يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


وقف مكبلا بالأغلال في قصر تونس الكبير بين يدي عمه رمضان باي، في انتظار عقوبة تطلعه إلى الحكم ورغبته في السيادة، كان عمر مراد باي الثالث حينذاك 17 عاما، غض الوجه، مفتول العضلات، تظهر عليه أمارات النبل الممزوجة بشراسة عينيه.
سأل رمضان باي مستشاريه عن أنسب عقاب لابن أخيه فحاروا في الإجابة، واقترح أحدهم إغراقه في البحر، ورأى آخر أن يحبس إلى الأبد، فيما قال المستشار مزهود :"بل نكحل عينيه بالنار فيغدو أعمى مشوه، لا يرنو إلى ملك ولا تستقيم له إمارة".
نفذ الباي نصيحة مستشاره الأثير، وأرسل ابن أخيه إلى السجن، وهناك استرجع الفتى الوقائع التي انتهت به إلى ذلك المصير، حيث مات أبوه محمد باي في العام 1696 وخلفه عمه رمضان، وفي العام التالي وسوس مزهود إلى الباي الجديد بأن مراد يخطط للانقلاب عليه.
 
المعجزة
ظن رمضان باي أن الأمور استقرت له بعد أن سمل عيني مراد وأرسله إلى السجن، وبدأ يسرف في ملذاته، وانقطع عن رعيته في تونس بالشهور، ومضى يسهر ليله وينام نهاره حتى أشرفت البلاد على الهلاك واستقل الثعبان مزهود بكل الأمور. 
وقعت المعجزة وبرأت عينا مراد إلا من مادة بيضاء كانت تسيل من جفنيه، لذا لم يفارقه المنديل طيلة حياته وتجدد أمله في الثورة على عمه، ليس طمعا في السلطة، ولكن رغبة في الانتقام والثأر. 
تحولت شراسة مراد إلى وحشية متطرفة داخل محبسه، فراح يقسم بأغلظ الأيمان أن ينزل بـ مزهود وعمه رمضان باي وسائر خصومه كل صنوف العذاب، وجلس يخطط لليوم الذي تخف فيه قبضة السجان ليتمكن من الفرار.
 
رأس رمضان
في أحد الأيام الهادئة، اتفق مراد مع مجموعة من خدمه القدامى على تهريبه من السجن، فجاءوا مسرعين وقتلوا سليمان البياس جلاد رمضان، المعين لمراقبة مراد، وهرب أخيرا مع جماعته إلى القيروان، وطلب من أهله في جبل وسلات أن يعينوه على عمه فاستجابوا له ظنا في صلاحه.
علم رمضان باي بهروب مراد إلى وسلات، فطلب من أهلها تسليم الشاب، ولما امتنعوا خرج لقتالهم، وانحاز أهل تونس إلى مراد، فيما لم يبق للباي سوى نفر قليل، ففر إلى سوسة وتخلى عن مستشاره مزهود الذي وقع في أسر مراد.
بعد أيام من سقوط مزهود أرسل مراد قواته إلى سوسة للقبض على رمضان باي، فعثروا عليه مختبئا في زاوية سيدي أبي راوي، فخنقوه داخل القلعة وأرسلوا رأسه إلى مراد، لكنه لم يقبل بها وأمر رجاله في سوسة بنبش قبره والطواف بجثته في الأسواق.
 
اللاعب بالأمعاء
بايع أهل تونس مراد ومنحوه لقب باي الثالث، بعد ما أظهر من عدل وإنصاف، لكنه سرعان ما انقلب على الشعب لما تمكن من الحكم "تصرف بعنف وقسوة وعسف، فسفك الدماء بغير حق، وكان يوقف الرجل ويقطعه بيده حتى يفرغ من لحمه فيدخل يده في جوفه وأمعائه، ويتصرف فيها تصرف الجزار في الشاة، حتى صار ذكره مفزعا للأسماع مسهلا للأمعاء وكل يوم تزداد القلوب منه رعبا بأمور لم تعهد".
قرر مراد الانتقام من عمه، فجمع كبار المسؤولين وعلى رأسهم مزهود، وأمر بتكحيلهم بالنار مثلما فعلوا معه، ثم "فقأها وعذبهم بما لم يعذب به أحد. وقبل العمى ألزمهم أن يلعبوا برأس عمه بأن يتلقفوه بين أيديهم وألزمهم سبه بجميع أنواع الفحش، وألزمهم أن يغنوا كما كانوا يغنون لعمه، وهو يقطع لحومهم ويعبث بذلك، ثم نكل بهم وألقاهم في الأغلال، فلما كانت ليلة عيد الفطر أمر بقطع رؤوسهم".
فرغ مراد باي من الثأر من عمه وأتباعه، وقرر تعذيب شعب تونس دون سبب أو جريرة، وفي ثالث أيام أحد أعياد الفطر أظهر من شرب الخمر وإتيان الفواحش ما عظم على البلاد أمره، وصار "يتنقل من غار الملح إلى بنزرت وغيرها من مدن تونس، ويقتل الخلق ذبحا ورميا بالرصاص، ثم ظفر بالأستاذ مفتي المالكية أبي عبدالله محمد العواني القيرواني فقتله وأكل من لحمه مشويا وأطعم خاصته منه".
وجد مراد أن غليله لم يشف من عمه، فأمر بنبش قبره مرة أخرى، و"إحضار كثير من الحطب أوقد بها نارا وألقى الجسد المتعفن فيه، وباتت النار يحطم بعضها بعضا، وفي الغد أمر بجمع رماد عمه ووضعه في مركب وألقاه في وسط اليم كي لا يعرف له قبر".
 
مذبحة القيروان
أرسل مراد باي رسالة إلى الجزائر مصحوبة بهدية، لكن دايات الإنكشارية رفضوها بسبب سمعته السيئة، وأظهروا له العداوة لما بلغهم من "قبيح أفعاله التي تذهل العقول، فقرر الخروج في حملة عسكرية مجنونة لغزوهم، ودخل باجة بعد فرار أهلها فراح ينتقم من الدواب بضربها بالرصاص".
توجه بعد ذلك نحو الجريد، فخاف أهلها شره وخرجوا عن طاعته، وأغلقوا الأبواب دونه فقاتلهم حتى أهلكهم الجوع، وطلبوا الأمان فأمنهم ثم نقض العهد وفرض عليهم ضرائب عظيمة.
عاد إلى تونس وعقد ديوان الحرب لغزو الجزائر، فامتثل له الجميع، وأخذ في تجهيز آلات الحرب وما يحتاجه من العساكر، ثم توجه نحو قسنطينة وفرض عليها حصارا مريرا، واستولى على قلعة المدينة وقتل كل من كان بها ثم أمر بهدمها.
طلب مراد العون من خليل باي حاكم طرابلس، لفتح حصون قسنطينة، فلبى دعوته وساعده في الحصار، وحضر جيش من الجزائر لإغاثة المدينة المحاصرة، وانهزم مراد هزيمة قبيحة وفر إلى تونس ،تاركا وراءه جنوده، التي تعرضت لمعاملة مهينة من قبل دايات الجزائر.
لم ييأس مراد المجنون من غزو قسنطينة، وقرر الانتقام من القيروان التي حاولت التمرد في غيابه، فأمر بسبي نسائها وهتك أعراضهن، ثم أخرج من بقي من رجالها وجمعهم في منطقة ذراع التمار وقتلهم جميعا بالرصاص، وأمر بهدم المدينة.
أرسل مراد 3 مراكب حربية إلى إسطنبول لجمع الجنود الأتراك تمهيدا لغزو الجزائر، وأمر عليهم الآغا إبراهيم الشريف، وتزامنت بعثته مع وفد جزائري جاء ليشكو إلى البلاط تعديات باي تونس المجنون.
 
بلاط العراة
التقى الوفدان التونسي والجزائري في حضرة السلطان العثماني مصطفى الثاني وعرض كل منهما أحواله فخرج التوقيع من السلطان على وجوب عقد الصلح بينهما، لكن مراد باي رفض الصلح وتمرد على السلطان وأصر على خوض الحرب.
بلغ جنون مراد مبلغا عظيما في تلك الأثناء، وأمر ألا يدخل عليه أحد إلا بعد نزع ردائه ومثوله بين حارسين، كما أرسل إلى العلماء وأرباب المناصب لاستطلاع آرائهم في تصرفاته، وكان يكافئ مداحيه بالخمور ويعاقب منتقديه بالقتل.
أثناء التجهيز للحملة الجديدة ضد الجزائر، رأى مراد الشيخ محمد شيشار رئيس المؤذنين فقال له: "ألست عسكريا؟! مالي أراك بغير سلاح في مثل ذلك الموكب؟!"، ثم أمر بجلد الشيخ المسن 300، ثم ألقاه في السجن.
أمر بعد ذلك بحبس جميع المؤذنين في جوامع الحنفية، وضرب كل واحد منهم 500 جلدة، ثم أرسل إليهم طبيبا يختبرهم، فمن وجده لم يؤثر فيه الضرب أعاد عليه حتى "تفطرت الأكباد وضجت العباد واقشعرت البلاد".
انطلقت الحملة الجديدة نحو الجزائر، وكانت أكثرية العساكر ترفض المضي قدما، واتفقوا على الخلاص من جنونه، فلما وصل إلى وادي الزرقاء هجم عليه إبراهيم الشريف ورماه ببندقية فوقع من فرسه على الأرض، ثم نزل الفرسان عن الخيل وقطعوا رأسه وطافوا به في الأسواق.
 
الدولة المرادية
رزحت تونس منذ الغزو العثماني في نهاية القرن الـ16 تحت حكم البايات والدايات الإنكشاريين، فغرقت البلاد في خلافات دامية دارت بين قادة الجيش الإنكشاري وتأثرت المناحي الاقتصادية والثقافية. 
من بين القادة المغمورين الذين قدر لهم حكم تونس في العصر العثماني كان مراد الأول الجد الأكبر لـ مراد المجنون، ونجح في التغلب على كل منافسيه وتأسيس دولة مستقلة في العام 1631، وقدر للسفاح مراد باي الثالث أن يكون خاتمة تلك الدولة البائسة.

المصادر :


Qatalah