يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


لأنها وردة العرب، وكنانة سهام السماء، وخزانة الذهب الذي فاض على القرى والمدن البائسة، من الشام إلى المغرب، وقت أن كانت جامعة علوم الأمة وحافظة كلمتها المقدسة، حين انطلقت جيوش الفلاحين تقهر الأعداء، مهما تنوعت الرايات وأسماء القادة ووجوه الغزاة.. حشد العثمانيون نيران حقدهم وقذفوها دفعة واحدة  بكل ما أوتوا من قوة.
بعد ساعات من إحراق جيوش العثمانلية حقول مصر وقراها، اشتعلت نار أخرى في هذا القلب.. قلب العرب.. بنار الثورة والغضب، لتحصد أول ما حصدت رأس الخائن خاير بك الذي خان بلاده بتسليم المحتلين سلطان مصر، لينطلق الأتراك المهووسون بالانتقام في يوميات تعذيب وقمع لم يشهد لها التاريخ مثيلا، من الإسكندرية إلى الفيوم والصعيد وقرى الشرقية المقاومة، فضلا عن شوارع المحروسة وأزقتها.
إحراق قلب الوطن العربي باحتلال مذل، وضعوا فيه أيديهم على خيرات البلاد، وسيوفهم على رقاب العباد، داست حوافر خيولهم المساجد، واقتحم جنودهم البيوت، وعلق قادتهم المشانق للأهالي في كل مكان، لجباية ضرائب ما أنزل الله بها من سلطان، ولحصد الأرواح التي تأبى الدفع والاستسلام.
خطف سليم الأول منذ أيامه الأولى على الأرض المباركة الصناع المهرة مع ماسرقه من خيرات، ساقهم إلى قصور الآستانة، ليجرد مصر من قوتها وقوتها، ثم أخضع الشعب لعمليات تعذيب وتجويع، بينما لم يستسلم المصريون للاستبداد، فحولوا شوارع القاهرة في الليل إلى مسارح يسخر فيها الأطفال من السلاطين، وفي النهار إلى ثورة يهتف فيها الشباب ضد ولاة الاحتلال، بينما انطلقت ألسنة العجائز بأمثال وأهازيج شعبية تحارب إرهاب إسطنبول. 
ورغم الحرائق والتجويع والجباية..وسياط الخيالة السباهية والإنكشارية والولاة وأعوانهم المرتزقة من كل مكان في الأرض، وبعد ثلاثة قرون من المقاومة بالشعر والأمثال والسخرية والغناء، تحولت مصر من جديد إلى سهم مسموم انطلق مسرعا ليخرق قلب المحتل التركي الغاصب فيرديه طريدا من بلاد العرب.

أعدموا فيها 10 آلاف مصري.. مذبحة القاهرة
الكلاب الضالة - وحدها- هي من رحبت بسليم الأول عند دخوله القاهرة، فالسلطان الدموي ألقى لها بجثث 10 آلاف مصري قتلهم جنوده وتركوا جثامينهم في الشوارع بعد أن نهبوا بيوتهم وأحرقوا مساجدهم ونشروا الرعب في البلد الآمن على مدار 4 أيام فقط من وصوله إلى المدينة التي صبغها باللون الأحمر ليسير السلطان العثماني على ظهر حصانه الذي ركل بحوافره في طريقه الرؤوس المقطوعة و الأعضاء الآدمية المبتورة.
بهذه البداية المتوحشة في العام 1517 دشن سليم الأول غزو العثمانيين لمصر والذي استمر قرابة الـ400 عام ذاق فيها أهل البلاد على يديه وأيدي الولاة من بعده العبودية والظلم والاستبداد. للمزيد

خاين بك.. جاسوس عثماني قتلته لعنة الفراعنة
منحه السلطان العثماني سليم الأول لقب ملك الأمراء بعد أن تعاون معه ضد بلاده، وسلمه رأس قانصوة الغوري في معركة مرج دابق، وأتى به إلى القاهرة ليشنق طومان باي السلطان الشجاع، ولكنه اشتهر بين المصريين باسم خاين بك، بعد أن اقترف العديد من الجرائم في حقهم، وحصد أرواح آلاف الأبرياء من أبنائهم، وأرسل العمال المهرة إلى إسطنبول، وسجن العلماء وفرض الضرائب الباهظة ليتذوقوا على يديه الذل.
هو خاير بن ملباي المحمودي من المماليك الجراكسة، ولد في بلدة صمصوم ببلاد الكرج بجمهورية جورجيا حاليا، أحضره والده إلى السلطان قايتباي وصار من مماليكه، وفي أيام السلطان قانصوة الغوري أصبح كبير الحجاب ونال لقب أمير، ثم تولى منصب نائب السلطان في حلب واستمر فيه حتى قدوم العثمانيين إلى الشام ومصر سنة 1516. للمزيد

"إذا دخلوا قرية أفسدوها".. الجبرتي يشعل قبور العثمانيين في مصر نارا
لأنها كانت فظائع كبيرة، ساق لها القدر كاتبا كبيرا، ليسجلها بسطور من ألم، ترتجف حروفها شفقة على ما رأى صاحبها بعينيه من مشاهد قيامة المصريين، التي توالت سوداء مظلمة تتابع بين جوع وقتل ونزوح داخل الوطن وعجز عن حماية ابن يختطف ليعمل عبدا، أو ابنة ينتهك عرضها في نهار رمضان، وداخل ساحة مقدسة في المسجد بعد صلاة الظهر. 
كان لها عبد الرحمن الجبرتي بالمرصاد، كما كان لأبطال تلك الجرائم شاهد حي لا يزال يجلد بكلماته ظهور المحتل التركي، الذي يحاول اليوم بكل ما أوتي من قوة أن يبيع للمصريين دم أجدادهم ويهديهم مذابح ودمارا جديدا تحت وهم سلطنة الخلافة. للمزيد

المصريون يزفون الوالي العثماني: "إيش تاخد من تفليسي يا برديسي"
5 ولاة عثمانيين تناوبوا على حكم مصر بعد خروج الحملة الفرنسية، سجل كل منهم بصمته في القمع والسلب والنهب وفرض الضرائب والغرامات وتخريب البيوت وتعذيب الناس، لينتهي الحال إلى الاحتشاد في الشوارع وهم يغنون: "إيش تاخد من تفليسي يا برديسي"، في إشارة إلى عثمان بك البرديسي الذي كان يتولى الأمور المالية في البلاد ففر هاربا ونجح المصريون في النهاية في خلع آخر الولاة خورشيد باشا وتولية محمد علي.
عقب خروج الفرنسيين من مصر جلس على عرشها ولاة لم يستمروا طويلا في الحكم بسبب اعتمادهم في توطيد سلطتهم على الجنود الأتراك الذين تمردوا عليهم، أولهم كان خسرو باشا ومن بعده طاهر باشا الذي تم اغتياله، ثم أحمد باشا، والجائرلي باشا الذي قتل ليصل الحكم في النهاية إلى خورشيد باشا الذي خلعه المصريون ونصبوا محمد علي واليا عليهم. للمزيد

سرقوا التحف وصناعها.. أكبر عملية سطو عثمانية على أسواق مصر
جعل المصريون من القاهرة قبلة لتجار العالم، وصارت حوانيت الصناع والحرفيين مصدر فخر لمن يسعده حظه بزيارتها من الشرق أو الغرب، فقد كانت خزانة مليئة ومعرضا مفتوحا لكل ما هو جميل وثمين ومتقن الصنعة، قبل أن تدوس جماعة من اللصوص على كل ذلك، ويسطون عليه بليل، ويحملونه إلى عاصمة الغزو قبل 500 عام.. إسطنبول.
طوائف الصناع نظمت في العصر المملوكي كل حرفة على حدة، ومنحت لهم امتيازات طورت قدراتهم، وفتحت أبواب التصدير واسعة إلى أوروبا غربا والصين شرقا، ما شجع زيادة الطلب على منتجات أسواق خان الخليلي والمغربلين وسوق السلاح ووكالة بازرعة، التي تناثرت بكثرة في شوارع مصر المحروسة، قبل أن ينهار كل شيء على يد الغزو العثماني الهمجي. للمزيد

في الوسية.. عذاب الفلاح المصري على يد الجلاد العثماني
تعمد العثمانيون إذلال الفلاح المصري والتضييق عليه بشتى الطرق، فطوال 3 قرون حرموا عليه امتلاك شبر واحد من الأراضي الزراعية، فقد احتكر السلطان العثماني ملكية الأرض لنفسه، ثم منح حق الانتفاع لمجموعة من الملتزمين كانوا غالبا من الصفوة التركية التي سكنت مصر، وعلى رأسهم قادة الجيش وحاشية الوالي، وأصبح الملتزم هو السيد والفلاحون هم العبيد.
كان الغرض من نظام الالتزام في مصر توزيع الأراضي على الفلاحين وجباية الأموال المفروضة عليها، والذي تقرر على يد السلطان سليم الأول، وفي ضوء نظام الحيازة الذي وضعه سليمان القانوني ضمن "قانون نامه" أصبح الملتزم المتحكم الفعلي في منطقة التزامه، وبات الفلاح مرتبطا بأرضه لا يمكنه مغادرتها، خاصة أن قانون نامه ألقى مسؤولية بقاء قطعة من الأرض غير مزروعة على كاهل الملتزمين ومشايخ البلد، وكانت جميع القرى ملزمة بدفع ضريبتي المال الميري والفائض ولم يكن هناك قرية معفاة، وعللوا ذلك بأن الميري خاصة بالسلطان بينما الفائض للملتزم. للمزيد

إتاوة "الطُلبة".. قوت الفلاحين المصريين في بطون جنود السلطنة
عقب احتلالهم لمصر لم ينج فلاح واحد من ظلم العثمانيين، أطلقوا عليه فرقة السباهية لتأخذ منه كل ما يستطيع أن يجنيه من أموال، وحين فرغت جيوبه، انتزعوا أبواب وشبابيك بيته، وصادروا ماشيته وأغنامه، ليسود الفقر البلاد وينتشر الظلم في الأقاليم المصرية. 
من خلف الستار تولت الفرق العثمانية الحكم في الأقاليم المصرية، وكان أبرزها السباهية (الخيالة) أكبر الفرق التي سمح لها السلطان سليم ومن بعده ولده سليمان بفرض الضرائب والإتاوات التي أثقلت كاهل الفلاحين وقلبت حياتهم إلى جحيم لم يستطيعوا التخلص منه. للمزيد

السباهية.. الخيالة العثمانية تدوس ظهور أهل مصر
6 آلاف جندي أغلبهم من السباهية (الخيالة) كلفهم السلطان سليم الأول - قبل أن يغادر مصر-  بحفظ الأمن والاستقرار في الأقاليم، لكنهم سرعان ما تركوا واجبهم العسكري وتكالبوا على جمع الأموال عن طريق إتاوات أثقلت كاهل الفلاحين و أجبرتهم على الهجرة من بيوتهم بعد أن صادر الجند كل ما فيها.
لم يحصل جنود السباهية على إقطاعيات مقابل ما يقومون به من خدمات، فقد كانت مصر من الولايات العثمانية التي تخضع لنظام "الساليانه لي"، ما يعني أن الموظفين فيها يتقاضون رواتب نقدية وعينية من الخزانة السلطانية، وقد عرفت المرتبات التي يتقاضاها أفراد السباهية باسم "موجبات العسكر" أو "علوفات". للمزيد

القضاة العثمانيون في مصر.. أكلة أموال اليتامى
بالسخرية تعامل المصريون مع القضاة العثمانيين، الذين أرسلهم السلطان من إسطنبول لإدارة المحاكم في البلاد، والقبض -تحت شعار الشريعة- على رقاب الشعب وأمواله وتحويلها إلى قصور السلطنة الغارقة في النعيم.
أضاع سليم الأول هيبة القاضي الذي أصبح منصبا يباع ويشترى في مزاد علني، وباتت الرشوة تتحكم في الأحكام الصادرة، فمن يدفع تكون له الغلبة في ساحات المحاكم، ومن لا يملك الدراهم يتعرض للظلم، خاصة اليتامى الذين كان القضاة لا يتورعون عن نهب أموالهم، بينما دفعت الرسوم الباهظة على الدعاوى الناس لتدير ظهورها للمحاكم وتدخل في صراعات لا تنتهي. للمزيد

ادفع تتزوج.. "اليسق" إتاوة عثمانية على المصريين تعطل شرع الله
لم يكد الشعب المصري يفيق من صدمة الاحتلال العثماني، بعد أن استخدم العثمانيون الخيانة لاستقطاب خاير بك إلى صفوفهم، حتى اصطدم بابتلاء جديد أوقعه السلطان سليم الأول أثناء وجوده في القاهرة، تمثل في ما عرف بـ"عثمنة القضاء" وفرض مجموعة من التشريعات الوضعية، التي خالفت غالبا أحكام الشريعة الإسلامية، والتضييق على الشعب باسم  القانون الجديد.
ظهرت بوادر محاربة المذهب الشافعي -مذهب أهل مصر- منذ الأيام الأولى للاحتلال العثماني، حين فرض العثمانيون المذهب الحنفي وأغلقوا المحاكم وعزلوا قضاة المذاهب الفقهية الثلاثة الأخرى، وتولى خاير بك تسيير أمور القضاء لحين إرسال القاضي التركي، فعقد اجتماعا بالقلعة للتنكيل بالفقهاء وقضاة المذاهب الثلاثة وأمرهم بالخضوع للقاضي التركي الحنفي، واتبع ذلك بإصدار مرسوم "اليسق العثماني" الذي قضى على حرية ونزاهة المحاكم المصرية، أما العلماء فقد اعتبروه ردة وانحرافا عن أحكام الشريعة، خاصة بعد تعطيل عقود الزواج والمعاملات اليومية وتغليظ العقوبات. للمزيد

"علي الزيبق" المصري.. بطل المقاومة يكشف غباء العثمانيين
بالمكر والحيلة وألعاب الشطار، انتصر المصريون على المحتل العثماني، وبادلوه قهرا بقهر، وبطشا بخديعة وسخرية، فانتقموا منه على طريقتهم، بما جسدوه في سيرة بطلهم الشعبي علي الزيبق، الفقير الظريف ورمز المقاومة الشعبي الذي دوخ أغبياء إسطنبول في شوارع مصر المحروسة بألاعيبه الطريفة.
"ضاق الفقراء والجياع ذرعا بغياب القانون وغيبوبة السلطان وغباوة العسكر وأهل الدولة، بسبب سوء تدبير الحكام وغفلتهم عن مصالح العباد وانهماكهم في الملذات"، هكذا قال المؤرخ المصري عبد الرحمن الجبرتي عن أجواء تلك الفترة، التي ظهر فيها اسم البطل المصري علي الزيبق، الذي تصدر واحدة من الملاحم الشعبية حول فساد السلطة من رأسها في السلطنة، إلى أصغر والي ومحتسب في أقاليم القاهرة. للمزيد

من "خدمة الغز" إلى "رجال الخيبة".. المصريون يفضحون العثمانيين بالأمثال الشعبية
الأمثال الشعبية هي أكثر من مواقف وطرائف تلخص مواقف الحياة الساذجة أو تحفظ حكمة الأجداد من الانقراض، فقد تستخدم كأسلحة فتاكة توجه إلى صدور أعداء الوطن أحيانا، وهكذا أشهرها المصريون في وجوه المحتل العثماني، حتى حولوا سيرتهم المشينة إلى ما يشبه جثة عفنة جرى تكفينها في كلمات حادة لاذعة شجاعة قبل دفنها للأبد.
ارتبط الحكم العثماني في الذاكرة العربية بالفساد والظلم ومشاهد الدم ودخان البارود، وإزاء حالة اليأس التي عاشها المصريون استخدموا السخرية والتهكم من الحاكم وحاشيته كنوع من الانتقام، وانتشر عدد ضخم من الأمثال الساخرة، كان لكل منها قصة شيقة. للمزيد

Qatalah