يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


الصدر الأعظم، أعلى منصب تحت السلطان العثمانلي، كانت لديه سلطات مطلقة، لذلك يختاره السلطان بنفسه من أقرب المقربين الذين يأتمنهم على أمور وشؤون دولته، وبما أن الدولة العثمانلية قامت على بيع المناصب، فقد كان "الوزير الأعظم" هو حامل مفاتيح الفساد بداية من السلطان حتى أصغر موظفي القصر.

كرسي الصدارة اعتلاه المرتشون والمنحلون والخصيان وكان أغلبهم ألعوبة بيد حريم القصور الملكية.

قره مصطفى باشا الذي تولى المنصب عام 1676 اشتهر بأمرين الأول عشقه للجواري وشرائه لهن حتى بلغ عددهن 150 جارية ومن أجل الإنفاق عليهن باع المناصب وأخذ الرشاوى حتى من سفراء الدول.

الأمر الثاني خسائره الحربية الفادحة وعلى رأسها الهزيمة النكراء على أسوار فيينا التي تسببت في مقتل 20 ألف جندي عثمانلي، رأس قره باشا كان ثمن الهزيمة  الذي قدمه السلطان محمد الرابع إلى الشعب لامتصاص غضبه. 

جواري وخصيان
الكفاءة لم تكن ضمن معايير شغل الوظائف في الهرم الإداري العثمانلي إنما العلاقة الشخصية بالسلطان ورضا حريم القصر كانت الوسيلة المضمونة لتسلق قمة الهرم.
السلطان محمد الرابع (1648-1693) الذي عين قره باشا في منصب الصدر الأعظم يقدم مثالا على الخلل الجوهري في بنية الدولة العثمانيلة، فعند جلوسه على العرش لم يكن عمره يتعدى 7 سنوات.
قره باشا ينتسب إلى أسرة كوبريلي التي اشتهر منها محمد باشا وابنه فاضل أحمد كصدور عظام طغاة سفاكين للدماء وحازمين في الإدارة.

مصطفى الأسود كان اللقب الذي اشتهر به وكان شخصا مغرورا متعجرفا واتبع أسلوبا في معيشته مليئا بالتفاخر والتباهي.
عشِق النساء والاستمتاع بالملذات ملكت عقل الصدر الأعظم حتى أنفق أموالا طائلة في اقتناء الجواري والخصيان والخدم وبلغ عدد ما يملك من الجواري 150 جارية يقوم على خدمتهن 700 خادم وخصي.
اشتهر مصطفى باشا بالبذخ وحب المظاهر وأحاط نفسه في جولاته بموكب كبير من الجياد والحرس تشبها بالسلطان، عندما كان يذهب إلى قصر السلطان كان يحيط به موكب كبير من الجياد وكلاب الصيد والصقور.

راتب مصطفى باشا كصدر أعظم أو دخله من أي أملاك لم تكن كافية للإنفاق على حياة البذخ أو تلبية مطالب جواريه فلجأ إلى العادة العثمانلية الشائعة وهي التربح من المنصب.
باع المناصب على كافة أنواعها وربط تجديد الامتيازات التجارية بالرشاوى وتقاضى الأموال من القناصل والسفراء، وضع تسعيرة على المثول بين يدي السلطان. 
كراهية الأجانب الشديدة جعلته ينزل بالسفراء والتجار الأجانب الإهانات والغرامات الثقيلة متذرعا بأبسط حادث لخلق مصاعب لهم.

أوهام العظمة
أحلام الشهرة راودت مصطفى باشا فقرر أن يتشبه بالسلاطين الغزاة خاصة أنه كان يتميز بالتعصب ضد المسيحيين، على مسامع السفراء الأوروبيين كرر مصطفى باشا تهديد السلطان بايزيد الأول -1361م- بأنه سيدخل بجواده إلى كنيسة القديس بطرس في روما وأنه سيستولى على فيينا ثم يواصل السير إلى الراين لمقاتلة الملك لويس الرابع عشر.
مغامرات عسكرية فاشلة قام بها الصدر الأعظم على أمل أن يجلب لاسمه الفخار العسكري لكن عصر القوة العثمانلية كان قد ولى من قبله بعقود وبدأ عصر الانهيار.
أولى الهزائم كانت على يد روسيا القيصرية نتج عنها فقدان السلطنة لأملاكها في أوكرانيا وخسارة أعداد كبيرة من الجند وعتاد كثير.

مصطفى باشا عقد صلح "رادزين" عام 1681 مع الروس لإنهاء الحرب تنازل فيه عن جميع مطالبهم في أوكرانيا وبذلك أصبحت حدود الطرفين متماسة بعد سقوط أوكرانيا كمانع أمام الروس.
القيصر حصل على حق حماية الكنيسة الأرثوذكسية في القدس وحق إنشاء بطريركية أرثوذكسية في موسكو معترف بها من العثمانيين بجانب بطريرك القسطنطينية.
قره باشا لم يهتم كثيرا بخسائره المهينة أمام الروس لأن طموحاته في التوسع والغزو كانت تتجه إلى منطقة أخرى وهي قلب أوروبا حيث صمم على الاستيلاء على مدينة فيينا كما حاول السلطان سليمان القانوني من قبل عام 1529 وفشل.

لعنة فيينا
أسوار فيينا وشجاعة حاميتها كانت اللعنة التي حلت على الغزو العثمانلي لأوروبا وصارت المدينة العقبة التي لا يمكن لجيش عثمانلي تجاوزها، مصطفى باشا رأس الفساد والمثال الكاشف للتخبط والانحلال الذي ضرب جسد سلطنة آل عثمان أصابته لعنة فيينا.
فيينا ظلت حلما عثمانيا بدخول أعظم مدن أوروبا وعاصمة الخصم اللدود آل الهابسبورج، الفرصة جاءت مصطفى باشا للهجوم على فيينا حين شبت نار الثورة في المجر من جانب البروتستانت الساخطين على ضغوط الكاثوليك الهابسبورج وقاد الثورة الكونت إمريك تكلي.

الثوار البروتستانت هزموا قوات الإمبراطور الكاثوليكي ورفضوا قبول الهدنة ونكاية في الإمبراطور طلبوا مساعدة غريمه السلطان العثمانلي الذي وافق على مساعدة الكونت إمريك تلكي شريطة أن يكون ملكا على غرب المجر تحت السيادة العثمانلية.
مبعوث النمسا إلى الآستانة طلب تجديد معاهدة فاسفار التي تنص على عدم التعدي لكن الصدر الأعظم قره مصطفى باشا رفض التجديد لتعارضه مع أطماعه ووضع العقبات أمام النمسا حين طلب استعادة قلعة جيور ودفع المبالغ التي تكلفها الاستعداد للحرب.

الحرب كانت هدف قره باشا لا الصلح، الأوامر صدرت بالاستعداد للرحيل إلى أدرن وضم الجيش العثمانلي قوة كبيرة من المهندسين ورجال المدفعية ووحدات الصيانة وفرق تتار القرم والفرسان غير النظاميين بجانب القوات الأساسية.
في النمسا استعد الإمبراطور ليوبولد لرد عدوان العثمانيين وعين الدوق شارل حاكم اللورين الشهير بالمهارة العسكرية قائدا عسكريا على المدينة.
السلطان محمد الرابع سار على رأس الجيش حتى بلجراد ثم سلم القيادة إلى الصدر الأعظم وبقي في المدينة.

القوات المجرية بقيادة الدوق تكلي انضمت إلى الجيش العثمانلي عند مدينة "إشك" وهنا تكررت أحداث التاريخ عندما كان الملك زابوليا حليفا لسليمان القانوني وهو الأمر الذي يضرب المزاعم التي تُروج عن "حصار فيينا" كنصر وإنجاز للمسلمين فالأمر لم يتعد قتال ملوك وإمبراطوريات مثل التي شهدتها أوروبا طوال عهدها حتى الأمس القريب مع توظيف للحماسة الدينية.
مدينة بودا عاصمة المجر كانت في قبضة العثمانيين ومنها إلى فيينا كانت هناك نقاط حصينة تحمي العاصمة كان من الواجب السيطرة عليها أولا لكن الصدر الأعظم الأهوج تجاهل نصائح قادته العسكريين وصمم على إحراز نصر سريع يجلب المجد إلى اسمه.

إعدام قره باشا
وصل قره باشا إلى أسوار فيينا وضرب حولها الحصار وبدافع من الطمع والشره لم يرغب في هجوم سريع على المدينة حتى لا يحصل الجند على الغنائم بالنهب وإنما فضل استسلام المدينة حتى يحصل على الغنائم كلها لنفسه باسم السلطان.
مظاهر الأبهة والعظمة كانت تصحب الصدر الأعظم في غزوته فنصب لنفسه مجموعة فاخرة من الخيام في وسط المعسكر الكبير الذي حوى 25 ألف خيمة.

معركة الحصار كشفت تجاوز أوروبا للعثمانيين عسكريا في التكتيك والأسلحة والاستراتيجيات، انتهى الحصار بكارثة حلت على رأس الصدر الأعظم فقد خسر 10 آلاف في هجوم النجدة العسكرية التي جاءت لإنقاذ فيينا بقيادة ملك بولندا وخسر 7 آلاف جندي غرقا في نهر الدانوب.
قره باشا فر من المعسكر وتبعه من بقي حيا من جيشه وغنم النمساويون المدافع والأسلحة ومقتنيات الصدر الأعظم الفارهة من مجوهرات وأحجار كريمة وسجاد وفِراء وكميات كبيرة من البن كانت السبب في إقامة أول مقهى في فيينا.

المهزوم قره باشا ألقى باللوم على إبراهيم باشا حاكم مدينة بودا وأمر بإعدامه مع مجموعة من الضباط. 
القوات النمساوية وحلفاؤها تتبعوا الهاربين الأتراك وهاجموا الممتلكات العثمانلية في المجر ودخلوا مدينة جران. السلطان هرب إلى أدرنة بمجرد بلوغه خبر الهزيمة وحين شعر بالأمان في قصره البعيد بعث جلاده الخاص بفرمان بقطع رقبة مصطفى قره باشا.
قره باشا كان كبش الفداء الذي رمى به السلطان إلى الجموع الثائرة من الشعب والإنكشارية.

المصادر :


Qatalah