يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


"أنا وريث إمبراطورية الكون، ولقد كنت دوما عثمانيا، وأنا ضد أي شخص يعادي الدولة العثمانية".. بمثل هذه الكلمات لخص قدير مصر أوغلو المؤرخ العثماني حياته وجهوده في التنظير لمشروع العثمانيين الجدد، فالرجل لم يعش يوما في عهد الدولة العثمانية التي سقطت نهائيا العام 1924، في حين ولد بعدها بتسعة أعوام، لكنه قدم نفسه باعتباره المدافع عن العثمانلية المقبورة، فعاش عمره كله بحثا عن سراب الإمبراطورية التي تجاهل كل مساوئها.

مصر أوغلو بكتاباته شكل أحد آباء العثمانية الجديدة التي خرجت من تحت عباءتها الإردوغانية، القائمة على أفكار عنصرية حول تفوّق الجنس التركي، وضرورة بعث الإمبراطورية المقبورة عبر انتهاج أنقرة سياسة عدوانية ضد الجيران، ونبذ الحداثة الغربية باعتبارها رجسا من عمل الشيطان، والعودة إلى الأخلاق والفضائل العثمانية -حسب زعمه- مع استخدام غطاء إسلامي لتبرير هذه السياسات الشاذة.

اعتاد قدير مصر أوغلو السباحة عكس التيار  فلم يتوقف طيلة حياته عن إثارة الجدل بدءًا من ارتدائه الطربوش العثماني في دلالة لرفضه الخطوات التي اتخذتها الجمهورية التركية، وصولاً لآرائه حول عدد من القضايا والمسائل التاريخية، ففي عام 2016 وخلال مجلس العلم الذي يعقده كل يوم سبت صرح قائلاً: "ليت اليونانيين انتصروا على أتاتورك، فعلى الأقل لا الخلافة ستهدم ولا الشريعة، ولن يشنق العلماء ولن تغلق المدارس الدينية".

وهي التصريحات التي أثارت الجدل والسخط في المجتمع التركي، حتى إنه لما توفي في 8 مايو 2019، انتقدت المعارضة نعي وكالة الأناضول له، وقال النائب عن حزب الخير أوميت أوزداغ: "كيف لوكالة أنشأت من أجل تغطية أخبار حرب الاستقلال أن تنعى شخصا تمنى انتصار اليونانيين فيها! إنكم تسيئون لأرواح الشهداء والجرحى الأتراك".

ولد مصر أوغلو في مدينة طرابزون العام 1933 عقب ولادة الجمهورية التركية بقيادة مصطفى كمال أتاتورك، وضع الأخير أسس دولة حديثة تتخذ من النهج الأوروبي وسيلة لانتشال الأتراك من وهدة التخلف الذي عاشوه خلال عقود الوفاة الطويلة للدولة العثمانية، لكن الفتى مصر أوغلو عاش على "حكاوي" الجدات حول عظمة عصر لم يعرفه، فعاش في وهم دغدغ مشاعر طفولته.

درس مصر أوغلو الحقوق في جامعة إسطنبول، لكنه سرعان ما توجه إلى دراسة التاريخ، ونذر نفسه مدافعا عن الدولة العثمانية، تحولت الكتابة التاريخية على يده إلى فن أيديولوجي يخدم تصورا أحادي للتاريخ قائما على تبرير أخطاء العثمانيين والتضخيم من انتصاراتهم، ما تجلى بوضوح في أول كتبه التاريخية "لوزان.. انتصار أم هزيمة؟"، والصادر في العام 1964، وهو كتاب مثير للجدل دافع فيه بشراسة عن العثمانيين، ولكي يعطي لنفسه مساحة أن يكتب ما يشاء بلا رقيب ولا حساب أسس دار نشر "السبيل" في العام ذاته.

كراهية أتاتورك
مصر أوغلو انتقد معاهدة لوزان الموقعة بين أتاتورك والدول الكبرى في يوليو 1923، والتي على أساسها خرجت الجمهورية التركية بحدودها الحالية إلى النور، ورغم أن المعاهدة شكلت في وقتها إنجازا كبيرا لأتاتورك الذي أنقذ البلاد من هوة الانهيار العثماني، إلا أن مصر أوغلو رأى غير ذلك، وهاجم أتاتورك صراحةً وكاد أن يتهمه بالخيانة.

تباكي مصر أوغلو على الدولة العثمانية الميتة قبل قرون والتي كانت في انتظار رصاصة الرحمة ليس إلا، لكنه غالط وقائع التاريخ واعتبر المعاهدة جريمة في حق الدولة العثمانية، وقال صراحة: إن أتاتورك ورفاقه "تخلوا عن قيادة المسلمين ورضوا بقطعة صغيرة من الأرض".

عبر المنظّر العثماني في كتابه عن أفكار العثمانية الجديدة بصورة مبكرة، فهو يرى أن تركيا في ثوبها العثماني مكتوب عليها حكم جميع المسلمين، وأن إسطنبول هي عاصمة الخلافة الأبدية، بطبيعة الحال لم يضع في اعتباره رأي الشعوب العربية والإسلامية، فالدولة العثمانية جبر على الجميع وعلى شعوب العالم الإسلامي الانصياع لها.

شكّلت كتابات مصر أوغلو أول تنظير لأفكار العثمانية الجديدة من ناحية تاريخية، الأمر الذي دعمه نجم الدين أربكان بعدها بخمس سنوات بالشق السياسي الذي طرحه في  "مللي غوروش" (الرؤية الوطنية)، الذي يعد مانفستو (بيان عام) أصدره أربكان في عام 1969 وانبثقت عنه سائر الحركات والأحزاب الدينية، في تركيا الحديثة، بدءا من "النظام الوطني" وانتهاءً بـ "العدالة والتنمية" الذي يحكم أنقرة منذ عقدين. 

على إثر هجومه غير المنضبط واستخدام لهجة حادة تطالب بالقضاء على الجمهورية التركية، والهوس بإعادة الدولة العثمانية بأي شكل، ألقي القبض على مصر أوغلو وحكم عليه بالسجن، يتنقل في الفترة بين عامي 1970 و1974، بين السجون ومشافي الأمراض العقلية بسبب اضطراب ذهنه ودخوله في نوبات جنون.

عداء مصر أوغلو لأتاتورك لم يكن وليد اللحظة، بل إن الرجوع إلى روايته لقصة حياته يكشف عن عداء مبكر، إذ يقول فيها: إنه أثناء دراسته في المرحلة الإعدادية العام 1948، تعرض للطرد من مدرسته لمدة أسبوع بعد أن خاض نقاشاً مع زملائه في الفصل حول مصطفى كمال أتاتورك، انتهى بتخوين الأخير، الأمر الذي رأت فيه إدارة المدرسة إساءة لرئيس البلاد، يقول مصر أوغلو إن هذه الحادثة كان لها الأثر الكبير في تشكل توجهاته لدراسة التاريخ المعاصر لتركيا.

كراهية عمياء
كراهية مصر أوغلو العمياء لأتاتورك جعلته يذهب ويعرب عن تمنيه لو حققت اليونان الانتصار الساحق على أتاتورك خلال حرب الاستقلال التي خاضها الأخير لطرد اليونان من الأناضول، برر مصر أوغلو أمنيته هذه بالحديث صراحة عن أن هزيمة أتاتورك كانت ستمنع سقوط الخلافة العثمانية ولا كانت ستدمر الشريعة أو تغلق المدارس الإسلامية أو يعدم العلماء!.

وعلى حسابه الرسمي على موقع تويتر كتب مصر أوغلو تغريدة بتاريخ 31 أغسطس 2017، بعد يوم واحد من "عيد النصر" الذي يحتفل فيها الأتراك بالنصر على اليونانيين في 30 أغسطس من كل عام، منتقداً محبي أتاتورك قائلاً: "لا يحضرن جنازتي أي أحد من محبي أتاتورك".

إسقاط الجنسية
تشدّق مصر أوغلو دوما بأنه مواطن عثماني ولا يدين بأي ولاء للجمهورية التركية، ردت حكومة الرئيس كنعان أفرن، بإصدار قرار بإسقاط الجنسية عن مصر أوغلو نهاية سبعينيات القرن الماضي، لذا غادر البلاد العام 1980، وتجول بين بريطانيا وألمانيا لـ 11 عاما، ليعود إلى تركيا العام 1991، بعدما أسقطت الحكومة التركية أمر ملاحقته.

خلال هذه السنوات واصل مصر أوغلو إصدار الكتب التي تعيد كتابة التاريخ وفقا لتوجهات العثمانيين الجدد، فكتابه "السلطان المظلوم عبد الحميد الثاني" واضح من عنوانه، إذ تحول إلى دفاع صريح عن كل جرائم وخطايا السلطان الأحمر، الذي استبد بالحكم واضطهد العرب والأكراد والأرمن، وفي كتابه "الفظائع اليونانية"، حاول قلب الحقائق وشيطنة اليونان التي اعتبرها باستمرار مستعمرة عثمانية لابد وأن تخضع مجددا للاحتلال التركي.

عبّر مصر أوغلو عن مطامع العثمانيين الجدد في البلاد العربية عبر كتابه "مسألة الموصل وأتراك العراق" ليردد مزاعم بأحقية أنقرة في ضم الموصل وشمال العراق إلى تركيا، وهي نفس المزاعم التي يتبناها رجب إردوغان حاليا، ويستخدمها للتدخل في الشمال السوري والعراقي.

وترأس وقف "العثمانيين للعلم والعرفان"، وقدم برنامجا عبر موقعه الشخصي وحضر لقاءات مع القنوات الفضائية المختلفة في تركيا تناول فيها مواضيع التاريخ العثماني من وجهة نظر العثمانيين الجدد، فكان محل احتفاء من قبِل نجم الدين أربكان ورجب إردوغان 

 

تشويه صلاح الدين
أحقاد مصر أوغلو وصلت إلى تشويه أي دور حضاري وتاريخي للأكراد، لذا لم يفوت فرصة الهجوم على السلطان الناصر صلاح الدين الأيوبي، لا لشيء إلا لأنه كردي، فنشر مقالا في العام 2015، يتحدث فيه عن صلاح الدين الأيوبي موضحا أنه تربى على يد أستاذه نور الدين زنكي الذي بات سدا منيعا أمام الصليبيين، مشيرا إلى أن أستاذه نور الدين أرسله إلى مصر من أجل تنفيذ مهمة موكلة إليه، إلا أنه تصرف وفقا لأهوائه بعد 6 أشهر وقرر إسقاط الدولة الفاطمية وتأسيس دولته الأيوبية، في خيانة لسيده التركي.

وزعم مصر أوغلو أن صلاح الدين "الكردي" ارتكب خيانة ضد نور الدين "التركي"، وعقد مقارنة بينه وبين مصطفى كمال أتاتورك مؤسس الدولة التركية الحديثة، مشيرا إلى أن أتاتورك أيضا أرسلته الدولة العثمانية لتنفيذ مهمة مسندة إليه في منطقة الأناضول لكنه قرر إسقاطها وبناء الجمهورية التركية الحالية.

وأضاف مصر أوغلو أن صلاح الدين الأيوبي لم يكتفِ بتأسيس دولته الأيوبية فقط، ولكنه أسقط دولة نور الدين زنكي أيضا بعد وفاته، ثم استخدم عبارات بذيئة لوصفه قائلا: "صلاح الدين تزوج من زوجة معلمه نور الدين زنكي بعد وفاته.. لعنة الله عليك يا أيوبي! تزوجت من المرأة التي ربتك وعلمتك، يا حيوان"، على حد قوله.

وادعى مصر أوغلو أن صلاح الدين الأيوبي عقد اتفاقا مع الصليبيين و"باع" الدولة السلجوقية، ووهب منطقة الأناضول لهم شريطة أن لا يمسوه بسوء، وتابع قائلا: "صلاح الدين الأيوبي لا قيمة ولا وزن له عندي، إن الغرب كان يمدحه كثيرا لتصرفه وتعامله الجيد مع الصليبيين، غير أن المصادر الإسلامية القديمة لا تحتوي على أي مدح أو ذكر حسن في حق صلاح الدين الأيوبي”، على حد زعمه.

كما زعم مصرأوغلو أن صلاح الدين الأيوبي استغل دماء المسلمين من أجل إقامة دولته الخاصة، مؤكدا أن هذا يكفي لوصف الأيوبي بـ "الملعون". 

أراجوز السلطان
فتح إردوغان لمصر أوغلو، أبواب قناته "إيه خبر" على مصراعيها ليقوم بالدعاية لصالحه وصالح قيادات حزب العدالة والتنمية الحاكم، كما أنه من الضيوف الخواص للمآدب التي يقيمها رجب في القصر الجمهوري، بعدما وصف مصر أوغلو بـ "أستاذه".

لم تخل هذه المآدب من سب وقذف مصطفى كمال أتاتورك الأمر الذي دائما ما يثير غضب المعارضة ضد إردوغان لاستضافته المتكررة لعدو أتاتورك، لذا لم يجد إردوغان أفضل من زيارة مصر أوغلو في المشفى عقب إصابته بمرض الكلى نوفمبر 2018، كوسيلة لمكايدة خصومه، الطريف أن موكب إردوغان أغلق الطرق المؤدية إلى المشفى لأكثر من ساعة الأمر الذي أثار غضب سكان المنطقة، وفق صحيفة "جمهورييت".

مصر أوغلو لم يكتفِ بطرح أفكاره في الكتب، بل طالب صراحة من حكومة إردوغان بالعمل للحيلولة دون وصول حزب الشعب الجمهوري (الذي أسسه أتاتورك) إلى السلطة مجددا، مطالبا بتغيير المناهج في تركيا، لتكون متوافقة مع مبادئ العثمانية الجديدة.

وأدلى مصر أوغلو بتصريحات مثيرة للغاية قبيل الانتخابات الرئاسية في عام 2014، خلال مشاركته في برنامج "Deşifre"، على قناة "الخبر" للتعليق على العملية الانتخابية حيث قال: "إن المسلمين مفروض عليهم أن يصوّتوا لصالح إردوغان، حيث إن القواعد الإسلامية تتطلب ذلك، حتى وإن كانت ادعاءات الفساد والرشوة صحيحة، الإيمان يأمرنا بذلك، والإسلام يأمرنا بذلك، لا مفر من ذلك"، وأضاف: "سأختار المؤمن الذي لديه بضعة عيوب، بدلا من أن أختار أيا من أحزاب المعارضة غير المؤمنة المليئة بالعيوب".

توفي مصر أوغلو في 6 مايو 2019 وانطلقت جنازته من مسجد تشامليجا الجديد، بحضور ومشاركة رئيس البرلمان التركي مصطفى شنطوب، ووزير المالية بيرات آلبيراق (صهر إردوغان)، ونائب رئيس حزب العدالة والتنمية نعمان كورتولموش، ولفيف واسع من المسؤولين في الدولة التركية وحزب العدالة والتنمية، فيما نعى إردوغان في تغريدة عبر حسابه الرسمي على "تويتر"، أستاذه واصفاً إياه بالمؤرخ المهم.

أحزاب المعارضة التركية انتقدت المشاركة الواسعة لموظفي الدولة وممثلي حزب العدالة والتنمية في جنازة "عدو أتاتورك"، وانتقدت بعض المظاهر المرافقة للجنازة خاصة بعض العبارات المسيئة لأتاتورك، خصوصا أن مصر أوغلو يعتبر في نظر الكثيرين خائنا لمبادئ الجمهورية التركية، التي يفترض أن يمثلها "العدالة والتنمية" ويحرص على حماية مبادئها.

 

 

 

 

Qatalah