يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


على عرش تجري من تحته الدماء جلس مراد الأول، ثالث سلاطين الدولة العثمانية، والذي امتلك سيفًا أعمى لا يفرق بين عدو أو صديق، امتدت يده بالغدر إلى كل من حاول أن ينتزع منه السلطة، فأطعم أخاه السم وملأ عيني ابنه بالخل، قايض شرف ابنته برقعة أرض يضيفها إلى مملكته، وكون فرقًا قتالية تحصد الأرواح وتنزع الأكباد من صدور كل من يحاول الوقوف في طريق أطماع سيدها.

دماء الأشقاء
دشن مراد الأول مشروعه الدموي بقتل أخيه الأكبر سليمان باشا، الذي اشتهر كقائد عسكري تمكن من غزو شبه جزيرة غاليبولي في العام 1357، أكلته الغيرة وهو يراه يحقق انتصاراته الكبيرة، والجنود يهتفون باسمه، وتملك الحقد من قلبه في اللحظة التي أعلن والده أورخان تنصيب سليمان وليا للعهد. 

بحفنة من سم دسها مراد، فارق سليمان الحياة، واضطر الأمير الوالد أورخان إلى تنصيب مراد وليا للعهد، وفي العام 1362 مات أورخان، ليعتلي مراد العرش العثماني مفتتحا أيامه بقتال مرير ضد إخوته الأصغر منه سنا، والذين تحالفوا مع أمراء التركمان في الأناضول، لكن السلطان الدموي انتصر على الجميع وسفك دماءهم.

 

اتخذ السلطان قراره بأن يتولى ولده بايزيد الملقب بـ "ييلدريم" أو "الصاعقة" ، ولاية العهد وهو ما أثار موجة من السخط - في الخفاء- بين صفوف القادة العسكريين، الذين يكنون له الكراهية، ولكنهم لم يستطيعوا المجاهرة بها خوفا من انتقام السلطان.

رد قادة الجيش بالالتفاف سرا حول الابن الأصغر لمراد الأول، الأمير صاوجي، الذي كان لا يزال في الرابعة عشرة من عمره ودعموه ضد أخيه، وتمكّن صاوجي -بمساعدة القادة العسكريين- من التحالف مع أندرونيكوس، ابن الإمبراطور البيزنطي يوحنا الخامس في العام 1373.

اتفقا سويا على خلع أبويهما، ولكن انقلابهما انتهى بالفشل واقتيد صاوجي مكبلا بالحديد إلى أبيه، فلم يكتف السلطان بسجن ولده، زاره في محبسه وهو يحمل بين يديه زجاجة الخل الخام وأمر بكل بساطة بسكبها في عيني ابنه، وتركه يصرخ ويعاني العذاب الأليم، ثم استصدر ولأول مرة في التاريخ العثماني فتوى من شيخ الإسلام تبيح له إعدام ولده، وخنقه بيديه أمام ناظري والدته. 

الغازي
بهذا اللقب الذي يحمل مدلولات دينية تتعلق بالجهاد ضد أعداء الإسلام، لقّب مراد الأول نفسه، ليروج لصورة الحاكم المسلم، ويجبر شعبه على حمل السلاح والدخول معه في معاركه التي يخوضها، لكن السفاح خلع القناع مبكرا، ولم يفرق في القتال بين مسلم وغير مسلم، وهاجم جيرانه ليسلب أموالهم ويسيطر على أرضهم.

لم يكن لأطماع مراد الأول حدود، فقد سعى لإخضاع الأمراء التركمان الأقوياء في الأناضول، خاصة إمارتي قرمان وحامد، رغبة منه في الوصول بالمجال الجغرافي لإمارته إلى ساحل البحر المتوسط.

نيلوفر
خلع السلطان كرامته، وقدم ابنته نيلوفر التي كان الجميع يتحدث عن جمالها هدية للأمير القرماني علاء الدين في مقابل التحالف معه، لكن علاء الدين الذي أضاف ابنة السلطان العثماني إلى حظيرة الجواري سخر منه ورفض مساعدته، فأعلن مراد الأول الحرب عليه.

انتصر على القرمانيين واستحوذ على طرق التجارة بين عاصمته بورصة وميناء أنطاليا الذي أوجد للعثمانيين مكانا مهما في التجارة المتوسطية، فكان بداية لتغلغل السرطان العثماني في جسد الشرق المسلم.

الإنكشارية
توسعات السلطان كانت في حاجة إلى مقاتلين قساة لا يعرفون الرحمة، يدينون له وحده بالولاء، ويسحقون من يقف في طريقه، كلف قائده قرة خليل خير الدين باشا الجاندرلي، في سبعينيات القرن الرابع عشر الميلادي بالبحث عن تشكيل عسكري شديد البأس يكون على استعداد للفداء بروحه من أجل السلطان، والأهم أن لا يكونوا على علاقة بالرعية فيعلنوا الثورة باسمهم.

كان خليل باشا يعرف أن التباطؤ في تنفيذ أمر السلطان عقوبته الإعدام، فتفتق ذهنه للاستفادة من نظام "الدوشرمة" الشهير، الذي عمد إلى جمع أكبر قدر من الأطفال المسيحيين من أرجاء الأناضول والبلقان، أرسلهم خليل إلى معسكرات التدريب لينتقي من بينهم الأقوى بدنيا ويضمه إلى الجيش.

الانكشارية

 

أجبرهم على اعتناق الإسلام وأخضعهم لتنشئة دينية وفق عقيدة صوفية متطرفة تتعامل مع آل عثمان على أنهم يتلقون الوحي من قبل الله، وأن السلطان ظله على الأرض، مما يستلزم الدفاع عنه، وبذل النفس والروح فداء له.

ظهرت قوات يكيجري، والتي ستعرف بلقبها الأشهر، الإنكشارية، كقوات جديدة تدين بالولاء الشخصي للسلطان وحده، وانطلقوا في الأرض ينشرون الرعب ويسفكون الدماء ويهدمون البيوت على رؤوس من فيها من أطفال ونساء، فرق دموية شكلت عقب وفاة مراد النخبة العسكرية الأبرز في العالم العثماني، بعد أن تحررت من عبادة السلاطين، وتلاعبت بهم فخلعت من أرادت وولت من شاءت.

قبر مراد الأول في كوسوفو

 

نهاية السفاح
بغزواته العسكرية المدمرة في أوروبا أسس مراد الأول مشكلة البلقان، والتي ظلت تتضخم وتتخذ أبعادا دولية لم تنته حتى بعد سقوط الدولة العثمانية في القرن العشرين، ففي ستينيات القرن الرابع عشر، أسقط السلطان مجموعة من مدن البلقان مثل أدرنة وفيليبوبوليس بفضل قائديه الشهيرين، لالا شاهين باشا وافيرنوس باشا، ارتكبا خلالها مذابح مفزعة ما تسبب في إثارة نزعة دينية قومية متشددة ضد الوجود العثماني، لتتحول إلى حرب تحرير ضد الغزو العثماني الغاشم الذي شوه قيم الإسلام.

وعلى الرغم من انتصار السلطان في معركة كوسوفو الشهيرة على زعيم الصرب لازار عام 1389، فإنه فقد حياته  في أعقابها! كان مراد الأول يتفقد الجرحى والموتى من رجاله في ساحة الحرب، وإذ بمسيحي من الصرب ملقى بين الجثث ينتفض ويوجه له طعنة نافذة أردته قتيلا في الحال. 

ــــــــــــــــــــــــ

المصادر:

دائرة معارف الإمبراطورية العثمانية

سعيد أحمد برجاوي الإمبراطورية العثمانية

حسين يلماز : إعادة تعريف الخلافة ، التحول الصوفي في المعتقد السياسي العثماني (بالإنجليزية)

Qatalah