يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


اهتمامه بدراسة اللغات الشرقية جعله يتقرب إلى الإسلام، الذي قال عنه: «حبب لي الإسلام إنه دين الطهر والنظافة».. إنه عبد الكريم جرمانوس أو جيولا جرمانوس المستشرق المجري الذي تحول إلى الإسلام، ورغم أنه تعلم الدين الحنيف من بلد ليس دينها الرسمي الإسلام، وهي الهند، إلا أنه حينما جاء لدولة تدعي أنها "الخلافة الإسلامية"، كان شاهدا على الظلم العثمانلي، وتعرض لمحنة شديدة كادت أن تفقده حياته.

جرمانوس.. سحرته اللغة العربية، وعشق القرآن، فكان منصفا للإسلام وأهله. عاين بنفسه استبداد السلطان عبد الحميد الثاني، وثورة تركيا الفتاة ضده، وإعلان الدستور، وفرحة العرب به، ثم الإخاء العربي التركي، ثم الشقاق، والقطيعة.

المستشرق المجري كان عاشقا للعربية، ودرس الأدب العربي، ودرس تطوره في العصر الحديث، مؤكدا أن النهضة الثقافية العربية تفجرت في الشام في مواجهة المستبد عبد الحميد. ورصد المقاومة الثقافية العربية لدولة المستبدين الأتراك، في العهد الحميدي، والعهد الاتحادي.

جناية الأتراك
جرمانوس يرى أن الحضارة الإسلامية العربية كانت دلالة على نبوغ العرب، واحترامهم للحضارات السابقة، فقد هضموا القديم، وأضافوا للجديد، فكانوا منارة للعالم طيلة قرون، لكنها توقفت ووقعت في هاوية الجمود، بعد أن فقد العرب استقلالهم، وكان ذلك حين سيطر العنصر التركي على السياسة في الإسلام، بداية من الدولة العباسية الثانية، واكتمل ذلك بدولة العثمانيين، التي احتلت بلاد العرب عام 1516.

"بعد أن خلق الإسلام علما وأدبا وفنا خلال القرون الوسطى، أنقذ ثقافة القدماء من النسيان، وزادها ونقلها إلى الشعوب الأوروبية، التي تنبعث وشيكا من عالم الهمجية، وبهذا قدم الإسلام ولغته العربية خدمة جليلة للإنسانية". 

بلغ المسلمون مستوى رفيعا في العلوم والأدب والفنون، لكن الظروف الجغرافية والاجتماعية والسياسية والفكرية، وقفت ضد هذا التطور الفذ، واقتصرت اللغة العربية طوال قرون على مجرد التعليقات والشروح، وذلك حين فقد العرب استقلالهم السياسي، بعد الاحتلال العثماني لهم عام 1516.

نهضة أمة
العرب أفاقوا من سباتهم خلال سنوات معدودة، في النهضة التي تؤرخ بالحملة الفرنسية على مصر عام 1798، والتي دشنت عودة الوعي القومي، وإحياء اللغة العربية، بعد أن وقعت في الجمود بفعل التتريك، ومحاربة العثمانيين لها، واستبعادهم إياها من الدوائر الرسمية، وغياب التعليم.

"في خلال بضع عشرات من السنين، قامت اللغة العربية ملكة اللغات السامية، والتي كانت قد أوشكت أن تموت، فبُعثت من جديد بكل أمجاد ماضيها، مزينة بكل ما حققته المدنية الحديثة، واستطاعت أن تواجه أعداءها القدماء بكل فخر". 

جرمانوس يرى أن الأساس الاجتماعي والسياسي للأدب العربي الحديث حتى نهاية الحرب العالمية الأولى يرجع إلى بيئة الدولة العثمانية، التي كانت مكونة من عدد من القوميات والديانات والعناصر والمستويات الثقافية.

عهد الاستبداد الحميدي كان بمثابة إلهام للشعراء والكتاب العرب والأتراك للتعبير عن إحساسهم الوطني. 

كانت مصر تتمتع بحرية نسبية، لأنها لم تكن تحت حكم السلطان بطريقة مباشرة، ولهذا وجد فيها عدد من الكتاب العرب المضطهدين ملجأ على ضفاف النيل. وقد كان استبداد عبد الحميد هو الذي أوجد ذلك الطراز الجديد من الشعر العربي، الذي يختلف تماما عن القصائد التقليدية القديمة، هكذا يربط جرمانوس بين الاستبداد وتفجر المقاومة الثقافية.

طاغية إسطنبول
التحق جرمانوس بكلية الحقوق في إسطنبول في عهد المستبد السلطان عبد الحميد الثاني، فمكنه ذلك من  الاطلاع على معاناة مواطني السلطنة.
"عاصرت البيئة الخانقة لحكم السلطان عبد الحميد، وشاهدت الفرح الغامر بعد خلعه عن عرشه"

رصد جرمانوس فرحة العرب بإعلان الدستور، وقال: "عانق الأتراك والعرب، والأكراد والشراكسة، المسلمون منهم والمسيحيون، بعضهم بعضا، وظهر أن شعبا متحدا جديدا قد نشأ من الأشلاء الممزقة التي كانت من قبل".

وبعد المحاولة الانقلابية على الدستور، التي نظمها السلطان عبد الحميد عام 1909، والتي كان مصيرها الفشل، تم خلع السلطان عبد الحميد، وسجل جرمانوس هذا الحدث قائلا: "قد صادف خلع السلطان عبد الحميد ارتياح جميع العالم الإسلامي، الذي شهد سلسلة من الأشعار حول هذا الأمر" 

لمدة عامين بعد خلع عبد الحميد، ظلت روح الإخاء ترفرف على السلطنة، لكن الأتراك غدروا بالشعوب الأخرى، وسيطروا على السلطة دونهم، واضطهدوا هذه الشعوب، من أرمن ويونان وعرب وآشوريين وغيرهم.

"تغلغل هذا التحمس مدة سنتين في كل شعوب الدولة من أتراك وشراكسة وأكراد وعرب، مسيحين ومسلمين. كما لو كانوا قد اتحدوا ضد الاتجاهات الاستغلالية، وسعوا إلى خلق دولة عثمانية متحدة مستقلة". 

التعصب التركي
جرمانوس لمس بيده أهم مشكلة واجهت السلطنة وهي تعدد القوميات، ويرى أن العثمانيين كانوا السبب وراء نمو النزعات القومية، بسبب اضطهادهم للقوميات، ورفضهم منح كل قومية حقوقها في إطار دولة حديثة تحترم التنوع.

العنف والقمع كان الحل العثماني لأية مطالب قومية أو اجتماعية لأية أمة، خصوصا القوميات المسيحية التي دعمت دول أوروبا مطالبها.

"كانت حكومة تركيا تلجأ بين الحين والآخر إلى اتخاذ إجراءات عنيفة ضد الخارجين عليها من القوميات الثورية، من أمم البلغار واليونان والأرمن والصرب".

أما الحل فقد كان في روح الإسلام، الداعية إلى التسامح، وتقبل الآخر، والتعايش السلمي، ويقول جرمانوس:
"ولو كانت الدولة العثمانية، التي يحكمها أمير مسلم، قد طبقت الشريعة الإسلامية، التي تفرض عليها أن تمنح الحقوق المدنية الكاملة لغير المسلمين من رعاياها - كما كان الحال في الأندلس - لكانت أول دولة تطبق مبدأ اللاعنصرية في التاريخ الحديث.

لكن التعصب العرقي، طغى على إمكان تطبيق مبدأ اللاعنصرية، وجعل كل قومية تتعصب لعرقها. كانت الولايات الأوروبية في السلطنة لا ترغب في العودة إليها، وترغب في الاستقلال، فلم يكن ينتظرها إلا الاضطهاد والتقتيل على يد الميليشيات العثمانية، تلك كانت رؤية جرمانوس عن معالجة العثمانيين لمسألة المطالب المشروعة للأمم.

مشكلة القوميات زادت تعقيدا مع سيطرة الاتحاديين (جمعية الاتحاد والترقي) على السلطة، منذ عام 1911. فبعد عامين تحطمت آمال شعوب السلطنة في المساواة على صخرة التعصب التركي.

"ولكن هذا الفرح العظيم سرعان ما تبعته هموم ثقيلة. وتمزق الحلم شر ممزق تحت وطأة النظرية التورانية، وهي النظرية التي كانت تعمل لضمان الدور القيادي للجنس التركي وحده، لا الأتراك العثمانيون فحسب، بل وكل الشعوب التي تتحدث باللغة التركية التتارية، سواء في سيبيريا أو في غيرها". 

جرمانوس فضح استغلال الاتحاديين للإسلام، فرغم محاربتهم للعرب، وكراهيتهم للإسلام، إلا أنهم لم يتورعوا عن استغلال مشاعر المسلمين، حين دخلوا الحرب العالمية الأولى؛ وذلك حين أعلنوا نداء الجهاد، من أجل إثارة المسلمين في المستعمرات الأوروبية لدول الحلفاء ضد هذه الدول.

يقول جرمانوس: "استغلوا مفهوم الجهاد ظنا أن المسلمين في كل مكان سيهرعون للانضمام إليهم".

جرائم السفاح
كان الكاتب شاهدا على جرائم الأتراك بحق الأرمن، والشعوب العربية خلال الحرب العالمية الأولى. وكان على معرفة جيدة بمذابح جمال باشا بحق القوميين العرب، وقيامه بنفي النخب العربية، بهدف إفراغ بلاد العرب من المفكرين والعلماء، فقال:
" لم تستطع أحكام الإعدام التي أوقعها جمال باشا على الوطنيين السوريين أن تطفئ اللهيب الذي امتد مع الوقت إلى الجزيرة العربية. وقد سقط عدد كبير جدا من الشهداء الذين ضحوا بحياتهم في سبيل الحرية. وقد قامت القومية العربية قوية، وكأنها قد طُعمت بدماء أولئك الشهداء الشرفاء".

الحرب العالمية كتبت نهاية العثمانلي، فقد دخل الأتراك مغامرة غير محسوبة العواقب، وجروا البلاء على البلاد العربية، فتعرض العراق والشام للاحتلال، واستوطن الصهاينة فلسطين، وكل ذلك نتيجة مغامرة العثمانيين.

عاشق العربية
عبد الكريم جرمانوس أو جيولا جرمانوس ولد في مدينة بودابست، عاصمة المجر، عام 1884. إثر تخرجه في جامعة بودابست تم ابتعاثه إلى جامعة إستانبول ليتعلم اللغة التركية عام 1903. وقد استطاع خلال عامين أن يجيد اللغة التركية قراءة وكتابة ومحادثة.

ثم أتقن العربية، ودرس العلوم الإسلامية، والقرآن الكريم. زار مصر والشام والحجاز، وكان على اتصال وثيق بالجامعات العربية.

تم اختياره عضوا في المجامع العلمية في البلدان العربية. انتخبه المجمع العلمي العراقي سنة 1962، عضوا مراسلا فيه، كما انتخب عضوا في مجمعي اللغة العربية في القاهرة ودمشق. وتُوفيّ عام 1979.

المصادر :


Qatalah