يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


حول رجب إردوغان جهاز الاستخبارات التركية إلى عصابات تتولى اختطاف وتعذيب الأتراك، فقط لمجرد الاشتباه في معارضتهم لسياسة النظام الحاكم.

أساليب تعذيب محرمة دوليا يمارسها زبانية إردوغان، في مراكز اعتقال سرية، تستهدف المعارضين وكل من تحول حولهم شبهات بالانتماء إلى الداعية فتح الله جولن، الذي تتهمه أنقرة بالوقوف وراء مسرحية انقلاب 15 يوليو 2016.

إيهام بالغرق وصعق بالكهرباء وتهديد بالاغتصاب بالعصا، واختطاف من الخارج، مهام مرعبة وقذرة يؤديها زبانية ديكتاتور أنقرة دون تردد أو خوف من المحاسبة، لتطال الجرائم الجميع فى تركيا، صحافيين وسياسيين وفنانين، يعتبرهم إردوغان خونة وعملاء للغرب، وبقاؤهم خارج السجون خطر على استمرار نظامه القمعي.

الصحافية أيتن أوزتورك، واحدة من أبرز الأسماء في قائمة ضحايا الاستخبارات التركية، كشفت تفاصيل مفزعة عن اختطافها وتعذيبها على أيدي زبانية إردوغان، منذ اعتقالها في مارس 2018، حيث جرى توقيفها في مطار رفيق الحريري في لبنان، بتهمة حمل وثائق سفر مزورة.

الاستخبارات التركية التي يرأسها صديق إردوغان، ورجل الصفقات المشبوهة هاكان فيدان، تمكنت من نقل أوزتورك من بيروت إلى أنقرة عبر طائرة خاصة،  بعد أن أقنعت السلطات اللبنانية، بشكل غير رسمي، أن الصحافية متهمة في عدد من القضايا، منها إطلاق نار على مبنى القنصلية الأمريكية في إسطنبول، في أغسطس 2015.

صعق وتهديد بالاغتصاب
جرى احتجاز الصحافية في زنزانة سرية، لمدة 6 أشهر، قبل أن تنقل إلى معتقل آخر، حيث تعرضت للصعق بالكهرباء والتهديد بالاغتصاب، وظلت معصوبة العينين، ومكبلة اليدين، وتتعرّض لانتهاكات يومية.

في رسالة نشرتها صحيفة "مورنينج ستار" البريطانية، وقرأتها أوزتورك في جلسة استماع أمام المحكمة التي تنظر قضيتها في تركيا، شرحت الصحافية المعتقلة كيف احتُجزت في غرفة تعذيب سرية، بعد ترحيلها من لبنان، على أيدى رجال الاستخبارات.

طوال فترة اعتقالها في زنزانتها السرية، عانت أوزتورك من التعذيب البدني والنفسي المنهجي، وقال لها أحد زبانية الجهاز الاستخباراتي: "هذا هو قاع الجحيم، لن تخرجي من هنا، ولن تموتي، لكن سوف تتمنين الموت، وإذا خرجتِ من هنا في أحد الأيام، ستكونين قد تحولت إلي مختلة، وفقدت عقلك".

رجال الاستخبارات أجبروها على ركوب طائرة خاصة نقلتها من لبنان، وعند وصولها تم تكميم فمها بشريط لاصق، وألقيت في زنزانة انفرادية وهي عارية ومكبلة اليدين، وتقول إن رجلًا دخل الغرفة وأخبرها أنه يريد منها معلومات وتفاصيل يعرفونها بالفعل، لكنهم يريدون التأكد منها، وادعى أنه بإمكانها المغادرة إذا تحدثت.

تعذيب ممنهج 
قال لها أحد الجلادين بلهجة تهديد: "لقد منحوني سلطات لا نهائية لممارستها عليكِ، أرسلت الدولة التركية طائرة خاصة من أجلك، هذا المكان ليس مختلفًا، الجميع هنا يقومون بعملهم بشكل محترف، لا يمكنك المغادرة إذا لم تتكلمي، يمكن أن تظلي هنا لعدة أشهر، بل لسنوات، فهل ستتكلمين؟"

وأوضحت الصحافية التركية كيف قُيّدت بالسلاسل إلى الحائط، وصُعقت بالكهرباء، وتابعت: "عندما فعلوا ذلك بي، كان جسدي كله يرتعد ويرتجف، وكنت أصرخ بأعلى صوتي، لقد هددوني بكسر أصابع قدمي بكماشة، ووضعوا شيء مدبب تحت أظافري، وأحرقوا إصبعي الصغير، ولم يُشفى الجرح في إصبعي والالتهاب في ظفري طيلة شهور، وفي بعض الأحيان، علّقوني من قدماي وربطوها وضربوها".

المكلفون بممارسة التعذيب في الزنزانة استخدموا مع أوزتورك طريقة الإيهام بالغرق، ممسكين برأسها، وضعوها تحت الماء وهي معصوبة العينين، حتى تلفظ أنفاسها، وهددوها باستخدام عصا لاغتصابها.

وبعد أن رفضت تناول الطعام، وضع المجرمون أنبوبة في حلقها، وجعلوها تتناول السوائل عبرها، وبسبب ذلك، استمر نزيف الدم من أنفها وفمها، وضعف جسدها بعد أن فقدت الكثير من وزنها، وبالكاد استطاعت الوقوف على قدميها.

من الاستخبارات إلى الشرطة
قالت أوزتورك إنها نُقلت مُكبلة ومعصوبة العينين من زنزانة القبو السرية إلى مكان مجهول في أنقرة، حيث أخذتها الشرطة التي تصرفت كما لو أنها عثرت عليها هناك. 

الشرطة تسلمتها من رجال الاستخبارات، ونقلتها إلى مقر احتجاز في أنقرة، حيث ما زالت تقبع في الحجز منذ ذلك الحين، وواجهت تهما ملفقة تتعلق بالإرهاب، من ضمنها الانتماء إلى منظمة إرهابية.
في جلسة الاستماع، قالت أوزتورك، إنها كانت تعيش في سورية  خلال الحرب، وأنها فقدت العديد من أفراد أسرتها خلال تلك الفترة، قبل أن تتوجه إلى لبنان على أمل السفر إلى دولة أوروبية. 

قالت إن والدها توفي عندما احتُجزت في غرفة التعذيب السرية، ورغم أنه لم يكن يعرف مكان وجودها، إلا أنه أحسّ أنها على قيد الحياة، بحسب كلامها، مضيفة: "لم تعرف عائلتي  عني شيئًا طيلة ستة أشهر، لقد دفنت حيةً في قبر خلال تلك الفترة، هل يمكنك تخيل الألم الذي لحق بأحبائي؟"

ثورية لا إرهابية 
أوزتورك تنفي صلاتها بأية منظمة غير قانونية، وتؤكد أنها لم تمارس أية أنشطة غير مشروعة، غير أنها تشير إلى اعتناقها أفكارا ثورية ديمقراطية مناهضة للإمبريالية والأممية، مضيفة أن استخبارات هاكان فيدان سعت فقط إلى تعذيبها. 

وأضافت: "تعرضت للتعذيب طيلة 6 أشهر، تم خلالها إجراء تحريات عني والقيام بإجراءات تقاضي، لكني  سأواصل استعمال كل ما أملك من مبادرات قانونية لتوضيح تفاصيل تسليمي إلى المعذبين الأتراك، لمحاسبة المسؤولين عنها، أطالب بإطلاق سراحي وتبرئتي".

في نهاية حديثها أمام المحكمة، أكدت أوزتورك أن الجروح التي سببها لها رجال التعذيب قد التأمت، مضيفة:" لكن الجروح بداخلى لن تشفى أبدًا".

بعد الاستماع إلى كلمتها، تم تأجيل محاكمة أوزتورك إلى 3 أكتوبر المقبل، فيما لا يزال احتجازها قائما، يقبع آلاف الأتراك فى زنازين إردوغان، تمارس ضدهم أبشع أنواع التعذيب والإهانة، وسط حالة من الصمت على جرائم النازي التركي.

عمليات الخطف 
في تقرير لوزارة الخارجية الأمريكية، صدر في مارس الماضي، عن أوضاع حقوق الإنسان في تركيا، خلال العام 2018، معدو التقرير أكدوا أن السلطات التركية تورطت في جرائم اختفاء قسري ومحاولات اختطاف، ورصدت اختفاء 28 شخصًا قسريًا.

حكومة إردوغان شنت منذ يوليو 2016 حملة موسعة لاختطاف أتباع حركة الخدمة، التى يرأسها رجل الدين فتح الله جولن، المتهم الأول بتدبير  مسرحية الانقلاب المزعوم، ولاحقت الاستخبارات التركية كل من تشك في انتمائه إلى الحركة، داخل تركيا وخارجها.

وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو، اعترف في يوليو، بأن جهاز الاستخبارات سهل عودة أكثر من 100 عضو ينتمون إلى حركة الخدمة، من 18 دولة. 

الخارجية الأمريكية رصدت إعادة اثنين من الأتراك من أذربيجان إلى تركيا، فى فبراير الماضى، دون اتباع الإجراءات القانونية الواجبة، فيما شارك جهاز الاستخبارات في خطف عضوين مزعومين لحركة جولن من أوكرانيا، في يوليو الماضي، وإعادة ستة مشتبه بهم من كوسوفو.

الأمم المتحدة أعربت عن انزعاجها بسبب كثرة الشكاوى من وقائع التعذيب في تركيا، وفي 27 فبراير الماضي، أعرب المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بجرائم التعذيب، نيلز ميلزر، عن قلقه البالغ إزاء ما يثار عن التعذيب، وغيره من أشكال سوء المعاملة في أقسام الشرطة التركية.

Qatalah