يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


منذ وصوله لحكم تركيا عام 2002، يستخدم رجب إردوغان، شبكة محددة من المقربين، يتحركون كخيوط العنكبوت، لتحقيق أهدافه القذرة خصوصًا في الشرق الأوسط وإفريقيا، وأبرز مثال على هؤلاء رجل الأعمال يوسف أوتورك الذي تضاعفت ثروته لمليارات الدولارات بفعل الصفقات السرية في عدد من الدول.

يوسف أوتورك.. ضل الطريق في قطاع المقاولات بعدما دفعته الأحلام إلى تأسيس شركة خاصة به فلم يجنِ ما تمناه، ولم تر طموحاته النور إلا بمباركة "العدالة والتنمية" الذي فتح له كل الأبواب المغلقة وجعله يقفز خلال سنوات ليتربع على رأس قوائم قطط تركيا السمينة.

حفر أوزتورك اسمه كأحد أبرز رجال إردوغان ومهندس صفقات فساده القذرة، وذراعه الطويلة لمد نفوذ أنقرة خارج تركيا، فالرجل تولى تنفيذ الشق الاقتصادي من مشروع العثمانيين الجدد لإحياء الإمبراطورية المقبورة.

ولد أوزتورك في ولاية أورفا جنوب شرق تركيا عام 1973، وتخرج في كلية الهندسة ثم خاض العمل في بعض الشركات، قبل أن يؤسس شركة أوزتورك للإنشاءات عام 1989، والتي لم تكتسح السوق التركي بهذا الشكل إلا بعد تولي العدالة والتنمية الحكم عام 2002، حيث حدث تحول في "أوزتورك للإنشاءات"، وأصبحت الأهم والأولى أمام بقية الشركات الأخرى، من حيث استحواذها على المشروعات الكبرى بمباركة إردوغان.

طريق الدعم والتأييد
عرفت شركات أوزتورك طريقها منذ بداية تواجدها في السوق للحصول على رضا النظام وذلك بدعم وتأييد إردوغان وحزبه في كل انتخابات وكل موقف حتى لو كان في مسرحية الانقلاب في 15 يوليو 2016.

وعلى الموقع الإلكتروني لموقع مجموعة أوزتورك تعريف للمجموعة ولمهامها ومؤسسها، لكن البداية هي مدح وثناء مفرط في شخصية الرئيس رجب إردوغان، ووصف له بأنه القائد الفذ للأمة التركية، وأن من يستهدفه ويعاديه لا يوجد لديه أدنى قدر من القيم الإنسانية والثقافية، ومن يعاديه عاجز وغير شريف وفاقد للأهلية.


كما يوجد على الموقع هجوم حاد على حركة الداعية التركي المعارض فتح الله جولن قائلا: "إن أتباع جولن الغادرين يستهدفون الرئيس إردوغان القائد الفذ لأمتنا، ويريدون رسم صورة بالأبيض والأسود لأمتنا المزدهرة، رغم كل هذه الخدمات تحت قيادة الرئيس والسلوكيات الشجاعة والكريمة المرتبطة بحب الوطن".

يضيف: "لم يستطيعوا فهم الدروس المستفادة من تاريخ الانقلابات السابقة التي عاشتها الأمة، بسبب خلوهم من القيم الإنسانية والثقافية وعجزهم وعدم شرفهم وضيق أفقهم، لكن أمتنا التي تعرف جيدا ما فعلته تلك الانقلابات أصبحت الآن تدرك مدى أهمية رئيسنا إردوغان".

صحيفة "صول هبر" التركية أكدت في تقرير لها أن هذا المدح الموجود على موقع الشركة الرسمي كان كفيلا بأن يُدخل عائلة أوزتورك قائمة أغنى 100 عائلة تركية منذ عام 2016 وحتى الآن.

فاتح إفريقيا
توجه إردوغان إلى إفريقيا - الذي بدأ منذ توليه السلطة في 2003 - كان أوزتورك شريكا مهما فيه، حيث أجرى 30 رحلة إلى 23 بلدا في القارة السمراء، منذ زيارته الأولى إلى إثيوبيا وجمهورية جنوب إفريقيا، عندما كان رئيسا للوزراء في عام 2005، حتى أعلنت تركيا أن عام 2005 هو "عام إفريقيا"، وفي العام نفسه منح الاتحاد الإفريقي تركيا صفة مراقب داخل الاتحاد.

ووصلت الصادرات التركية إلى بلدان شمال إفريقيا فقط من 3 مليارات دولار في عام 2004 إلى 13 مليار دولار في عام 2015، وكان أوزتورك له نصيب الأسد من كل هذه الصفقات.

صحيفة "فاينانس جوندم" الموالية للنظام التركي وصفت أوزتورك بأنه "فاتح إفريقيا"، مشيرة إلى حصول شركة "أوزتورك هولدينج" على صفقات كثيرة في القارة السمراء، أبرزها مناقصة مشروع لبناء طريق سريع في إحدى دول القارة بمقابل 1.5 مليار ليرة تركية ( 750 مليون دولار).

وقالت الصحيفة إن أوزتورك الذي زار 189 دولة وأقام علاقات مختلفة في كل دولة ، قرر إرساء قواعد لشركته في 7 دول إفريقية وتمتلك شركته في هذه الدول مكاتب ومرافق وآلات عاملة وعمالا ومهندسين، وتعمل في البناء والطاقة التجارة الخارجية.

لكن أوزتورك الذي توسع في إفريقيا وله تجارة فيها بمليارات الدولارات استغل الأمر لعقد صفقات سرية وجنى الكثير من الأرباح إلى جانب مؤازرة مشاريع الرئيس التركي في إفريقيا وتنفيذ أجندته.

صفقات سرية
صحيفة "التحرير" السودانية فضحت صفقة سرية بين حكومة عمر البشير المعزولة، ويوسف أوزتورك صديق إردوغان لإقراض حكومة الخرطوم 2 مليار دولار، ونهب بموجبه كبرى شركات سودانية تقدر إجمالي قيمتها مليارات الدولار.

للحفاظ على سرية صفقته الضخمة تعمد أوزتورك أن يتممها قبل زيارة إردوغان إلى الخرطوم في ديسمبر 2017 والتي اصطحب فيها الرئيس التركي رجال أعمال وكبار المسؤولين ووقع 22 اتفاقية لزراعة آلاف الأفدنة السودانية وإنشاء مصانع وقاعدة عسكرية بالسودان.

المؤسسات السودانية الثلاث التي خضعت لرجل إردوغان هي "جياد" "زادنا" و"أرياب" منذ بداية 2017 وهي شركات حكومية كبيرة تسيطر على موارد تفوق 5 مليارات دولار، لدى كل منها شركات منبثقة عنها في عدة قطاعات ما جعلها الهدف المثالي للسيطرة التركية على قطاع الأعمال في الدولة الإفريقية.

الصحف السودانية حذرت من النفوذ الكبير الذي يتمتع به الرجل التركي داخل السودان، خاصة أن تفاصيل عقود الصفقات التي يبرمها تظل سرية، ولا يعلن عنها للرأي العام.

فساد ممنهج
في حواراته بوسائل الإعلام التركية، عادة ما يقول أوزتورك إن أحد أسباب نجاحه في إفريقيا أنه يجلس مع رؤساء الدول الإفريقية ويقدم لهم رؤى جديدة وأفكارا تنموية بطريقة تجعله مقربا من قلوب المسؤولين، كما يدعو أوزتورك رجال الأعمال الأتراك من صُناع الحديد والصلب والمنسوجات والغذاء وغيرهم من أجل الاستثمار في القارة السمراء والفوز بخيراتها.

ما لم يذكره أوزتورك أن علاقته بالنظام التركي فتحت له أبواب إفريقيا، حيث انتشرت شركاته في السوق الإفريقي منذ 10 سنوات بدءاً من السودان، لتصبح أول شركة تركية تكتشف وتحتفظ بهذا السوق كشركة قابضة، وأصبحت الشركة بسبب قربها من النظام التركي تجني أموالا من مشروعات في 7 دول إفريقية، بما في ذلك غينيا وغانا والكاميرون وأنغولا وكوت ديفوار وزامبيا وتنزانيا.

مرابٍ ومتهرب من الضرائب
بجانب شهرته بأنه مرابي مقاولات، حيث يضاعف أموال المناقصات التي يفوز بها لقربه من النظام التركي وفي نفس الوقت يقلل من حجم الإنفاق، يشتهر أوزتورك أيضًا بالتهرب من الضرائب عبر شبكة تهريب أموال يغسل بها أرباحه حتى لا تطارده الحكومة التركية، وأبرز مكان يوفر له ذلك مالطة والمالديف، وفق صحيفة Maldives Uprising.

الصحيفة المالديفية ذكرت في تقرير لها، نشر في العام الماضي تفاصيل فساد شركات أوزتورك في المالديف، و تورطه في قضايا فساد بمعظم الدول التي تعمل بها شركته، إضافة إلى علاقاته المتشابكة والمشبوهة مع الرئيس السوداني المعزول وأخيه العباس البشير في قضايا فساد كثيرة.
أضافت: "كما أن رجل الأعمال التركي متورط مع إردوغان في صفقات عسكرية مشبوهة في الشرق الأوسط".

عائلة إرهابية
يوسف أوزتورك يستخدم عائلته في خدمة الرئيس التركي طالما أنه يجني في المقابل المليارات، حيث تورط أخوه غالب أوزتورك في قضايا إجرامية كثيرة، واحتجز عام 2009 على ذمة قضايا تلاعب واحتكارات في مجال تجارة اللحوم والمواد الغذائية عبر شركته "وان" المسجلة في بورصة إسطنبول لهذا الغرض، ولكن سرعان ما أخلي سبيله، وفي نهاية العام نفسه احتجز على ذمة قضية ابتزاز رجل أعمال لسرقة 2 مليون ليرة، وأخلي سبيله للمرة الثالثة.

الشرطة داهمت مقر شركة "مترو" عام 2011، واحتجزت 6 أشخاص منهم شقيق أوزتورك، ثم نقل إلى سجن متريس، وأعد المدعي العام معمر أكاش تقريرا من 427 صفحة، ذكر تفاصيل التهم المسندة إليه، وكانت كفيلة بسجنه 145 سنة، لكن شبكة الفساد في الحزب الحاكم تدخلت وأخلت سبيله.

غالب أوزتورك هرب خارج تركيا، وأقال إردوغان المدعي العام أكاش من منصبه، وفي أكتوبر 2016 قضت المحكمة الجنائية العليا ببراءته، وفي سبتمبر 2018 صدر حكم بإعادة محاكمته، بعد شبهة تدخل من إردوغان شخصيا، فيما شكلت مسرحية الانقلاب فرصة ذهبية للأخير للتخلص من القضاة الذين ينظرون القضية.

غالب اعترف بدور عائلته في تسليح الإرهابيين في سورية بمعاونة استخبارات إردوغان، وقال لقناة "إيه هابير" التابعة لعائلة الرئيس التركي، في 2014: إنه أعطى الاستخبارات التركية الشاحنات التي استخدمتها لنقل السلاح إلى داعش في سورية.

Qatalah