يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


الحضور الطاغي للسلطان عبد الحميد الثاني، في الكاريكاتير الأوروبي يعود إلى عوامل ثلاثة، أولها التطورات الخطيرة التي لحقت بالدولة العثمانية خلال عهد عبد الحميد الطويل، وازداد خلاله تكالب القوى الأوروبية على اقتسام أملاك الرجل المريض في البلقان والشرق الأوسط. وثانيها مذابح الأرمن بين عامي 1894 و 1896، التي أثارت باتساع نطاقها ووحشيتها الفائقة غضب الرأي العام الغربي. وأخيراً، التحالف الذي بدأه عبد الحميد مع قيصر ألمانيا، الذي نظر إليه من قبل بريطانيا في الربع الأخير من القرن الـ 19 كتهديد جسيم لمصالحها التي أسستها في الشرق .
 
والطريف أن الفنانين الأوروبيين الذين رسموا لـ"عبد الحميد" مئات الرسوم الكاريكاتورية بين مجلات وجرائد أوروبا، لم يكونوا في سعة من صور السلطان لاعتمادها في أعمالهم. فرغم حقيقة وجود التصوير الفوتوغرافي وتطوره في العالم أثناء حياته، فإن عبد الحميد أثيرت عنه الإصابة ببارانويا مجهولة السبب من التصوير، حتى إنه على مدار 33 عاما هي مدة حكمه (1876 - 1909)، لم يتم التقاط سوى صورة فوتوغرافية واحدة له كانت في أغسطس من العام 1908، أي بعد الانقلاب الناجح الذي دبرته جمعية الاتحاد والترقي ضده. بينما تعود الصورتان الأشهر له واللتان تستخدمان حتى اليوم على نطاق واسع، إلى فترة ما قبل توليه العرش. الأولى التقطت له في إحدى القلاع الإسكتلندية، أثناء رحلته إلى بريطانيا العظمى العام 1867. والثانية حول نفس التاريخ السابق. وقد اعتبرت الأولى على وجه الخصوص، النموذج الذي رسمت على أساسه معظم الأعمال الكاريكاتيرية للسلطان الشهير في أوروبا. 
 
الرجل المريض
منذ نشوء الكاريكاتير الأوروبي الحديث، عبر مجلة "بانش" البريطانية الساخرة عام 1843، والدولة العثمانية تمثل إحدى الموضوعات الرئيسة للأعمال الكاريكاتورية التي تصدرها المجلة، خاصة أن "المسألة الشرقية" كانت في ذلك الوقت في أوجها، وكانت الدوائر السياسية في كبار الدول الأوروبية، لا يعنيها سوى التفكير في كيفية الحصول على النصيب الأكبر من قسمة العثمانيين، أو "الرجل المريض"، في أوروبا والشرق الأوسط. 
 
في عام 1853، نشرت "بانش" كاريكاتيراً لدب يرمز به لـ"روسيا القيصرية"، يعتصر ديكا روميا يرمز به لـ "تركيا". وكتب في الأسفل "تركيا في خطر". والكاريكاتير يعبر عن خشية البريطانيين في ذلك الوقت من انفراد الروس بالأملاك العثمانية. لذلك، تجد بريطانيا ومعها فرنسا تصطفان مع الأتراك في عام 1853 ضد روسيا. ولن ينتهي عام 1856 إلا وقد منحت إسطنبول نصراً مزيفاً، منحها الحياة لعقود تالية. 
 
"بانش"، عادت إلى الصراعات التركية الروسية في عام 1867، ونشرت في 17 يونيو، كاريكاتيراً بعنوان "كلاب الحرب"، مثل روسيا في هيئة رجل على وشك إطلاق كلابه، التي يرمز بها للشعوب البلقانية، على السلطان العثماني مراد الخامس الذي كان يهرول مرتدياً برميلاً حول خصره لحماية نفسه من العض. وفوق السور، يراقب الوضع رجلا يمثل بريطانيا. 
ومن الطريف، أن صربيا أعلنت الحرب على الدولة العثمانية في اليوم التالي لنشر ذلك العمل الساخر. وأصبحت تلك الحرب تمهيداً للحرب الروسية التركية بين عامي 1877 و 1878، والتي تمت في أول سنوات عبد الحميد. 
 
الحرب الأخيرة، عبر عنها أيضاً بكاريكاتير بعنوان "الوضع في البحر الأسود"، يظهر خلاله عبد الحميد وهو غاطس بكامل جسده في الماء، عدا رأسه التي زينتها قلنسوة عليها الهلال التركي. والكاريكاتير يظهر فيه نسر محلق يقترب من عبد الحميد لنزع القلنسوة من على رأسه. كما تظهر في الخلفية سحابة على شكل دب. وهي كلها رموز لقرب السيطرة الروسية على البحر الأسود، وانتزاع الحق في احتكاره من الأتراك. 
 
الحرب الروسية التركية، انتهت بنصر روسي مدوي، وموافقة تركية على الشروط المذلة التي فرضتها روسيا في معاهدة سان ستيفانو، والتي نزعت عن إسطنبول كل ما تملكه في البلقان. وبالطبع ما كان الغرب، بريطانيا وفرنسا وألمانيا، ليرضون بتلك النهاية التي تحرمهم من أي مستقبل ممكن في الأراضي العثمانية بشرق أوروبا. 
 
بالتالي، تمت إعادة المفاوضات برعاية ألمانية من المستشار الشهير "بسمارك" في مؤتمر برلين 1878 ومنح العثمانيون من جديد ما فقدوه في المعاهدة الأولى. ولكن بريطانيا وفرنسا عقدتا العزم بعد المعاهدة على تحويل سياستهما تجاه إسطنبول من دفة التدخل الدبلوماسي، لحماية الدولة العثمانية، إلى دفة الهجوم على تلك الأخيرة نفسها واقتسام أملاكها فيما بينهما. 
 
أفرزت تلك التوجهات الأخيرة احتلال فرنسا لتونس عام 1881، واحتلال بريطانيا لمصر 1882. ومع التهديدات الروسية المميتة باجتياح شرق الأناضول، بل واحتلال إسطنبول نفسها، أصبح مستقبل الدولة العثمانية بين يدي أوروبا لا الأتراك. ولما كان عبد الحميد الثاني هو رأس السلطة، فقد استهدف بصورة كبيرة في الكاريكاتير الساخر بأوروبا. 
 
في نوفمبر 1896، نشر السير "جون تينييل" كاريكاتيرا في مجلة "بانش"، بعنوان "شركة تركيا المحدودة"، صور خلاله عبد الحميد وهو واقف ببزته الرسمية متعجباً أمام إعلان معلق فوق الحائط كتب فوقه "إعلان، إعادة تنظيم الدولة العثمانية، برأس مال 5 مليون جنيه إسترليني، المديرون: بريطانيا، روسيا، فرنسا". الكاريكاتير، يقول على لسان السلطان :"بسم الله ما شاء الله، أدخلوني في شركة محدودة، من المفترض أنهم سيضموني إلى إدارتها بعد التخصيص!!". 
 
تدخلات أوروبا في الصراعات الداخلية بالسلطنة، كانت موضوعاً آخر للكاريكاتير الأجنبي عن عبد الحميد. ففي أغسطس 1896، كان "جون تينييل" قد نشر كاريكاتيرا بعنوان "الحمام التركي"، يظهر فيه عبد الحميد وهو خارج من حمام شرقي فيفاجأ أمامه بكلمة "كريت" مكتوبة على الأرض، ويقول :"لقد أعطوني حماماً ساخناً في الغرفة الأرمنية، لكن بسم الله ما شاء الله على هذا ... اتفو". 
 
الكاريكاتير، يشير إلى الثورة اليونانية التي اندلعت فوق جزيرة كريت ضد العثمانيين، ونجح الأخيرون في قمعها بشدة، لكن الثوار في العام التالي (1897)، أعلنوا الاستقلال عن الدولة العثمانية مرة أخرى، بإيعاز من مملكة اليونان، ما أدى إلى اندلاع الحرب التركية - اليونانية، والتي ستنتهي بانتصار جديد للأتراك. 
 
على غلاف الجريدة الفرنسية "لا بيتيت" في يوم 9 مايو 1897، رسم الفنان "هنري ماير" كاريكاتيراً ساخراً عن الحرب التركية - اليونانية، والمعروفة أيضا باسم "حرب الـ 30 يوما". وبينما يظهر عبد الحميد الثاني وهو يقاتل اليوناني "قسطنطين الأول" بالسيوف، يظهر في الخلفية قادة أوروبا وكأنهم أفراد جوقة موسيقية ينظمون تلك الحرب بعزفهم الجماعي.
 
قاتل الأرمن 
مذابح الأرمن في عصر عبد الحميد، كانت ثاني أكبر الموضوعات التي تطرق إليها الكاريكاتير الأوروبي. والأرمن بدأوا يمثلون أزمة في السياسة العثمانية، منذ اتفاقية سان إستيفانو التي فرضت على العثمانيين حماية الأرمن من هجمات العصابات الكردية والشركسية. 
 
منذ أواخر ثمانينيات القرن الـ 19، بدأ الأرمن في التحول إلى العمل الحزبي المنظم. وكانت أحزابهم، "الأرميناجان" (1885)، و"الهنشاك" (1887)، و"الطاشناق" (1890)، قد جمعت بين النشاط السياسي التوعوي، وبين العمل المسلح الميليشياتي للتخلص من الحكم العثماني. الأمر الذي منح عبد الحميد الثاني مبرراً لقمع حتى العزل من الأرمن في القرى الواقعة شرق الأناضول. 
 
في 1891، شكل عبد الحميد عصابات جديدة من الأكراد والشركس والألبان، أطلق عليها اسم الحميدية تيمناً باسمه. ثم أطلق يدها على الأقلية الأرمنية. وكانت مذبحة ساسون بين 15 أغسطس إلى 15 سبتمبر 1894، والتي خلفت أعدادا كبيرة من الضحايا الأرمن هي عنوان تلك الفاتحة للمذابح الأرمنية. 
 
عمل الفرق الحميدية استمر فاعلاً  كذلك منذ 13 أكتوبر 1894، حتى 30 نوفمبر 1895. وقد نفذت مذبحة رهيبة في حق الأرمن بمدينة الرها خلال يومي 28 و29 ديسمبر 1895. الأمر الذي خلف 3 آلاف أرمني قتلى دفعة واحدة. 
 
وبعد محاولة أرمنية فاشلة للانتقام من تلك المذابح بالسيطرة على البنك العثماني، استدعى عبد الحميد قوات غير نظامية تعرف باسم "الباشبوزوق" وأدخلها العاصمة للانتقام من الأرمن فيها. حيث تنوعت مصائر أولئك الآخرين بين الذبح أو الضرب حتى الموت. 
 
يقدر عدد ضحايا الأرمن في المذابح الحميدية بنحو  100 ألف قتيل. وقد أدت تلك المذابح  إلى هجرات أرمنية واسعة خارج العالم العثماني، كان أكثرها إلى الولايات المتحدة الأمريكية ومصر، التي لم تكن تابعة سوى اسمياً لسيادة إسطنبول. 
 
أحدثت المذابح الحميدية دوياً هائلاً في أوروبا، وكانت سبباً رئيساً في اكتساب عبد الحميد الثاني ألقاباً مثل "السلطان الأحمر"، و"عبدول اللعين". وكان من الطبيعي أن تجد مكاناً مركزياً في رسوم الكاريكاتير التي ظهرت في المجلات والجرائد الأوروبية خلال ذلك الحين. وكان تركيز تلك الرسوم دوماً على دور السلطان في إدارة تلك المذابح، وكذلك تقاعس القوى الأوروبية عن نجدة الأرمن. 
 
بتاريخ 18 يناير 1896، نشر كاريكاتير لعبد الحميد بعنوان "اليد الحرة"، يظهر فيه شاهرا سيفه في فرح، ويستعد لتوجيهه نحو الأرمن، وأسفل قدميه ألقيت جرائد فيها أخبار حول مشاغل القوى الأوروبية الكبرى بأمور بعيدة عن المسألة الأرمنية. وكتب على لسان السلطان :"لا أحد منتبه، يمكنني العودة للعمل الآن". 
 
في 23 يناير 1896، نشرت جريدة "واشنطن بوست" الأمريكية، على غلافها الرئيس كاريكاتيرا لـ"عبد الحميد" بعنوان "الصليبي الشجاع"، يظهر فيه وهو يحتجز امرأة تمثل أرمنيا، بينما تقف أمامه امرأة بملابس الإرساليات التبشيرية، ترفع علماً كبيراً فوقه الصليب، وفي زنارها علقت حقيبة كتب عليها (المساعدات الإنسانية).
 
وفي 1 أغسطس 1896، صدرت (ذا رامز هورن)، الجريدة الأمريكية بشيكاغو، غلافها بكاريكاتير يقترب في فكرته من الكاريكاتير السابق، لكن بصورة أكثر حدة، حيث يظهر عبد الحميد هذه المرة أكثر قبحاً. وهو يرتدي زياً عسكرياً عثمانياً قديماً، وفي يده اليمنى سيف، واليسرى درع. وقد علق في خصره مجموعة من رؤوس الأرمن. وفي مقابله امرأة عليها شارة الصليب مرة أخرى، لكنها هذه المرة تحمل رمحا كتب عليه الدبلوماسية، وعنون الكاريكاتير في الأسفل بـ "أسلحة غير متكافئة". في  انتقاد من الصحيفة لموقف الحكومات الغربية السلبي. 
 
هناك كاريكاتير آخر يناقش التقاعس الأوروبي، نشر في الجريدة الأرمنية "أبتاج". وقد صور الأكراد والشركس وهم يقدمون رؤوس الأرمن إلى عبد الحميد، الذي يطبخها في قدر كبير. وفي الأعلى صورة لثلاثة نائمين يمثلون الدول الأوروبية الثلاث الكبرى، بريطانيا وفرنسا وروسيا. 
 
العام 1896، شهد ظهور كاريكاتير في مجلة "بانش" بعنوان "انتظار الإشارة"، يظهر فيه القيصر الألماني غليوم الثاني جالساً في مسرح روماني عتيق للنزالات المميتة. وأمامه في الساحة الرملية، يقف مصارع يمثل تركيا، وهو ينتظر إشارة من القيصر للإجهاز على المصارع المجندل على الأرض، ويمثل الأرمن. وهذا الكاريكاتير يعبر عن الاتهامات الأوروبية لألمانيا بالتخطيط لمذابح الأرمن مع الأتراك، كي تحرم روسيا من أي حليف لها في شرق الأناضول. 
 
وفي 29 مايو 1897، ظهر عبد الحميد على الغلاف الرئيس لجريدة "لا رير" الفرنسية، وخلفه ما يبدو كأنه شيطان يوسوس له بذبح الأرمن. كما ظهر عبد الحميد أيضاً في إحدى الطوابع البريدية الصادرة بأوروبا خلال ذلك الزمن، وهو واقف متأبط سيفه الملطخ بالدماء. ومعلقة وراءه، كما ملقاة على الأرض، رؤوس ضحاياه من الأرمن.
 
الجريدة الفرنسية "لا جيرولت"، رسم "إدوارد بيبين" غلافها أثناء الحرب اليونانية التركية 1897. وفي الكاريكاتير، صور عبد الحميد جالساً فوق رجل وامرأة من الأرمن، في الوقت الذي يقدم فيه النصح للثوار اليونانيين الذين يصرخون في وجهه "تحيا اليونان"، و"تحيا كريت". وعبد الحميد ينصحهم قائلا :"يجب أن تكونوا مثل الفرنسيين الحقيقيين، وتعتبرون بما يحدث على حدودكم". وفي الخلفية يظهر قائد ألماني يجلس فوق فرنسيات، وقد كتب على الأرض أسفلهما الألزاس واللورين.
 
هناك كاريكاتير آخر، تظهر فيه القيادات المنفذة لمذابح الأرمن في صورة غول ضخم متعدد الرؤوس. أول رأس في أعلاه تنتمي لـ "فائق بك". تليها رأس "عزت بك المفضل". ثم رأس السلطان عبد الحميد نفسه. وأخيراً رأس سكرتير السلطان "تحسين بك". وقد صور الغول وهو ينهش في جسد فتاة تمثل الأمة الأرمنية. ومنح عبد الحميد في ذلك الكاريكاتير، صورة أقرب ما تكون إلى صورة مصاص الدماء.
 
الجريدة الفرنسية "أو بايس دي لا إسبيوناج"، قدمت في غلافها الرئيس عمل الفنان "بول دي ريجلا"، كاريكاتيرا للسلطان عبد الحميد، وهو ماشياً يتلفت حوله، ويحمل في يديه مسدسين كناية عن مخاوفه المرضية. وقد خلفت أقدامه الملطخة بدماء الأرمن أثراً طويلاً خلفه باللون الأحمر. 
 
وفي عمل كاريكاتوري آخر، قدمت المجلة الفرنسية "لا آسييت أو بيوري" في إحدى أعمالها داخل العدد، رسماً كاريكاتيرياً بتاريخ 16 أغسطس 1902. يظهر فيه عبد الحميد على عرشه، وأمامه مجموعة من الأرمن وهم ساجدون أمامه في استسلام. فيقول لهم :"ولو لم يبق أحد. سأكون أنا التالي". أي أنه مصر على قتل الأرمن حتى آخر نفس. ولو انتهى جميع الأرمن، فإنه سيقتل نفسه. وهذا الكاريكاتير يعالج الشائعات التي كانت تطلق في إسطنبول حول ولادة عبد الحميد سفاحاً من امرأة أرمنية. وقد كتب صاحب العمل في الأسفل على اليمين، أن أم السلطان كانت أرمنية. 
 
ذكرى المذابح الحميدية، ظلت فاعلة في العقل الجمعي لرسامي الكاريكاتير الأوروبيين، لدرجة أن مجلة "بانش" نشرت رسماً لـ"برنارد بارتريدج" تحت عنوان "نصيحة خبير" في العام 1936،  أثناء المد الفاشستي الذي قاده موسوليني في إيطاليا، يظهر خلاله شبح عبد الحميد وهو ينصح موسوليني بعدم سلوك طريق الدماء والإبادة، قائلاً :"لقد رفضت العالم المتحضر، وبذلت ما في وسعي لتدمير الأرمن، وأنت تعلم ماذا حدث لي". 
 
السلطان والقيصر
قضية التحالف الذي عقده السلطان عبد الحميد الثاني مع قيصر ألمانيا غليوم الثاني، كانت موضوعاً بارزاً آخر في الكاريكاتير الأوروبي، حيث عكست المخاوف البريطانية والفرنسية من محاولات ألمانيا استخدام ذلك الحلف لإيجاد موطئ قدم لها بالشرق الأوسط إلى جوارهما، أو بالأحرى بدلا منهما معا. 
 
كان عبد الحميد الثاني، بعد أن قلب الفرنسيون والإنجليز له ظهر المجن، قد وجد في غليوم الثاني حليفاً ممتازاً، حيث كانت بروسيا خارجة لتوها من نصر مؤزر على فرنسا. وقدم الألمان أنفسهم إلى إسطنبول، بل والعالم كله بصفتهم قوة عسكرية صاعدة يمكن التعويل عليها. 
 
السلطان العثماني، رغب في أن يعينه القيصر على تحديث الجيش العثماني، تمهيداً للتخلص من البريطانيين، خاصة في مصر. ولكنه بذلك، بوعي أو دون وعي، كان إنما يستبدل كولونياليا بآخر، لأن غليوم أساساً أعلن أن هدفه الرئيس هو الخروج بألمانيا من محبسها في أوروبا، واللحاق بركب النشاط الاستعماري لكل من بريطانيا وفرنسا. خاصة في الشرق الأوسط. 
ومن أجل ذلك، وضع القيصر خطة واسعة النطاق لضرب المصالح البريطانية بالعراق ومصر، عن طريق سكة حديد بغداد - برلين، وسكة حديد الحجاز. فكانت الأولى تضرب التجارة البريطانية العابرة من مستعمراتها الهندية عبر البصرة في مقتل. بينما كانت الثانية تصيب ذات التجارة، عبر طريقها المعتمد على قناة السويس. وكان من شأن الخطتين معا، تسهيل دخول القوات الألمانية إلى الشرق، وتوجيه ضربة عسكرية مباشرة إلى الإنجليز. ثم فصلها عن مستعمراتها الهندية الغنية إلى الأبد. 
 
في 1898، نشرت "بانش" البريطانية كاريكاتيرا بعنوان "الصليبي المزيف". يظهر فيه السلطان صلاح الدين الأيوبي خائفاً، وبيده الشروط التي تفرضها عليه القوى الغربية، شاكياً "غليوم الثاني" الذي يقول له :"ماذا؟!. القوى المسيحية تضغط عليك. صديقي العزيز. هذا فظيع. أنا لا أعلم كيف يقدم الناس على مثل هذا". 
 
الكاريكاتير السابق، تم رسمه في أعقاب زيارة القيصر الألماني الشهيرة إلى الشرق في ذات العام، التي قام خلالها بزيارة قبر صلاح الدين الأيوبي، وخطب من أمامه مؤكدا أنه صديق لـ 300 مليون مسلم عبر العالم، ما اعتبر من قبل القوى الأوروبية تحريضاً منه للمسلمين على الثورة ضد البريطانيين والفرنسيين والروس، ثم الوثوب محل تلك القوى في هذه المستعمرات. 
 
استخدام صلاح الدين في الكاريكاتير، كان له دلالات مهمة للغاية. فقد كان عبد الحميد الثاني هو أول حاكم بالشرق الحديث يستعيد سيرة صلاح الدين ونضاله ضد القوى الصليبية في حربه ضد بريطانيا وفرنسا. وكان السلطان العثماني بتجديده ضريح صلاح الدين بدمشق في فاتحة عهده يعلن عن تجديد عهد الجهاد الإسلامي. وهذه الثيمة ستعجب غليوم الثاني كثيرا، وسيضغط عليها، مع ثيمة أخرى تتعلق بـ"الخلافة العثمانية"، وسيحاول استخدامهما أثناء عصر عبد الحميد، ثم خلال الحرب العالمية الأولى، في تهييج الشعوب المسلمة ضد القوى الكولونيالية المنافسة لألمانيا، ولكنه سيبوء بالفشل. 
 
الاستبداد والعزل
ومع طول عهد السلطان عبد الحميد، واشتعال الثورة في نفوس الجمعيات الثورية التركية ضده، خاصة جمعية الشبان الأتراك (الاتحاد والترقي لاحقا) التي وصفته بالاستبداد، وظلت منذ 1889 تدبر للإطاحة به واسترداد دستور 1876 المعطل، فقد كان طبيعياً تطرق الكاريكاتير الأوروبي إلى قضية استبداد عبد الحميد، ونزاعاته مع خصومه السياسيين. 
 
في 8 أغسطس 1901، تماهى رسام الكاريكاتير "ليل دي كامارا" مع خطاب الشبان الأتراك، ونشر رسماً في جريدة "لا آسييت أو بيوري" لعبد الحميد، يظهر خلاله بملامح شريرة وأنف معقوف، وكتب أسفلها "الزعيم الروحي للطغاة".
 
وهناك أيضا طابع بريد، ظهر خلال ذات الفترة، يظهر خلاله عبد الحميد بين مجموعة من زعماء العالم من أمثال غليوم الثاني، وإدوارد السابع ملك إنجلترا، وقد ألبس السلطان في الرسم ملابس جزار كناية عن دمويته.  
 
وفي 31 أكتوبر 1903، ظهر عبد الحميد مرة أخرى على غلاف "لا آسييت أو بيوري". وهو ينظر بخبث. ومكتوب إلى جواره "عبد الحميد .. سنوات من الاغتيالات". 
 
وبعد نجاح انقلاب الاتحاد والترقي يوليو 1908، واستعادة العهد الدستوري، وفتح البرلمان، نشرت "لا آسييت أو بيوري" على غلافها كاريكاتيرا لعبد الحميد وهو يمسك سيفا ملطخا بالدماء على رداء كتب عليه الدستور، بتاريخ 29 أغسطس 1908.
 
وبتاريخ 23 ديسمبر 1908، أي بعد أيام قليلة من إعادة افتتاح المبعوثان (البرلمان)، نشرت "بانش" كاريكاتيرا ظريفاً لعبد الحميد بعنوان "أب بالتبني". يظهر فيه جالساً لإرضاع الشبان الأتراك الذين ناموا في مهد مكتوب عليه البرلمان العثماني من نرجيلة في يده. وقد قيل على لسانه :"حسنا، لو أحدهم قال لي قبل عام أني يجب أن أنتهي هكذا!".
 
وإذا كان ثمة نهاية مناسبة لتلك الطائفة من الرسوم الكاريكاتورية. فسيكون غلاف مجلة "لا رير" في 15 مايو 1909، الذي يظهر فيه السلطان محمد رشاد الخامس وهو جالس فوق جثة أخيه عبد الحميد الثاني المعزول عن عرشه. ومن المعلوم أن عبد الحميد بعد أن قبل في البداية الحكم بالتشارك مع الشبان الأتراك، فإنه عاد وحاول استعادة القبض على الحكم في إسطنبول من خلال الأحداث المعروفة بالفتنة الارتجاعي، أبريل 1909. وكان فشله فيها، وسقوطه للمرة الثانية أمام الاتحاد والترقي، إيذانا بخلعه تماماً عن السلطة العثمانية. 

المصادر :


Qatalah