الضرائب والإتاوات المفروضة عليهم، لكن الوالي طلب من ابنه أحمد أن يظهر وجهه الطيب لأفراد القبيلة ولكن إلى حين.

مذبحة فناجين القهوة
دبر الوالي خطة جهنمية لإبادة قبيلة الجوازي، تقوم على إظهار العطف والتسامح مع أبنائها، وتخفي لهم مخطط الإبادة الشاملة، الذي اعتمد على جمع مشايخ القبيلة والتخلص منهم، ومن ثم الإجهاز على أبنائها بدم بارد.
استخدم الوالي يوسف باشا سلاح الغدر الذي برع فيه العثمانيون، فاستطاع تجنيد أحد أفراد القبيلة لإقناع مشايخها بضرورة الحضور إلى الوالي وتقديم فروض الولاء، وأذعن مشايخ القبيلة لدعوة الوالي التي حملها أحد أبنائهم، وحضروا جميعهم إلى بنغازي للقاء الوالي في أحد أيام شهر رمضان.
في صباح 5 سبتمبر 1817، وصل 45 من رؤساء القبيلة في موكب كبير إلى قلعة بنغازي في منطقة البركة بوهديمة، واستقبلهم الوالي العثماني بقناع بشوش يخفي حقيقة وجهه المخادع، وقدم لهم فناجين القهوة، بعد خطبة الترحيب، في حين كان ابن الوالي يبشر مشايخ القبيلة بعفو أبيه.
دخل الحراس شاهرين سيوفهم لينفذوا أوامر الوالي بذبح جميع مشايخ القبيلة، وأجهزوا على عدد كبير منهم، وأخذوا من أظهروا بعض المقاومة إلى غرفة قريبة أعدت خصيصا لإعدامهم، واصطاد الحراس قلة حاولت الهروب برصاص بنادقهم.
قدم الأرشيف الليبي وثيقة خطية عن واقعة إعدام شيوخ الجوازي في قصر بنغازي، كتبها الفقي أحمد بن محمد الشنقيطي المغربي، وذكر فيها واقعة إعدام شيوخ القبيلة المغدورين على يد جنود الوالي العثماني يوسف القرماني، وبالوثيقة كشف بأسماء شيوخ الجوازي.


بعد انتهاء مجزرة القصر، أمر الوالي جنوده بالتخلص من جميع أبنائها، وانتشر خبر المجزرة وعرف بها بعض أبناء القبيلة، فتمكنوا من الهرب تاركين خلفهم جميع ما يملكون، وفي هذه الأثناء خرج أحمد بن يوسف باشا يتقدم فرسانه بأقصى سرعة ممكنة ليفاجئ من تطاله يده من رجال ونساء وشيوخ بالقتل.
بعد أيام قليلة من المذبحة وصل إلى ميناء بنغازي باقي أفراد القبيلة لطلب الصفح والمغفرة من باشا طرابلس، كانت الخطة أن يصلوا إلى بنغازي ويشاركوا قومهم في الاحتفال بتكريم قبيلتهم، لكن مصير أولئك لم يختلف عن أقاربهم، وقتلوا جميعا وألقيت جثثهم في مياه البحر، وبلغ عدد القتلى 10 آلاف نفس، ما دفع باقي أبناء القبيلة للهجرة إلى مصر.
لم يكتف السفاح التركي بجريمته البشعة، فوسط تلك الدماء ومشاهد الجثث المشوهة امتلأ قلب الباشا فرحا بالغنائم التي حصل عليها بعد قتل ضحاياه، وأمر جنوده بنهب ممتلكات القبيلة، فبلغت الغنائم 4 آلاف جمل، و10 آلاف رأس من الغنم، و6 آلاف من البقر، وكميات كبيرة من النقود ومئات الأسرى والسبايا.
بعد المجزرة تعرض أبناء القبيلة إلى التهجير القسري، فقصدوا الجزائر والمغرب، وكانت مصر وجهة الأغلبية التي دخلت عبر مدينة السلوم، فأقاموا 6 أشهر في ضيافة قبائل أولاد علي، ثم استكملوا السير حتى وصلوا إلى المنيا بصعيد مصر.

دماء تطلب الثأر
اجتمع أبناء قبيلة الجوازي في مصر، منتصف أبريل الماضي، لبحث آلية مقاضاة تركيا على مذابح الوالي التركي بحق مشايخها وأبنائها أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي، وطالب الشيوخ والأعيان برفع قضية إلى المحاكم الدولية المعنية أسوة بقضية الأرمن، وطالبت القبيلة رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح برفع دعوى على تركيا لدى المحاكم الدولية بتهمة الإبادة الجماعية لأعيانها وشيوخها على يد الأتراك، ولا يزالون ينتظرون الثأر من السفاحين الأتراك.

Qatalah