يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


2 نوفمبر 2018 مطار إسطنبول هو المشكلة

لم يكن عامة الأتراك ليسمعوا عن إنشاء مطار إسطنبول على الإطلاق، لولا احتجاجات العمال على ظروف العمل الخطيرة ورد الحكومة القاسي على مطالبهم. 
يمكنكم أن تقرؤوا عن تفاصيل عملية المناقصات والحقائق الفنية والعبء المالي الهائل الذي سيضعه على كاهل دافعي الضرائب الأتراك، وكل عمليات التحايل الأخرى التي وردت في قصة هيئة الإذاعة البريطانية (بي.بي.سي) الاستقصائية التي نشرت على ثلاثة أجزاء على موقعها الإلكتروني الناطق بالتركية:
لكنني أود طرح نقطة أخرى. فهذا المشروع العملاق الذي ينطوي على البذخ وإهدار المال لم يُناقش على الملأ خلال أي مرحلة من مراحل إنشائه. بالضبط على غرار المئات من مشروعات البنية التحتية والإنشاء الأخرى في تركيا. 
الكثيرون في المجتمع التركي مستعدون لتصديق سياسة التنمية الحكومية - التي من المفترض أن باقي العالم يغار منها- التي تقوم على مشروعات بنية تحتية لا يتوقف بناؤها، واستخراج الوقود الحفري ونمط الاستهلاك الهائل المتزايد. اليساريون واليمينيون والليبراليون والاشتراكيون والمتدينون والملحدون والعمال والموظفون، الغالبية العظمى من المجتمع التركي يدعمون سياسات التنمية الحكومية المتهورة التي يحركها النمو. 
قلة قليلة فقط تشعر بالقلق بشأن الأضرار التي تخلفها تلك السياسات الباهظة وغير المستدامة والتي لا كابح لها وتفتقر إلى الشفافية. ولا تأبه بهذا أيضا الشركات الأوروبية الكبرى المطالبة بالالتزام بقوانين العمل وقواعد البيئة في أوروبا. تلك الشركات تصطف للفوز بعطاءات المشروعات الكبرى التي تطرحها الحكومة التركية. حصلت تيسن كروب على أكبر عقد لها حتى الآن لتوريد جسور صعود ونزول الركاب والذي شمل 143 وحدة لمطار إسطنبول، بينما وقعت (دي.إتش.إل) اتفاقا لاستخدام المطار الجديد كمركز لوجيستي وتقوم سيمنس بتوفير المعدات لمرفأ الشحن بالمطار الجديد. هذا على سبيل المثال لا الحصر. 
لا يلاحظ العامة سوى الآثار التدميرية لتلك السياسات، الداعمة للنمو بأي ثمن، على حياة البشر إلا عندما تسبب حوادث وفاة جماعية مثلما حدث عندما قتل 301 عامل مناجم في سوما في 2014، فيما كانت أسوأ كارثة تعدين في تركيا. 
يجعلنا ضعف تركيزنا وأنظمة إنفاذ القانون والقضاء المحطمة لدينا، فضلا عن صخب وضجيج الحياة اليومية عموما، كل هذا يجعلنا ننسى ما حدث بالأمس. أنا على ثقة تامة من أن نفس الشيء سيحدث مرة أخرى. لن نتمكن من العثور على المقاولين المسؤولين عن مقتل عمال خلال إنشاء المطار الجديد. 
وباستثناء عدد قليل من النشطاء المدافعين عن البيئة، لا أحد يهتم بشأن تدمير الحياة الطبيعية أثناء الإنشاء. المشروع مصدر ربح لليمين السياسي، وهو يمثل علاقات الانتاج بالنسبة لليسار السياسي. كلاهما يريد النمو والتنمية بأي ثمن. وجه الاختلاف الوحيد بينهما هو حساسية اليسار تجاه حقوق العمال، ولكن نظرا لأن غالبية العمال العظمى من مؤيدي حزب العدالة والتنمية (أو على الأقل يتظاهرون بذلك للحصول على وظائف في تلك المشروعات الحكومية الضخمة)، فهذا يصب في مصلحة النقابات والمتحدثين السياسيين باسم هؤلاء العمال. 
عندما كنت طالبا، أمضيت بعض الوقت برفقة الشيوعيين الفرنسيين. خلال أحد الاجتماعات حول دعم العمال في منشأة شهيرة لإنتاج السلاح، قلت لزملائي إننا نتجاهل حقيقة أنه بقدر مشروعية إضراب النقابة، ففي نهاية المطاف ينتج العمال منتجا لتدمير الناس. أتذكرهم وهم يتمتمون بعبارات حول قدسية علاقات الانتاج. كان ذلك آخر اجتماع حضرته. ومن بين المؤمنين بقدسية علاقات الانتاج، الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي قال في الآونة الأخيرة إنه ليست لدى فرنسا أي نية لوقف مبيعات السلاح للسعودية لتواصل قتل اليمنيين. أنا على يقين تام من أن العاملين في مصانع السلاح تلك "حساسون" لسبب وجود مصنعهم. 
وفي الآونة الأخيرة، لاحظت ازدراء في عيني عامل أعطاه نشطاء مدافعون عن البيئة منشورا عن مشروع آخر أسيئت فيه التقديرات، وهو مشروع إنشاء نفق في ساحة تقسيم في إسطنبول. ومجرد تناول الطعام على الطاولة يبدد المخاوف البيئية في كل مرة. فبرغم كل حديثه المناهض للإمبريالية، ينشغل المجتمع التركي بتقليد النموذج الذي تبناه وفرضه الغرب، بل وينجح في أن يكون أسوأ النماذج المقلدة.  
بعد تدمير علاقاتها الطبيعية والاجتماعية، تنبهت الدول الغربية قليلا وبدأت في حمايتها، لكن القادمين الجدد من البلدان النامية يرفضون دائما دفع هذا الثمن "الغالي" على أمل اللحاق بنظرائهم الغربيين عاجلا وليس آجلا. غير أنهم لا يدركون أن الثمن الحقيقي لهذه الرغبة الجامحة في النمو غير المستدام هو مستقبل أطفالهم.  كل طرف في علاقة الانتاج هذه غير مدرك لهذه الحقيقة. فعمال المطار، على سبيل المثال، الذين كانوا أنفسهم ضحايا لظروف العمل المخيفة تلك شاركوا طواعية في تدمير الغابات شمالي إسطنبول التي تم التضحية بها من أجل هذا المطار المروع. 
دعوني أعيد التأكيد على بضع نقاط أخرى للتذكير بمدى خطأ وخطورة مشروع المطار.
أولا وقبل كل شيء، فإن أكبر مطار في العالم هو مذبحة لغابات شمال إسطنبول، حيث أن 7800 من بين 9200 هكتار تم تخصيصها للمطار كانت موطنا لنظام بيئي يضم حيوانات وطيور تعيش وسط غابات أشجار التنوب والبلوط والزان والعرعر والصفصاف والحور الجميلة. الآن تغطي الخرسانة تلك الأرض. وتضررت المناطق المجاورة أيضا. وظلت جمعية مراقبة الطيور في إسطنبول تذكر السياسيين بأن المنطقة تقع على طريق الهجرة لمئات الآلاف من الطيور، وطيور أخرى كثيرة تقضي الشتاء قرب بحيرة تيركوس القريبة ومستنقعات أخرى بالجوار.  أشاروا أيضا إلى أنه بالإضافة إلى تدمير المستنقعات، فإن هناك احتمالا كبيرا بدخول الطيور محركات الطائرات. ولم يهتم أحد. لم يخضع المشروع لتقييم للأثر البيئي ومن ثم لا يعلم أحد ما الآثار التي ستحدث. هذا هو الجانب الجنائي في حق البيئة الخاص بالمشروع. 
وتتوقع مجموعة (ليماك-كولين-جنكيز-مابا-كايلون) المشتركة التي فازت بالمناقصة أن إنشاء المطار سيكتمل على ثلاثة مراحل. في المرحلة الأولى التي ستكتمل في 2019، ستبلغ الطاقة الاستيعابية للمطار 90 مليون راكب سنويا. ومع إضافة مدارج أخرى في المرحلة الثانية، ستصل طاقة المطار إلى 120 راكب سنويا. وفي المرحلة الثالية تتوقع المجموعة زيادة طاقة المطار إلى 150 مليون راكب سنويا. والآن فقد رفعت الحكومة الرقم النهائي إلى 200 مليون راكب سنويا. ولم لا؟ لكن أي شخص على دراية بقواعد الحساب الأساسية بوسعه أن يرى أن هذا المشروع غير مجد ماليا وسوف يتكبد خسائر فادحة لعقود قادمة. وسوف ينتهي الأمر بأن يدفع الشعب التركي الفاتورة لأن المطار يُبنى بنظام البناء والتشغيل ونقل الملكية الذي يضمن عددا محددا من الركاب سنويا. هذا هو جانب الفشل المالي من المشروع. 
ويستقبل مطار هارتسفيلد جاكسون أتلانتا الدولي، وهو الأكثر ازدحاما في العالم، 95 مليون راكب سنويا ويغطي مساحة تبلغ 1900 هكتار. وحتى إذا بلغ مطار إسطنبول هدفه البالغ 150 مليون راكب سنويا، فمنطقيا ستكون مساحة 3500 هكتار أكبر من اللازم. لا توجد حاجة إلى 5700 هكتار من بين 9200 هكتار تم تخصيصها لهذا المشروع. وفي الوقت الحالي، يعمل مطار أتاتورك في إسطنبول على مساحة 1178 هكتارا ويتعامل مع 45 مليون راكب سنويا. ومطار هيثرو في لندن، وهو مطار كبير آخر، به مدرجان فقط ويتساءل كثير من الخبراء، لماذا يحتاج مطار إسطنبول ستة مدارج. هذا هو جانب جنون العظمة في المشروع.

نقلا عن موقع "أحوال"

Qatalah