يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


"الخيانة يا مسلمين".. بهذه الجملة صرخ السلطان المصري قنصوه الغوري، عندما انسحب جنود خاير بك، من المواجهة مع الجيش العثماني الذي كان قادمًا ليحتلّ مصر. وهي الجملة التي اختارها الصحافي والكاتب المصري الساخر، محمود السعدني، عنوانًا لأحد فصول كتابه المهم "مصر من تاني".
لمؤلفات السعدني قدرة فائقة على انتزاع الضحكات من القراء، والتسرية على أنفسهم، بجانب توعيتهم بالقضايا الكبرى لوطنهم في أسلوب خلاب يمزج آراء صاحبه الجادة في السياسة والثقافة بالهزل الخفيف، ويترك أثرا عميقا في النفوس. 
كتاب "مصر من تاني" واحد من أهم أعمال السعدني، أرخ فيه للوطنية المصرية منذ فتح العرب لمصر وحتى ثمانينيات القرن الماضي. ومن خلال عرض شائق يعكس اطلاعا واعيا من صاحبه على عيون التراث التاريخي المصري، اعتبر السعدني أن الوطنية المصرية إنما انبثقت من قرون المحنة التي عاشتها في ظلال الحكم العثماني. 
محمود السعدني خصص فصلين كاملين من الكتاب للحديث عن أوضاع مصر في العصر العثماني. ولأنه لم يكن يهدف لكتابة عرض مفصل لتاريخ مصر، وإنما تعقبا لمسارات الحركة الوطنية، فإن الفصلين المتعلقين بمصر العثمانية جاءا ذوي طبيعة انتقائية، لم يركز فيهما السعدني سوى على حدثين كبيرين: الأول هو غزو سليم لمصر العام 1517. والثاني السنوات المضطربة بالغة الصعوبة، التي عانتها القاهرة أواخر القرن الـ 18 الميلادي، ومهدت لقدوم الحملة الفرنسية. 
جثة مصر فوق باب زويلة
الفصل الأول عنوانه "الخيانة يا مسلمين" ويتناول أحداث الغزو العثماني للمحروسة، ويركز تحديدا على دور الخيانة في إنجاح ذلك الغزو. 
السعدني يبدأ فصله بالحديث عن الفساد الذي ضرب المماليك في أواخر دولتهم قائلا: "ويا ألف حسرة على مصر الحبيبة وصلت في عهد قانصوة الغوري إلى قمة الغنى وغاية السفه. وفي أقصى الشمال لمملكة قانصوة الغوري. كانت هناك عيون ترقب التفاحة التي فسدت وتوشك على السقوط. كان قد ولي الحكم في دولة الروم شاب طموح هو السلطان سليم شاه الأول. وقد زحف بجيوشه الفتية نحو حلب. فلما سمع سلطان مصر نبأ الغزو العثماني نفخ في النفير. وخرج في جيش كبير يضم الألوف من الفلاحين والبدو والمماليك". 
اللقاء العسكري بين الفريقين والذي تم في مرج دابق شمال الشام في صالح المماليك في بدايته حتى "هم عساكر الروم بالهرب. ولكن فجأة انهزم خاير بك دون سبب وهرب بعساكره من المعركة. فالتف عسكر العثمانلي حول جيش السلطان قنصوة. وكان خاير بك على اتصال بالسلطان سليم، وقد ولاه إقليم مصر بعد ذلك وسماه العامة خاين بك. وعنما أيقن السلطان الغوري من الهزيمة، هتف في حنق شديد: الخيانة يا مسلمين". 
غير أن هزيمة مرج دابق لم تكن النهاية "فإن القاهرة لم تزل صامدة لم تستسلم.. فقد اختار المماليك طومان باي الثاني سلطانا على مصر، وحددوا مهمته: (وقف زحف ابن عثمان والقضاء عليه)". 
 
والسعدني يدلي بدلوه في أسباب هزيمة المماليك مرة أخرى في مصر أمام عسكر العثمانلي فيقول "ولكن مصر كانت قد سقطت قبل ذلك، أسقطها المماليك أنفسهم وقتلوا روحها، ولم يستطع طومان باي أن يصنع شيئا أكثر من أنه دخل عدة معارك رهيبة عند قليوب وفي الريدانية وفي بر إنبابة، ولكن الهزيمة لحقت بجيشه في النهاية. ودخل سليم الأول مدينة القاهرة وأباحها لجنوده. وظلت في شوارعها جثث عشرة آلاف قتيل من أهلها لم يتيسر دفنها، ودخلت مصر في غيبوبة طويلة". 
عن المصير المحزن لطومان باي، كتب السعدني: "هرب لدى بعض العربان، فسلموه للسلطان سليم شاه. وعندما التقى الرجلان ظل السلطان طومان باي رافع الرأس مصرا على أنه سلطان مصر ولا أحد سواه. وكان جزاؤه الشنق على باب زويلة.. ولكن التي تدلت من الحبل لم تكن جثة طومان باي، ولكنها كانت في الحقيقة جثة مصر". 
جثة مصر التي وفقا للسعدني "ماتت قرونا طويلة قبل أن يكتب لها البعث من جديد". وهو يقصد القرون الثلاث التي سقطت فيها مصر تحت أيدي العثمانيين. والبعث الذي يسميه إنما يشير إلى قدوم الحملة الفرنسية نهاية القرن الثامن عشر ثم نهضة محمد محمد علي باشا. 
 
سرداب التاريخ 
محمود السعدني يضع خطوطا عريضة لملامح مصر في العصر العثماني فيقول: "جاء السلطان ودخلت مصر في سرداب التاريخ، وتحولت من سلطنة إلى ولاية، وخيم عليها الظلام وأصابها الضمور". 
"إذا كان السلطان العثمانلي قد قطع رأس سلطان المماليك، فقد أبقى على المماليك أنفسهم، ولم يلبث هؤلاء أن تزيوا بزي العثمانلي ورطنوا بلسانه، واشتغلوا تحت رايته"، يكمل السعدني، مشيرا إلى أن هؤلاء المماليك "لم يمض وقت طويل حتى هبوا من جديد يناصبون السلطان العداء ويخرجون على طاعته. وكان السلطان في أغلب الأحيان يبعث بتجريدة لتأديب العصاة، فيفر هؤلاء إلى جهات الصعيد والوجه البحري ويقيمون دويلات صغيرة وحكومات مستقلة، وسيلقى الفلاحون العنت والإرهاق وسيذوقون الأمرّين، وسيضطرون إلى دفع الضرائب مرتين. مرة للحكومة المركزية ومرة للحكومة المتمردة على سلطة الدولة. وستشهد مصر هجراتٍ داخلية تتشتت منها العائلات، هربا من جور الحكام وعسف المماليك. وسيتحول الأزهر وإلى فترة طويلة من الزمان من بؤرة للثورة إلى وكر للجريمة".
 
موت دمويّ على خازوق
وعن العقوبات الوحشية التي أدخلها العثمانيون إلى مصر يقول السعدني "وستعرف مصر نوعا من أنواع القتل لم يكن لها به عهد من قبل، هو الموت على الخازوق. وكان لدى العثمانيين جلادون مهرة يعرفون كيف يدقون الخازوق في بطن الرجل من دبره إلى فمه دون أن يخترق مكانا قاتلا بحيث يبقى المخزوق جالسا على الخازوق عدة أيام وهو بين الحياة والموت يعاني أشد أنواع العذاب دون أن تمتد له يد بكوب ماء أو كسرة خبز أو حتى كلمة طيبة". 
 
الوجود العثماني كذلك أفرز سيولة أمنية تسببت في تشجيع الأعراب على مهاجمة القاهرة. يقول "وقويت شوكة قبائل العرب الرحل في العهد العثماني وبرزت على الساحة المصرية كقوة سياسية يعمل لها ألف حساب. وأصبحت من الجرأة بحيث كانت لا تتردد في الهجوم على العاصمة نفسها أو قطع طريق القوافل أو نهب بعثة الحج. واشتهر من هؤلاء أبو الشوارب شيخ عرب شلقان". 
 
شعلة مصر المقدسة
حول اضطراب نظام الحكم العثماني في مصر يقول السعدني: "وكان السلطان العثمانلي إذا رغب في إغلاق ملف مصر سلمها للمماليك يحكمونها باسمه شرط أن يدفعوا الخراج المطلوب والجزية المتفق عليها. وفي هذه الفترات كانت مصر تعاني الإفلاس وتصل إلى حافة الخراب. لأن كانت مصر تعاني الإفلاس وتصل إلى حافة الخراب، لأن العثمانلي كان يطلب مبلغا كبيرا، وكان المماليك يفرضون ضعف المبلغ المطلوب، ليعطوا السلطان وليأخذوا لأنفسهم". 
السعدني يقدم النتائج العريضة لتلك السياسة بقوله "ستشهد مصر مجاعات متتالية. وسيحصدها الطاعون أكثر من مرة. وسينهبها العثمانلي والمملوك وقبائل البدو وعساكر الانكشارية. وسيتفشى فيها الحشيش واللواط. وستغري حتى ملك النوبة بالهجوم عليها.. وستنطفئ شعلة مصر المقدسة وستخمد نارها". 
ولن يكون الأمر قاصرا على الانحطاط السياسي والاجتماعي فحسب بل سيمتد بطبيعة الحال إلى الانحطاط الثقافي. يقول السعدني "ولن تجد في مصر طوال العهد العثمانلي أديبا له وزن. وسيصبح الأدب مهنة الجزارين والبقالين والزياتين والخياطين. وستسمع عن الأديب الجزار والأديب الزيات والأديب الخياط. وسيقول أحد هؤلاء حكمة عندما سألوه، وكان يعمل جزارا ثم هجر الجزارة واشتغل بالأدب. سألوه عن الفرق بين الجزارة والأدب فأجاب ساخرا: عندما كنت جزارا كانت تمشي ورائي الكلاب. وعندما أصبحت أديبا صرت أمشي وراء الكلاب". 
 
طبول الثورة
أما ثاني الفصول المتعلقة بمصر العثمانية فيحمل عنوان "طبول الثورة". وفيه انتقى محمد السعدني وبذكاء ظاهر أحداث من عدة سنوات سبقت وصول الحملة الفرنسية على مصر، اتسمت كلها بالاضطراب البالغ والفوضى العارمة. وهو بعد أن ينقل تلك الأحداث من رواية الجبرتي ينتهي إلى النقطة التي أرادها منذ البدء والمتعلقة بنشوء الهوية الوطنية المصرية من رحم ذلك العبث. 
السعدني يبدأ فصله من عهد الوالي "عابدي باشا" والذي "يوم توليه أرعدت السماء وأمطرت مطرا غزيرا وكسفت الشمس، وتشاءم الناس، وكانوا على حق. فبعد توليه بأيام، زحف أمراء الصعيد من المماليك إلى بني سويف، فصعد المشايخ وعلى رأسهم الشيخ العروسي إلى الباشا وكلموه في ذلك، فأرسل مكتوبا إلى الأمراء القبالي (إنكم طلبتم الصلح مرارا، أجبناكم إلى ما طلبتم وأعطيناكم ما سألتم، ثم بلغنا أنكم رجعتم وزحفتهم إلى بني سويف، فما عرفنا أي شئ عن هذه الحال". 
"ومر أسبوع على خطاب الباشا إلى أمراء الصعيد، ثم تلقى الرد إن كان صلحا فليكن كاملا ونقعد معكم بالبلد عند عيالنا، ونصير كلنا إخوة، وإن لم ترضوا بذلك فلتستعدوا للنزال". 
ولما تباطأ الرد بين الباشا والأمراء حصل في القاهرة "وقف حال وضيق في المعاش. وانقطاع للطرق وعدم أمن ووقوف العربان، ومنع السبل وتعطيل الأسباب وحسر في الأسفار برا وبحرا".
 
خراب القاهرة
وبعد حالة هدوء أرسل عابدي باشا فجأة "في طلب عرب الهنادي وعرب البحيرة فحضروا بجمعهم وانتشروا في الجهة الغربية من رشيد إلى الجيزة ينهبون البلاد ويأكلون الزرع ويضربون المراكب في البحر ويقتلون الناس. حتى قتلوا في يوم واحد في النجيلة ثلاثمائة إنسان. ورجف الناس وغلقوا أبواب البيوت على عيالهم وأصبح الرجل لا يأمن على الخروج من باب النصر ولم يتوقف زحف العربان، فنهبوا أسواق إمبابة وعروا التجار واستولوا على ما معهم من نقود وبضائع".
ثم "تدهورت الأحوال أكثر. وازدادت القاهرة خرابا حين وقعت الواقعة في بولاق بين بعض المغاربة والعساكر القليونجية. وسبب ذلك أن المغاربة نهوا العساكر عن شرب الخمر نهارا جهارا في رمضان فرمي عليهم العسكر بالبارود، فنط المغاربة خلفهم في المراكب واشتبكوا معهم. ومسكوا من مسكوه، وذبحوا من ذبحوه ورموهم في البحر. وقطعوا أحبال المراكب ورموا بصورايها. وحصلت ضجة في بولاق تلك الليلة وأغلقوا الدكاكين".
 
وقد أعقب تلك الواقعة بقليل انتهاء كابوس عابدي باشا "وتولى منصب الوالي إسماعيل كتخدا حسن باشا فعقد هدنة مع أمراء الصعيد. وتنازل لهم عن حكم الصعيد من منفلوط إلى أسوان. واستقر إبراهيم بك في منفلوط وعمر فيها دارا. وصعد مراد بك إلى الصعيد الأعلى".
هذه الهدنة بين الوالي والمماليك كانت وبالا على المصريين "فقد تفرغ الوالي لحلب مصر بكل طريق وأي طريق. ووجه على الناس قباح المماليك وأغلظ الملتزمين. وراحوا يكبسون بيوت الناس وبأيديهم البنادق، ويسمعونهم قبيح القول، ويتعرضون للنساء". 
 
رضا السلطان.. سلعة
وقد كان الوالي الجديد حريصا على مراضاة السلطان العثماني كي يبقى أكثر مدة ممكنة في مصر، ويكون قادرا على نهبها. يقول السعدني "جمع عشرات الصناع المهرة وعكف على صنع عدة سروج للسلطان بعبايات مزركشة. واشترى كثيرا من الأواني والقدور الصيني وملأها بأنواع الشربات المصنوع من السكر المكرر، كشراب البنفسج والورد والحماض والصندل المطيب بالمسك والعنبر وماء الورد، والمربات الهندية مثل مربة القرنفل ومربة جوز الهند والبسباسة والزنجبيل".
إسماعيل باشا أرسل ذلك كله إلى السلطان "مع الخزينة ومعها عدة خيول من الجياد وأقمشة هندية وعود وعنبر وظرائف وكميات من الأرز واللبن، وماء الورد المكرر وغير ذلك. ولم يسبق لأحد فيما تقدم من أمراء مصر أن أرسل مثل ذلك ولم نسمع به ولم نره في تاريخ".
 
عند هذه النقطة يصل السعدني إلى مراده من العرض المتواصل لكل تلك المظاهر الجنونية. فيقول "ولكن في عهد هذا الباشا العاكف على استرضاء السلطان بالعنبر وماء الورد وقعت حادثة فريدة. سيكون لها أثر بليغ في المستقبل، وإن كانت لم تلفت نظر الباشا ولا المماليك ومروا عليها جميعا مرور الكرام". 
يتابع: "فقد حدث أن تعددت المظالم في القاهرة على يد ناظر الحسبة أحمد أغا الذي تعدى على أهل الحسينية. وألقى القبض على عدد منهم وكبس بيوت الحي ونهبها. ثم أرسل أعوانه للقبض على أحمد سالم الجزالا شيخ البيومية فثار الناس على أتباع الأغا وحضروا إلى الجامع الأزهر ومعهم طبول وقفلوا أبواب الجامع وأبطلوا الدروس. وأرسلوا عريضة للباشا يطلبون فيها عزل الأغا ولكن الباشا رفض طلب الثائرين وهددهم بأقسى العقاب".
 
ولكن ذلك لم يردعهم "وازدادت ثورتهم. وكثرت جموعهم وهددوا بالزحف إلى القلعة. وصار أحمد أغا يركب بجماعة من الأرناؤوط ويشق القاهرة ليغيظ العامة. ولكن الأحوال توترت أكثر وانضم الألوف إلى الثوار. وتوقفت الحال في القاهرة تماما. وبدأ الناس يشترون السلاح. ومشوا طوائف يأمرون التجار بإغلاق الدكاكين. واحتلوا مداخل القاهرة، وأغلقوا أبوابها الكبرى، واستمرت الحال على هذا المنوال مدة أسبوع كامل توقفت فيه حركة البيع والشراء، وقل المعروض من الخبز في الأسواق، فلم يجد الباشا بدا من عزل الأغا، وجاء الأغا الجديد بنفسه إلى الجامع الأزهر واسترضى الثائرين ووعدهم بإصلاح الحال". 
هكذا هدأت الفتنة أخيرا في القاهرة، ولكنها "خلفت في الساحة قوة جديدة لم يكن لها حساب من قبل وسيكون لها ألف حساب في المستقبل. قوة هي صاحبة المصلحة الأولى والأخيرة، وهي صاحبة الأرض والبلاد، قوة اسمها الشعب". ذلك الشعب نفسه الذي سيفرض إرادته مرة أخرى أوائل القرن التاسع عشر وسيأتي بمحمد علي باشا إلى سرير الولاية في قلعة الجبل. وسيكون ذلك الاختيار المولد الحقيقي لمصر الحديثة. 
 
محمود السعدني
هو رائد الأدب العربي الساخر في النصف الثاني من القرن العشرين بلا منافس. ولد في 20 نوفمبر من العام 1928، وتوفي في 4 مايو من العام 2010. تولى رئاسة التحرير في مجلة صباح الخير خلال الستينيات. واعتقل في عصر الرئيس المصري الأسبق محمد أنور السادات مع مثقفين وصحافيين آخرين بتهمة التآمر لقلب نظام الحكم. 
له عشرات الكتب والمقالات، أهمها على الإطلاق سيرته الذاتية البديعة "مذكرات الولد الشقي" في خمس أجزاء. 

المصادر :


Qatalah