يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


الأضرار التي ألحقتها الدولة العثمانية بالعرب لم تكن نتيجة القمع فقط، بل والضعف أحيانا، مذبحة جدة شاهدة على النوع الأخير من جرائم آل عثمان، إذ كانت النتيجة الظاهرة للامتيازات الأجنبية الواسعة والتي منحتها الدولة العثمانية لأوروبا، أن استبيحت البلدان العربية دون أن يحرك العثمانيون ساكنا.
في عام 1856 انتهت حرب القرم بين الدولة العثمانية وروسيا القيصرية بانتصار زائف حققه العثمانيون بفضل القوات الأوروبية المشتركة، وعلى رأسها فرنسا وإنجلترا، لا بفضل القدرة العسكرية التركية المتهالكة، وعلى سبيل رد الجميل، أصدر السلطان عبد المجيد الأول فرمانا في نفس التاريخ يفرض المساواة القانونية بين المسلمين والمسيحيين في الدولة لأول مرة في التاريخ العثماني، وقد أدى الفرمان الجديد إلى اندلاع اشتباكات دامية بين الطرفين كان أبرزها المذبحة التي جرت في جدة خلال عام 1858.
الواقعة حدثت بالتحديد في يوليو من عام 1858، ونشبت اشتباكات عنيفة بين مسلمين ومسيحيين في ضواحي جدة انقلبت إلى مذبحة دينية قتل فيها عشرات المسيحيين، أصيب خلالها قنصلا بريطانيا وفرنسا، كما قتلت زوجة القنصل الفرنسي، ونهبت المحلات التجارية الأجنبية ودمرت مبانيها كما ذكر بروس ماستر في دائرة معارف الإمبراطورية العثمانية.
 
السفن الحربية تتحرك
الأحداث الدامية دفعت أوروبا إلى استنكارها بشدة، ورمت - وفقا لدراسة عبد العزيز الشناوي - المسلمين بالتعصب الديني والتخلف، واتهمت الدولة العثمانية بالعجز عن الضرب على أيدي من اعتبرتهم السفاحين واللصوص، وعمدت إلى تذكيرها بأفضال أوروبا عليها حين وقفت القوات الإنجليزية والفرنسية إلى جانبها ضد الخطر الروسي الداهم، ثم أرسلتا - أي بريطانيا وفرنسا - مذكرة مشتركة إلى إسطنبول مفادها أنهما قررتا إرسال سفن حربية إلى جدة للتدخل وحماية الجاليات المسيحية. 
في ذلك الوقت كانت مدينة جدة تابعة إداريا لولاية مكة المكرمة، وكان في مكة حاكمان أحدهما شريف مكة عبدالله بن محمد بن عون، واختصاصاته انحصرت في الإشراف على شؤون الحج والنظر في قضايا العشائر، وكان الحاكم الآخر والي الحجاز، ويعين من كبار رجال الجيش العثماني ليجمع بين سلطة الولاية مع قيادة العسكر، وكان "نامق باشا" يشغل هذا المنصب وقت وقوع المذبحة في جدة، فأسرع إليها على رأس قوة عسكرية وقبض على القتلة وقدمهم للمحاكمة وصدرت أحكام بإعدامهم، ولكن لم يكن في مقدور نامق باشا تنفيذ أحكام الإعدام إلا بعد إرسالها إلى إسطنبول للحصول على تصديق الباب العالي، ثم تعاد إليه الأوراق لتنفيذها، وكان طبيعيا أن تستغرق هذه الإجراءات وقتا طويلا.
من ناحية أخرى، كان الباب العالي قد أرسل قائدا عثمانيا هو إسماعيل باشا على رأس قوة عسكرية للإسهام في إخماد الفتنة الدينية ومجازاة القتلة والحكم عليهم وتنفيذ الأحكام فورا دون انتظار تصديق السلطات، وتحركت القوة العثمانية نحو جدة، ورد فؤاد باشا وزير الخارجية العثمانية على المذكرة المشتركة لبريطانيا وفرنسا يبلغهما بالإجراءات التي اتخذها الباب العالي وأبدى استعداد حكومته لدفع تعويضات لمن أضيروا في الأحداث، وقرر أن حكومته تقبل اشتراك مندوبين إنجليز وفرنسيين في تقدير التعويضات.
 
 
إعدام جماعي
كانت الحكومة البريطانية أسرع في تحركها من غيرها، فوصلت السفينة الحربية سيكلوب إلى ميناء جدة قبل وصول إسماعيل باشا، وطلب قائد السفينة من نامق باشا والي الحجاز والذي كان لا يزال موجودا في جدة، تنفيذ أحكام الإعدام فورا وأمهله أربعا وعشرين ساعة، فإذا انتهت المدة دون إعدام المحكوم عليهم فإنه سيصدر أوامره بأن تصوب مدافع السفينة قذائفها لقصف جدة.
ولما انتهت المهلة المحددة، تعرضت المدينة لقصف مدافع السفينة البريطانية ساعات طوال فدمرت المنازل وسفكت دماء بريئة وأحرقت المنشآت، ولولا وصول إسماعيل باشا لدمرت المدينة عن آخرها، ونزل الجنود البريطانيون إلى جدة وكانت قد انتشرت في أرجائها القوة العثمانية المرسلة مع إسماعيل باشا، وسيق المحكوم عليهم بالإعدام ونفذت فيهم الأحكام فورا، وعاد البريطانيون إلى سفنهم التي غادرت ميناء جدة، ولم يجد قائد السفينة الحربية "سيكلوب" سببا لبقائه في المدينة بعد أن نفذ وعيده.
نجد في تلك الواقعة أن فساد الدولة العثمانية وتراخيها في تنفيذ القانون أدى إلى مقتل العديد من الأبرياء في وقائع المذبحة الأولى من المسيحيين ، وفي الثانية كان الضحايا من الذين لا دخل لهم في المعركة الطائفية الدامية التي جرت، فضلا عن أن ترك الدولة العثمانية "الحبل على الغارب" للمتطرفين جعل الدولة عرضة للتدخل الأجنبي ونتيجة ذلك مذبحة مروعة راح ضحيتها العديد من الأشخاص سكان جدة الأبرياء.

Qatalah