يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


قبل نحو ربع قرن، وقف شاب طموحٌ أمام حشدٍ من جمهور مدينة إسطنبول، محاولا إقناعهم بانتخابه رئيسًا لبلديتها، رفع يده أمامهم، مؤكدا أن خاتم الزفاف الذي يحيط بإصبعه، هو ثروته الوحيدة في الدنيا. مرت السنوات، وصار الشاب الطموح رئيسًا لتركيا بأكملها، وصارت ثورته وعائلته حديث الصحف ووسائل الإعلام العالمية، فقد تجاوزت المليارات من الدولارات.

هذا الشاب هو رجب إردوغان، أما عائلته التي تتكدس البنوك بأرصدتها، فمنها ابنه بلال، وابنته سمية، وزوجته، وأبناء خؤولته، وعمومته، وأصهاره، ومنهم أيضا، شقيقه مصطفى، والذي يحيط نفسه بدائرة من السرية والتعتيم، لإخفاء إمبراطورية كاملة من الشركات والعقارات تتمركز في مدينة إسطنبول.

مصطفى إردوغان شقيق الرئيس التركي، ولد في عام 1985، وحصل على شهادة الثانوية، ثم لم يكمل تعليمه بسبب أوضاع عائلته الاقتصادية؛ فعمل فني "خراطة" لفترة طويلة، بعدها ومع صعود شقيقه إردوغان إلى رئاسة بلدية إسطنبول انتقل للعمل على متن السفن التابعة لشركة رجل الأعمال الإسرائيلي "سامي أوفير"، في مجال اللحام والإصلاح والخراطة.

امبراطور كرة القدم
اعتبارًا من 1994 اختفى مصطفى إردوغان تمامًا عن الأضواء، فيما نشر موقع "Odatv" تقريرًا عنه في أغسطس 2013، ذكر فيه أنه أسس شركة "Time" للإلكترونيات، والتي أصبحت الوكيل الحصري داخل تركيا لمنتجات شركة "Q&Q" اليابانية الشهيرة.

Odatv كشف عن أن مصطفى إردوغان تحول فجأة إلى أحد أباطرة أندية كرة القدم التركية، بعد أن كان طفلًا يلعب كرة القدم في شوارع حي قاسم باشا في إسطنبول، مشيرًا إلى أنه بفضل حكومة حزب العدالة والتنمية التي يتزعمها شقيقه رجب إردوغان، تمكن من شغل منصب نائب رئيس "بلدية سبور" التابعة لبلدية إسطنبول الكبرى.

مصطفى إردوغان أصبح متحكمًا في كرة القدم في تركيا من خلف الستار، وكان أبرز الوقائع التي تورط فيها هي إجبار اتحاد كرة القدم التركي على تعيين "عبد الله أفجي" مدربًا فنيًا لمنتخب البلاد أقل من 17 عامًا، بالرغم من عدم وجود خبرات له على المستوى الدولي، لافتًا إلى أنه ذهب ضمن وفد اتحاد كرة القدم لمشاهدة مباراة الفريق في مباراته في دولة بيرو.

كما ظهر مرة أخرى، في المقصورة الرئيسية التي ضمت وفد اتحاد كرة القدم التركي، خلال مباراة المنتخب الأول لكرة القدم أمام نظيره الروسي، التي جمعتهما على ملعب "فيتش" الأولمبي في مدينة سوتشي الروسية، بالرغم من عدم شغله أي منصب رسمي في الاتحاد.

متورط في فضيحة الفساد
لم يثر مصطفى إردوغان الجدل بالصعود السريع وغير المبرر سواء في عالم الرياضة بمساعدة حكومة حزب العدالة والتنمية، أو من تحوله من فني "خراطة" إلى صاحب شركة كبيرة في قلب إسطنبول، صاحبة التوكيل الحصري لأكبر ماركات الساعات اليابانية وأشهرها عالميًا؛ فقد كان قليل الظهور في وسائل الإعلام، ويفرض على نفسه عزلة ربما بأوامر من شقيقه الذي يخشى من كشف اللثام عن بيزنس العائلة.

الأنظار اتجهت نحو مصطفى إردوغان، في أعقاب كشف فضائح الفساد والرشوة، في 17-25 ديسمبر 2013، حيث ذكر اسم مصطفى ضمن أقارب رئيس الوزراء السابق ورئيس الجمهورية الحالي إردوغان، المتورطين في وقائع الفساد المفضوحة، دون أن يذكر الإعلام أي معلومات عن دوره في عمليات الفساد، بسبب قرار النيابة بحظر النشر أو تداول أي معلومات حول هذه الوقائع.

في 10 أبريل 2006 أسس مصطفى إردوغان وضياء إيلجان وأحمد بوراك نجل رجب إردوغان، شركة "Turkuaz" للملاحة البحرية والتجارة، برأس مال 1 مليون ليرة تركية. وفي  19 يناير 2007، اشترى بوراك إردوغان سفينتين للشحن الأولى تحمل اسم سافران بقيمة 2 مليون و350 ألف دولار أمريكي، والثانية تحمل اسم سقاريا بقيمة 10 ملايين و500 ألف دولار أمريكي. وفي أبريل 2006، قامت الشركة بتغيير اسمها إلى "Bumerz"، مع رفع رأسمالها إلى 2 مليون ليرة تركية، بالإضافة إلى إيداع أحمد بوراك إردوغان 250 ألف ليرة أخرى في رأس مال الشركة.

حينها ظهرت تسريبات حول أعمال مصطفى وشراكاته السرية؛ ففي 24 مايو 2013 أسس بلال أردوغان شركته "BMZ" للملاحة البحرية والإنشاءات، برأس مال بلغ مليون ليرة تركية، وكان بين المساهمين الرئيسيين في الشركة زوج عمته ضياء إلجان، وعمه مصطفى إردوغان، وصديق والده رجل الأعمال محمد جور.

بيزنس بحريّ.. غامض
ثم أعلنت الشركة، أبريل 2014، عن عملية شراء سفينة شحن جديدة تحمل اسم "بايناز"، بقيمة 15 مليون دولار أمريكي. وفي فبراير 2015، أعلنت الشركة شراء ناقلة نهرية تحمل اسم M/T SHOVKET ALEKPEROVA بقيمة 18 مليون دولار أمريكي.

وبحسب الصحف ووسائل الإعلام التركية، فقد تم بيع الشركة إلى شركة "OSCAR" للغاز الطبيعي والبترول التابعة للحكومة الأذربيجانية، في الفترة بين عاملي 2014-2015 مقابل 100 مليون دولار أمريكي.

وبحسب جريدة "سوزجو" التركية في تقرير عن ممتلكات وثروات إردوغان، فقد باع رجب جميع حصصه في الشركات الثلاثة (أمنيت للمواد الغذائية، وإحسان للمواد الغذائية، ويني دوغان للمواد الغذائية) التابعة لمجموعة "أوكار" القابضة للمواد الغذائية في 2005، بعدما تولى منصب رئاسة الوزراء. ولكن المفاجئة أنه بائعها إلى شقيقه مصطفى مقابل 1.2 تريليون ليرة (1.2 مليون ليرة تركية حسب قيمة العملة آنذاك). ليصبح مصطفى إردوغان وضياء إيلجان لهما 30% من أسهم الشركات. بعد ذلك باع مصطفى إردوغان الحصص مقابل 3 ملايين ليرة تركية.

تقرير جريدة "سوزجو" ذكر أن مصطفى إردوغان يقيم في فيلا تقع على مساحة 1727 متر مربع في منطقة أوسكودار في الشطر الأسيوي من إسطنبول، وأن ارتباطه بضياء إيلجان توطد من خلال شراكة بينهما في شركة "توزلا تانك" للنقل البحري، يمتلك فيها النصيب الأكبر من الأسهم.

ملايين حقيقية لشركات وهمية
مصطفى شقيق إردوغان عاد اسمه للأضواء، عندما فضح رئيس حزب الشعب الجمهوري كمال كيليتشدار أوغلو وجود تحويلات سرية من عائلة أردوغان، بمبالغ ضخمة إلى شركات وهمية في جزيرة "مان" للتهرب من الضرائب. 

كليتشدار أوغلو قدم إيصالات تحويل لأفراد أسرة أردوغان وأقاربه، من بينهم مصطفى إردوغان، تبلغ قيمتها نحو 15 مليون دولار إلى شركة تدعى Bellway في جزيرة مان وذلك أثناء كلمته في اجتماع نواب الحزب في 28 نوفمبر 2017.

وبحسب القائمة والإيصالات البنكية التي كشف عنها كيليتشدار أوغلو، فقد أرسل مصطفى إردوغان 2.5 مليون دولار أمريكي بتاريخ: 15 ديسمبر 2011؛ وأرسل 1.25 مليون دولار أيضًا بتاريخ: 26 ديسمبر 2011، بإجمالي 3.75 مليون دولار أمريكي.

كما ضمت القائمة تحويلات لزوج شقيقة إردوغان رجل الأعمال ضياء إيلجان بقيمة 3.75 مليون دولار أمريكي، وتحويلات لبوراك نجل إردوغان بقيمة 3.75 مليون دولار أمريكي، أيضًا. 

في ديسمبر 2013، نشر موقع "أكشي" التركية خبرًا عن وجود مقطع فيديو فاضح لمصطفى إردوغان، إلا أنه لم يخرج إلى الإعلام لنفي الخبر، وفرضت حالة من التعتيم الإعلامي على الخبر.

إلى أن نشر موقع "OdaTv" الإخباري التركي خبرًا نقله عن مجلة "دير شبيجيل" الألمانية، يوضح فيه أن أحد المتهمين بالتجسس في ألمانيا لصالح حكومة إردوغان، كان يتحدث في مكالمة هاتفية عن مقطع فيديو فاضح لمصطفى إردوغان، زاعمًا أن حركة غولن ستستخدمه من أجل مساومة إردوغان.

Qatalah