يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


حين قاد السلطان العثماني، سليم الأول، جيوشه لغزو مصر، كانت ذريعته تخليصها من ظلم المماليك، لكنه وبمجرد أن دخل القاهرة، ألقى تلك الحجة جانبًا، واعترف بسلطة أمراء المماليك، لتستمر دائرة الظلم والاستبداد كما هي، بل ويزيد عليها تخاذل العثمانيين عن محاربة جنود الحملة الفرنسية، بل ووقفوا ضد إرادة المصريين الذين  قرروا عزل خورشيد باشا ضد إرادة السلطان، وتنصيب محمد علي باشا بدلا منه.

محمد علي باشا تقلد حكم مصر بإرادة شعبية في 13 مايو 1805، بعد أن حظي بتأييد الشيخ عبد الله الشرقاوي والسيد عمر مكرم، وكان لهما أثر فعال في تثبيت دعائم ملكه وتذليل العقبات التي وضعها في طريقه عملاء إسطنبول في مصر، لاسيما أمراء المماليك، والذين تحالفوا مع سليم الثالث ومن بعده محمود الثاني، بهدف الانقلاب على الثورة المصرية التي طردت خورشيد باشا الوالي العثماني.

سليم الثالث أصدر فرمانا بعزل خورشيد باشا، وتعيين محمد علي باشا واليا على مصر، لكنه لم يكن صادق النية، فلم يكن يرضى أن تستقل مصر بشؤونها، أو تختار حاكمها بنفسها، وتظاهر بقبول رغبة المصريين في الاستقلال عن الدولة العثمانية، وفي نفس الوقت دبر المكائد والمؤامرات لإثارة الفوضى بالمحروسة.

الخيانة الأولى
خورشيد باشا كان مازال متحصنا في الإسكندرية، رافضا الانصياع لإرادة المصريين، واستغل سليم الثالث الموقف وأرسل قائده قبطان باشا على رأس 2500 من جنود الإنكشارية إلى القاهرة في 17 يوليو 1805، وكلفه بالتحالف مع الأمير محمد بك الألفي زعيم المماليك، وإعادة تنصيب خورشيد باشا الوالي المخلوع، بالزحف على القاهرة واعتقال محمد علي باشا، وطرد فرق الجنود الأرناؤود المؤيدة له، لكن مكائد قبطان باشا فشلت.

محمد بك الألفي وقبطان باشا تحالفوا مع الأسطول الإنجليزي المتواجد بالإسكندرية، وأرسلوا خطابا إلى محمد علي يدعونه فيه إلى ترك مصر، وجاء بالرسالة: "إن إسطنبول ولندن اتفقتا على ترك شؤون مصر بيد المماليك، فهم الأقدر على حكمها، واختاروا محمد بك الألفي ليكون واليا عليها"، وتحججوا بأن بقاء محمد علي في السلطة يجدد الفتن ويستفز المماليك إلى استئناف الحرب والقتال، ويحفزهم إلى الزحف على القاهرة لانتزاع السلطة بالقوة، وأعلنت لندن عن نيتها لإرسال جيوشها لتأييد حق محمد بك الألفي في الحكم.

ثنائي الشر، قبطان باشا، ومحمد الألفي، دبرا مؤامرة للانقلاب على محمد علي في أغسطس 1805، في يوم الاحتفال بوفاء النيل، إذ يكون محمد علي وزعماء الأمة من مشايخ الأزهر والأعيان مشغولين في الاحتفال في مصر القديمة، بينما تكون القلعة بلا تحصينات، واتفقوا مع فرق المماليك بالقاهرة على فتح أبواب المدينة أمام موكب قبطان باشا ومحمد الألفي.

المؤامرة العثمانية تكشفت أمام الوالي محمد علي باشا، والذي حصن القاهرة بآلاف الجنود المخلصين، وترك المماليك يدخلون المصيدة بأنفسهم، أذ هجم 1500 من المماليك على العاصمة من باب الفتوح، وطلبوا من الشيخ الشرقاوي والسيد عمر مكرم الانضمام إليهم، لكن زعماء الأمة رفضوا تأييد الانقلاب العثماني-المملوكي.

قوات محمد علي هاجمت المماليك عند الدرب الأحمر، ولاحقتهم حتى باب زويلة، ففروا مذعورين في شوارع القاهرة، وحالوا التحصن في جامع البرقوقية والمؤيد، لكن الأهالي أغلقت أبواب المساجد أمامهم، فحصدت بنادق جنود محمد علي أرواح 700 منهم، وأسروا 500 مملوك، فأمر محمد علي بشنقهم بعد أن أفتى الشيخ الشرقاوي بإهدار دمائهم لأنهم أرهبوا الأهالي الآمنين.

المؤرخ المصري عبد الرحمن الجبرتي علق على تلك الأحداث بقوله: "ولم يتفق للأمراء المماليك أقبح ولا أشنع من هذه الحادثة وطبع الله على قلوبهم وأعمى أبصارهم وغل أيديهم جزاء خيانتهم للمصريين".

الخيانة الثانية
فشل المخطط العثماني - المملوكي في زعزعة الأمن بمصر، وعزل محمد علي باشا، والذي توطد حكمه بعد أن غادر كل من قبطان باشا وخورشيد باشا أراضي مصر في أكتوبر 1805، وقد غادر قبطان باشا مصر وهو يتنبأ لمحمد علي باشا بمستقبل باهر.

قبطان باشا حذر سليم الثالث من خطورة محمد علي، على مستقبل آل عثمان بقوله: "لقد تركت في مصر رجلا (محمد علي) ستجده الدولة (العثمانية) يوما من أعظم خصومها شأنا وأكبرهم خطرا، ولم يوفق سلاطيننا إلى رجل مثل هذا الباشا في دهائه وحزمه وعزيمته".

محمد علي انتهز الفرصة وبسط نفوذه على إقليم الجيزة، وطرد منها القائد التركي الموالي لخورشيد باشا الوالي المخلوع، وبذلك أصبحت منطقة الدلتا في قبضة محمد علي، والذي واجه خطرا كبيرا من الصعيد الواقع في قبضة أمراء المماليك، إذ احتل محمد بك الألفي إقليم الفيوم، وسليمان بك سيطر على أسيوط، وعثمان بك في مديرية إسنا، وإبراهيم بك الكبير وعثمان بك البرديسي احتلوا الأراضي الواقعة بين أسيوط والمنيا.

محمد بك الألفي قاد جيوش المماليك وزحف شمالا نحو القاهرة، وانتصر على القوات التي أرسلها محمد علي بقيادة حسن باشا لتحرير الصعيد، واجتاح محمد بك الألفي الجيزة وبني سويف والبحيرة.

أمراء المماليك اتفقوا على تعيين محمد بك الألفي حاكما على مصر، وهو ما لقي ترحيبا واسعا لدى لندن، والتي ضغطت على سليم الثالث لعزل محمد علي باشا، وتعيين والٍ تركي آخر، على أن يترك شؤون الحكم في يد محمد بك الألفي زعيم المماليك، والذي تعهد بدفع 37 مليون بارة للخزانة العثمانية سنويا، وبالفعل صدر قرار بتعيين موسى باشا واليا على مصر.

سليم الثالث أرسل جيشا من 10 سفن حربية و3 آلاف جندي تحت قيادة صالح باشا، بهدف دعم موسى باشا الوالي الجديد في مصر في 1 يوليو 1806، ودخلت الجيوش العثمانية الإسكندرية بمساعدة محمد بك الألفي، ثم تقدموا نحو دمنهور، وأرسل صالح باشا خطابا إلى شيوح الأزهر يخبرهم بنبأ عزل محمد علي، فاجتمع السيد عمر مكرم بعلماء ومشايخ الأزهر وأعلنوا رفضهم التام لقرار السلطان، وطالبوا بجلاء جيوش العثمانلي عن الأراضي المصرية.

علماء الأزهر أرسلوا خطابا إلى صالح باشا يخبرونه بموقفهم من محمد علي باشا وأمراء المماليك في 15 أغسطس 1806، ومما جاء فيه: "إن محمد علي كافل الإقليم وحافظ ثغوره ومؤمن سبله، وإن الكافة من الخاصة والعامة والرعية راضية بولايته وأحكامه وعدله، وشهدت المحروسة في عهده العدل والخير الوفير، بعد أن ذاقوا الظلم والذل على يد العثمانيين والمماليك، والذين اعتدوا على الأموال والزروع وفرضوا الضرائب والإتاوات الخارجة عن الحد، أما الآن فجميع أهل القطر المصري مطمئنون بولاية هذا الوزير".

محمد علي باشا استخدم ذكاءه لتفتيت الجبهة المملوكية، وكان يعلم بأن محمد بك الألفي مكروها من بقية رؤساء المماليك كالبرديسي وإبراهيم بك وعثمان بك حسن، والذين تلقوا دعوات من محمد علي لترك الخصومة والانضمام لقواته، كما استخدم سلاح المال لكسب السلطان وصالح باشا إلى صفه، وبالفعل أصدر الباب العالي قرارا بتثبيت محمد علي في حكم مصر في 18 أكتوبر 1806، ومما جاء في الفرمان: "رأينا إبقاء محمد علي باشا على ولاية مصر حيث إن الخاصة والعامة راضية بحكمه وعدله بشهادة العلماء وأشراف الناس".

تحرير الصعيد
تقلص عدد المماليك بمصر بعد أن منعهم محمد علي من شراء مماليك جدد، حتى بلغ عددهم 2500 فقط، وحقق محمد علي تقدما كبيرا على المماليك بعد وفاة محمد بك الألفي في عام 1807، واتبع سياسة المهادنة مع أمراء المماليك، خاصة الأمير شاهين بك الألفي، فمنحه بيتا وأراضي شاسعة في الجيزة والفيوم، حتى إن شاهين بك أرسل خطابات إلى أمراء المماليك في الصعيد يدعوهم فيها إلى الانضمام لجيوش محمد علي، وبالفعل توقفوا عن إثارة الفوضى بالبلاد.

محمد علي وجد الفرصة سانحة لبسط نفوذه على الصعيد في مايو 1808، فعين مرزوق بك حاكما على جرجا، والذي أجبر أمراء المماليك على السمع والطاعة، وألزمهم بتقديم 22 ألف أردب من القمح للقاهرة سنويا، لكنهم رفضوا تقديم الغلال، فجهز محمد علي حملة عسكرية مكونة من 6 آلاف مقاتل، وتقدم من القاهرة إلى الصعيد، وبمجرد وصوله فر المماليك هاربين إلى جرجا وأسيوط، وطلبوا الصلح في 27 نوفمبر 1809، واشترط محمد علي عليهم مغادرة الصعيد والإقامة في القاهرة.

أمراء المماليك تركوا الصعيد وتوجهوا نحو القاهرة، وطلبوا الإقامة في العاصمة معترفين بذلك بسلطة محمد علي كحاكم مستقل، لكن مراد بك لم يرض بسلطة محمد علي، ولم يدخل القاهرة، بل أقام في الجيزة لمدة شهر، تواصل خلالها مع أمراء المماليك، خاصة شاهين بك، وأقنعهم بالخروج على حكم محمد علي، فتركوا القاهرة وتحصنوا بالصعيد، فزحف محمد علي بجيشه نحو البهنسا واللاهون، واستولى على الفيوم، وانسحب إبراهيم بك وعثمان بك وسليم بك زعماء المماليك إلى أسوان، وخضع الصعيد لحكم محمد علي.

خسر المماليك كل نفوذهم وامتيازاتهم السياسية والاقتصادية، لذلك أعلنوا ولاءهم لمحمد علي باشا، وطلبوا العودة إلى القاهرة، وكان أولهم شاهين بك الذي طلب العفو لـ1000 من المماليك، فمنحهم محمد علي منازل في القاهرة، فانصرفوا عن القتال والحرب، وانهمكوا في تزيين وزخرفة منازلهم.

مذبحة القلعة
السلطان محمود الثاني انتابه القلق من تصاعد قوة محمد علي باشا، فتحالف مع أمراء المماليك للانقلاب عليه، ووعدهم بتعيين شاهين بك الألفي واليا على مصر، وجاءت ساعة الصفر لتنفيذ مخططهم حين قرر محمد علي إرسال جيش بقيادة ولده أحمد طوسون باشا على رأس حملة عسكرية إلى الحجاز، فاتفق السلطان والمماليك على استغلال فرصة خروج جيوش محمد علي من القاهرة للانقضاض عليه وقتله.

وصلت أنباء المؤامرة إلى محمد علي باشا، والذي أدرك خيانة المماليك، فقرر قطع يد إسطنبول في مصر بالتخلص من أمراء المماليك، وقام محمد علي بدعوة أمراء المماليك إلى حضور حفل خروج حملة طوسون باشا في 1 مارس 1811، كما دعا الأمراء والبكوات والكشاف المماليك بالأقاليم، والذين جاءوا بالمئات لحضور الاحتفال العسكري ظاهريا، ولتنفيذ مخطط قتل محمد علي.

كان 1 مارس 1811 يوما مشهودا في تاريخ مصر الحديث، واستقبلت قلعة الجبل 470 من أمراء المماليك، بالإضافة إلى المئات من خدم الأمراء، واستقبلهم محمد علي بحفاوة بالغة، وقدم لهم الخدم فناجين من القهوة اليمنية، وشكرهم الباشا على إجابتهم دعوته، وفي نهاية الحفل دقت الطبول معلنة تأهب حملة طوسون بك للرحيل، وتحركت الفرق العسكرية تتقدمها فرقة من الفرسان الدلاة بقيادة أوزون علي في اتجاه باب العزب.

طليعة جيش طوسون خرجت من باب العزب، وفجأة أغلقت الأبواب في وجه أمراء المماليك، والذين وقعوا بين فكي الكماشة، فأمامهم الباب مغلق وخلفهم جنود الأرناؤود رافعين بنادقهم في وجوههم، ومئات الجنود يعتلون أسوار القلعة لاصطياد رؤوس المماليك، انتاب المماليك حالة من القلق والفزع، لأنهم جاءوا إلى الاحتفال من غير بنادق ولا سيوف، فحصدت بنادق محمد علي أرواح مئات المماليك الخونة.

أمراء المماليك عجزوا عن الفرار أو الدفاع عن أنفسهم، واستسلم أغلبهم للموت، وحاول البعض الآخر الهروب، ومنهم شاهين بك الألفي والذي تمكن مع بعض الأمراء من تسلق الصخور المحيطة بالطريق وصعد إلى القلعة، فأطلق عليه الجنود الأرناؤود الرصاص فسقط صريعا، واستمر القتال حتى أفنى كل المماليك الذين دخلوا القلعة لحضور الاحتفال.

ابتهجت القاهرة بنبأ التخلص من أمراء المماليك الخونة، وصاح الأهالي "قتل شاهين بك"، ثم هاجمت قوات محمد علي بيوت أمراء المماليك وقبضت عليهم، وصادروا أموالهم لصالح الخزانة المصرية، والتي استخدمها الباشا في تكوين جيش حديث، تمكن فيما بعد من هزيمة جيوش الدولة العثمانية في عدة معارك.

Qatalah