يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


السلطان العثماني مراد الثالث، لم يخالف مبادئ أسلافه وخلفائه، فالسلطان الـ 12 من السلالة الملعونة، سار على درب لم يخرج عنه سلاطين الدولة العثمانية، من رفع شعار الجهل ونشر لواء الظلام ومحاربة العلم وقتل العلماء، فكان لعنة حلت على المسلمين وقادتهم إلى عصر من التخلف والركود في وقت بدأت فيه أوروبا نهضتها.
مراد السفاح، استهل حكمه عام 1574 بنحر إخوته الخمسة أمام أعين أمهاتهم، لم يكن ذلك عن قوة شكيمة بل تنفيذاً لرغبة أمه السلطانة "نوربانو"، التي فرضت سطوتها على الابن المدلل ضعيف الشخصية، الذي سلم مقاليد الحكم لأمه لتحكم الدولة من خلف ستار الحرملك، ولم يهدد عرشها إلا محظية السلطان التي سلبته عقله، إذ أطاحت "صفية" التي تزوجت السلطان الضعيف بنفوز السلطانة الأم، سرعان ما تخلصت من الأخيرة بدس السم.
السلطانة "صفية"، أصبحت الوحيدة في الحرملك، ومن مخدعها الخاص، أحكمت سيطرتها على مراد الثالث الذي تحول إلى عبد ذليل ينفذ رغباتها، بعدما صارت هي السلطان الحقيقي، خصوصاً بعدما تخلصت من الصدر الأعظم صوقولو محمد باشا، عبر التآمر مع أغا الإنكشارية، وكنتيجة طبيعية لانشغال السلطان بالجواري وخضوعه لسلطنة النساء، ضعف الجيش وتعرض لهزائم أمام دول أوروبا.
السلطان مراد، الغارق في عسل الحرملك استكمل غيبوبة عقله بتقريب المنجمين والمشعوذين، فقادوا الدولة لانهيار سريع، وعين الشيخ شجاع الخلواتي لتفسير أحلام ورؤى السلطان وزوجاته، فتحكم الخلواتي في الدولة من خلال السلطان الضعيف، وأقنعه بطارد الفلكيين بعدما رفضوا طلبه بتسخير علومهم في التنجيم وقراءة الطالع.
في ظل هذا المناخ من الجهل والخرافة، كان طبيعياً أن يتهم السلطان عالم الفلك الدمشقي تقي الدين بن معروف بالكفر والهرطقة، ثم يأمر في عام 1580، بهدم مرصد إسطنبول وتدمير أجهزته وحرق كتبه.
مراد الثالث، تبنى سياسات اقتصادية فاشلة قادت الدولة العثمانية إلى الإفلاس، لذا أمر الولاة بزيادة الضرائب لثلاثة أضعاف لتمويل الخزانة الخاوية، فاستجاب الملتزمون بتعليق المشانق في القرى لإعدام العاجزين عن الدفع، كما ارتكب السلطان الضعيف، جريمة أخرى بتلاعب في قيمة العملات الذهبية والفضية فانخفضت قيمتها وزاد التضخم.
السلطان الفاشل، واجه انتشار البطالة وارتفاع الأسعار وعجز الرعية عن توفير قوت يومها، بفرض المزيد من الضرائب على الفلاحين والحرفيين فهجروا مهنهم، كما دفعت الأزمة المالية الأهالي للتجمع بالمقاهي للتنفيس عن كبتهم، لذا أصدر مراد قراراً بتحريم شرب القهوة بحجة أنها تنبه العقل، لكنه في الحقيقة خشي من تطور تجمعات الأهالي بالمقاهي إلى ثورة شعبية، فأطلق رجال الدرك لمطاردة رواد المقاهي بزعم التخطيط للانقلاب، لكن كبار تجار البن قدموا رشوة للسلطان في مقابل إباحة شرب القهوة.
مراد الثالث، استكمل إدارته الفاشلة للبلاد بالانبطاح أمام القناصل الأوروبيين ومنحهم امتيازات سياسية واقتصادية على حساب الرعية، فقدم للسفير البريطاني تقارير استخباراتية دورية عن تسليح الجيش، ومنح شركة المشرق الإنجليزية، حق احتكار تجارة القمح بالسلطنة، لتخلق الشركة موطئ قدم استراتيجي لبريطانيا في دول المشرق العربي.

Qatalah