يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


لم يشهد تاريخ الدولة العثمانية، أسوأ من عهد السلطان عبد الحميد الثاني، الذي امتد 33 عاماً، عانت خلالها البلاد العربية التي خضعت للاحتلال العثماني، من استبداد وبطش السلطنة وولاتها، وامتد ظلم العثمانلي، إلى أن سلم السلطان الخائن بعض الولايات العربية لقمة سائغة للمحتل الأوروبي. عبد الحميد الثاني، يسعى في مذكراته أن يتملص من الجرائم التي ارتكبها في مصر وتونس.
 
السلطان عبد الحميد الثاني، سجل مذكراته بهدف طمس جرائمه، التي ارتكبها طوال 33 عاماً بحق الشعوب المحتلة، لاسيما البلاد العربية، التي فرط في ترابها وأراضيها، وسلمها لقمة سائغة للاستعمار الأوروبي، بعد أن قبض ثمن خيانته، في صورة آلاف الفرنكات والجنيهات الإسترليني، بالإضافة إلى منح وقروض من البنوك الأوروبية، لاسيما مصارف آل روتشيلد.
 
السلطان العثماني، أصدر أول نسخة من مذكراته في المنفى، بعد خلعه 1909، تضمنت صفحات طويلة للدفاع عن الاتهامات التي لاحقته بشأن صفقة التنازل عن مصر للاستعمار البريطاني، ولم يخجل من اعترافه بالاتفاق مع بريطانيا، وإصداره فرمان عصيان عرابي، بل وترحيب إسطنبول بالغزو الإنجليزي للمحروسة.
 
اعترافات عبد الحميد، لم تتوقف، ففي محاولة منه للتملص من المسؤولية السياسية والدينية، اتهم فرنسا بأنها خدعته، بعد أن تخاذلت عن محاربة الأسطول البريطاني أمام السواحل المصرية.
 
السلطان العثماني، تمادى في التلاعب بعقل قرائه، واعتبر أن ضياع مصر كان عقاباً من السماء على تجرؤ محمد علي باشا، واستقلاله بمصر، ثم محاربته للجيوش العثمانية، ومنع الجزية السنوية، التي اعتادت أن تدفعها القاهرة إلى إسطنبول طوال ثلاثة قرون.
 
في منفاه الجديد بإسطنبول، كتب عبد الحميد الثاني مذكراته الثانية عام 1917، بعد أن سقطت الكثير من الأقنعة عن سلاطين آل عثمان، فقد تجرعت الجيوش العثمانية هزائم مريرة، وانتفضت البلاد العربية عن بكرة أبيها لطرد الاستعمار التركي، الذي تركها تعاني ويلات الحرب العالمية الأولى، واكتشف المسلمون زيف إدعاءات العثمانيين بأنهم حماة أراضي المسلمين.
 
في أيامه الأخيرة، اعترف عبد الحميد بأنه أصدر قراراً لقادة الجيش العثماني بعدم التعرض للقوات البريطانية في مصر، بل وطلب منهم عدم اعتراض الجيوش الصديقة، وتحجج بأن القوات العثمانية كانت أضعف من أن تواجه البريطانيين، ولم يخجل أن يعترف بأنه خشي من تعرض قصره للقصف من الأسطول الإنجليزي المرابط في البوسفور.
 
التملص من الجريمة
"لماذا لم ألجأ إلى الحرب لحل مسألتي مصر وتونس؟"، تساؤل جريء طرحه عبد الحميد الثاني، تبعه بحجج وبراهين واهية من السلطان الكذوب، حاول خلالها تبرءة نفسه من الاتهامات التي وجهها إليه السياسيون والمثقفون في عهده وبعد نفيه، حتى أن الصدر الأعظم سعيد باشا، شن حملة شرسة ضد السلطان الخائن.
 
عبد الحميد الثاني، ذكر أن الصدر الأعظم سعيد باشا اتهمه بأنه انبطح أمام الجيوش الأوروبية، ورفض صد اعتداءاتها على الأراضي العربية، لكن عبد الحميد حاول التملص من جريمة بيع الولايتين العربيتين للاستعمار الأوروبي، مدعياً أنه حافظ على باقي الولايات العربية، لاسيما سورية والعراق وفلسطين، حين فرط في مصر وتونس.
 
السلطان الخائن، دافع عن نفسه، قائلاً :"حملني سعيد باشا في مذكراته مسؤولية التقصير في مشكلتي تونس ومصر، بينما كان هو في ذلك الحين يبعثر الأيام والشهور في ليت ولعل، وإني أفخر بما أسنده إليّ على شكل تقصير، لم أكن أتصور اتخاذ الحرب وسيلة لكل مسألة من المسألتين، فأنا دائماً ضد الحرب، ولو كنت اندفعت للمقاومة في تونس، فربما تسببت في ضياع سورية، لو وقفت بعناد في مصر، لكنت بالتأكيد فقدت فلسطين والعراق".
 
عبد الحميد، اتهم وزيره سعيد باشا بعرقلة السياسات الحميدية، لكن السلطان استعان بقائده أحمد مختار باشا في فرض رؤيته، وأضاف :"سعيد باشا المتردد المتوهم كان يبدو أحياناً شجاعاً، ففي فترة من فترات المسألة المصرية أبدى إصراراً على إعلان الحرب على إنجلترا، وإرسال جيش بري إلى هناك، وكان يأمل في معارضة فرنسا لاحتلال الإنجليز مصر، لكني منعت هذا".
 
السلطان عبد الحميد، أضاف :"على كل حال فإني أوصيت ببحث الأمر مرة أخرى في مجلس الوزراء في حضور أحمد مختار باشا، وزال هذا الخطر عند الاعتراض الحازم والسليم الذي أبداه مختار باشا، وانتهت المسألة المصرية بدخول الجيوش البريطانية القاهرة في سبتمبر 1882".
 
خداع بريطاني
عبد الحميد، اعتبر الإنجليز أصدقاء إسطنبول المخلصين، وتحت عنوان "الإنجليز في مصر" دافع السلطان في مذكراته عن تصريحات السياسيين البريطانيين بشأن المسألة المصرية، قائلاً :"وقد أوضح اللورد جرانفيل في أبريل 1882 أن إنجلترا لن تغير من سياستها في مصر، إنها تتعهد بتطبيق ما ورد في الفرمانات التي أصدرناها، وأعلن الأميرال سيمور يوليو 1882 أن الإنجليز لا يفكرون في السيطرة على مصر، واغتصاب حقوق المصريين بأي شكل من الأشكال".
 
وأضاف :"صرح دوفريه السفير الإنجليزي في إسطنبول بأن إنجلترا لن تطالب بأية امتيازات في مصر، ولا حتى التجارية منها، وعندما وصل الجيش الإنجليزي مصر في أغسطس ادعى الجنرال ولسلي أن دخول هذا الجيش كان بقصد الحفاظ على سمعة الخديوي".
 
وبعد كل تلك التصريحات الإنجليزية المخادعة، اعترف السلطان أنه قد خُدع في أصدقائه البريطانيين، فلم يوفوا بوعودهم وتعهداتهم، واحتلوا مصر في غفلة منه، بقوله :"لقد نسيت إنجلترا الحرباء كل هذه الوعود وعملت على كسر شوكة مندوبنا السامي في مصر، وتمكنت من تجريدنا من كل شيء لنا في مصر".
 
مغازلة فرنسا
المذكرات، بالغت في تلميع عبد الحميد، وإظهاره في ثوب السياسي البارع الذي يمتلك خيوط اللعبة السياسية الدولية، ويتلاعب بعقول وقرارات ملوك وحكام أوروبا، فبدلاً من أن تعترف بدخول السلطان في مفاوضات جادة مع فرنسا أيضاً بشأن مصر، راحت تقدم السلطان باعتباره يداعب باريس، ويمنيها من أجل محاربة بريطانيا نيابة عن إسطنبول.
 
وتحت عنوان "فرنسا ومصر"، نقل عبد الحميد بعض الصفحات عن خواطره التي سجلها عام 1882، جاء فيها :"أن جهودنا في سبيل تأمين التدخل الفرنسي في مصر باءت بالفشل، وصرف رئيس الوزراء الفرنسي كل إمكاناته، حتى أنه طلب من مجلس النواب الفرنسي الموافقة على إنزال قوة عسكرية في التل الكبير، لكن هذا الطلب لم يقدر له النجاح، خوفاً من نقمة الرأي العام الفرنسي، لا يريد النواب الفرنسيون أن يقتنعوا بأن فرنسا لا يمكنها أن تكون الحاكم الوحيد في مصر".
 
عبد الحميد، تابع :"لعل أشد ما يحيرني من أمر فرنسا هو بقاؤها مكتوفة الأيدي حيال كل هذه الألاعيب التي يلعبها الإنجليز، حقا إنهم قصار النظر، إنه لن يمضي وقت طويل حتى ينجح الإنجليز في ضرب النفوذ الفرنسي في مصر والانفراد بالسيطرة على قناة السويس، وسيرى الفرنسيون بعد زمن ليس ببعيد أنهم أصبحوا في منأى عن شؤون مصر".
 
عرش مصر
الخديو توفيق، لفظ أنفاسه الأخيرة عام 1892، وتولى عباس حلمي الثاني حكم مصر، واستغل عبد الحميد الثاني تلك الفرصة لمناوئة بريطانيا، لاسيما بعد أن تعطلت المفاوضات بشأن القروض العثمانية من بنوك روتشيلد في لندن، لذلك أصدر السلطان فرماناً بتعيين عباس حلمي الثاني والياً على مصر، وأمره بدفع جزية سنوية للخزانة السلطانية.
 
عباس حلمي الثاني، حفيد محمد علي باشا مؤسس مصر الحديثة، رفض كل مظاهر التبعية للعثمانيين، بل إنه رفض فرمان التعيين، واعتبر مصر دولة مستقلة وذات سيادة، وأرسل خطاباً إلى عبد الحميد الثاني، يذكره بجرائم أجداده في مصر، وآخرها تسليمه المحروسة للاستعمار البريطاني.
 
تحت عنوان "مصر وتركيا عام 1892"، كتب عبد الحميد "في سبيل استمرار سيادتنا على مصر وجهنا كتاباً إلى الخديو عباس حلمي الثاني بتاريخ 17 مارس 1892 أكدنا فيه أن مصر ولاية من ولايات الدولة العثمانية وأن شعب مصر جزء من الأمة العثمانية، وقد فهم عباس وهو الأمير المسلم، أنه لن يستطيع الدفاع عن نفسه ضد الدخلاء الأجانب، إلا إذا خلص للدولة العثمانية".
 
"عبد الحميد باع مصر"، عنوان إحدى الخطب التي ألقاها عباس حلمي الثاني أمام أعيان مصر عام 1894، وفيها قدم الخديو البراهين والوثائق التي تثبت خيانة السلطان، لاسيما الوثائق التي نشرتها الحكومة البريطانية 1882 تحت عنوان "الكتاب الأزرق"، التي تضمنت نصوص محاضر جلسات المؤتمر والمراسلات المتبادلة بين الوفد الإنجليزي وحكومة لندن، بعد شراء مصر من السلطان وإصداره فرمان عصيان زعيم الثورة أحمد عرابي، قبل أن يهزم بمعركة التل الكبير في 13 سبتمبر 1882.
عباس حلمي الثاني، شجع الحركة الوطنية المصرية المقاومة للاحتلال العثماني والإنجليزي، واحتضن دعاة القومية العربية ورواد الوطنية المصرية، وهو ما أغضب عبد الحميد، فراح يتهمه بالخيانة وموالاة الإنجليز.
 
عبد الحميد، قال :"إني أرى الخديو يوشك أن يكون من الكافرين، فقد تلقى العلم في جنيف ثم أتم دراسته في فيينا، فلابد أن يتعود بعادات الغرب، والإنجليز يريدون أن يكون الخديو خليفة على المسلمين، بغية إضعاف شوكة الإسلام وتمكين حكمهم ولكن ليس هناك من مسلم يعتز بدينه يقبل أن يكون ذلك الخديو خليفة على المسلمين".
 
السلطان العثماني، ادعى أن عباس حلمي يروج للاحتلال البريطاني في مصر، قائلاً :"يبذل الإنجليز كل جهد ممكن في سبيل الإساءة إلى سمعتنا في مصر، ها هم خدعوا المصريين بأفكارهم لدرجة أن البعض منهم يؤمن الآن بأن طريق الإنجليز هو السبيل إلى الأمن والنجاة ويفضل القومية على الدين أنهم يظنون أن حضارتهم ستمتزج بحضارة الغرب، دون أن يشعروا بأن هناك تضاداً بين حضارة الإسلام وحضارة النصرانية، بحيث لا يمكن أبداً التوفيق بينهما".
 
ضرب قناة السويس
السلطان عبد الحميد الثاني، بدد أموال السلطنة على البذخ والترف، وبعد أن باع تونس ومصر، واستدان من بنوك أوروبا عشرات القروض، لم يجد أمامه إلا استعادة مصر لنهب خيراتها، وقدم وعودا لبنوك أوروبا بأنه في حالة استعادة مصر فسوف يسدد ديونه في بضع سنوات.
 
عبد الحميد، كتب :"إننا قوم فقراء، ومقيمون على هذا الفقر بالرغم من غنى بلادنا بالثروات الطبيعية، لو منحت لنا إحدى الدول الكبرى شيئاً من التأييد لاستطعنا أن نخصص جزءاً من موارد مصر يقدر بـ 68500 جنيه إسترليني لصالح تسديد ديوننا".
 
خطط عبد الحميد فشلت في استعادة مصر، فراح يخطط لتدمير اقتصاد المحروسة، عن طريق حفر قناة ملاحية جديدة تنافس قناة السويس، على أمل تحويل طرق التجارة البحرية إليها، ومن ثم تفقد قناة السويس أهميتها الاستراتيجية العالمية، واستعان عبد الحميد في وضع مخططه بألمانيا، التي وضعت أكثر من تصور للقناة العثمانية الجديدة.
 
وفي يوميات عام 1898، كتب عبد الحميد فصلاً بعنوان "منافسة قناة السويس" جاء فيه :"اقترح ضابط ألماني متقاعد إنشاء قناة تنافس قناة السويس، يذكر الضابط البروسي في تقريره أن البحوث الجارية في وادي عربة أثبتت أن البحر الميت كان في القدم متصلا بخليج العقبة فإذا حفرت قناة بمسافة 90 كيلو مترا فإن نهر الشريعة سيمر بمنطقة وادي الغور البالغ عرضه ما بين 3025 كيلومترا ويشكل بذلك بحيرة تزدهر على جانبيها الحياة الاجتماعية والتجارة وتعود المنطقة إلى سابق عهدها في التقدم والرقي".
 
وأضاف :"وبعد دراسة طبوغرافية لهذه المنطقة سيكون ربط البحيرة (بحيرة عبد الحميد) بالبحر المتوسط عملاَ مفيداَ جداَ وستكون لهذه الأمنية أهمية سياسية إلى جانب أهميتها الاقتصادية، وبذلك يجري قسم من التنقلات المائية بين سورية والجزيرة العربية عبر هذا الطريق وستكون الدول الصديقة للدولة العثمانية في غنى عن استخدام طريق السويس أما مصاريف إنشاء القناة الجديدة فلن تزيد على المائة وعشرين مليونا".

المصادر :


Qatalah