يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


وثنية وإباحية وعبادات شاذة، هذا ما كان عليه الأتراك الذين لم يخرجوا من البداوة إلى المدنية إلا حينما اهتدى بعضهم للإسلام، فكانوا سبب انتكاسة حضارته فيما بعد، بما ورثوه عن أسلافهم البدائين، حتى استحقوا وصف ابن فضلان بأنهم "الحمير الضالة".
الرحالة العربي وثق عادات الأتراك وحياتهم، عندما زار وسط آسيا قبل ألف عام، فيما لم يتخلص الأتراك وأحفادهم السلاجقة والعثمانيون من ذلك الموروث المخزي، رغم مرور تلك السنوات، فأنت تقرأ ما كتبه رحالتنا وكأنك تشاهد تركيا اليوم، ولا فرق.

غارات الخزر
عام 921 بعث ملك البلغار ألمش بن يلطوار رسولاً إلى الخليفة العباسي المقتدر، في بغداد، يطلب منه ابتعاث فقهاء يعلمون شعبه الإسلام، فضلا عن مساعدته في بناء حصن عسكري، لصد هجمات الأعداء من مملكة الخزر التركية، التي تدين باليهودية وتعادي الخلافة العباسية.
تحركت الرحلة ورافقها أحمد بن العباس بن راشد بن حماد البغدادي الشهير بابن فضلان، في مهمة ديبلوماسية للتحالف بين البلغار والعباسيين ضد الخزر الترك اليهود المتحالفين مع أبناء عمومتهم الذين ظلوا على وثنيتهم، والذين دأبوا على مهاجمة حدود الدولة الإسلامية في وسط آسيا وارتكاب أعمال تخريب وسلب ونهب للمدن.
مرت الرحلة عبر الأراضي الإيرانية شرقاً، حتى تتجنب المرور بأراضي الخزر الواقعة شمال الموصل وأربيل الممتدة حتى أرمينيا وبعض مناطق تركيا الحالية، واتجهت شمالاً إلى كازاخستان وروسيا الاتحادية الحالية، حتى وصلت إلى منطقة البلغار، ومرت خلال 11 شهراً بأرض قبائل الغز التركية، التي ينتسب إليها السلاجقة والعثمانيون.

الحمير الضالة
ابن فضلان سجل كل ما رأه، ووصف عادات وعقائد وحياة الشعوب التي مر بها ومنها الترك "أفضينا إلى قبيلة من الأتراك يعرفون بالغزية (ينتسب إليها السلاجقة)، وإذا هم بادية، لهم بيوت شعر يحلون ويرحلون، وإذا هم في شقاء، وهم مع ذلك كالحمير الضالة، لا يدينون لله بدين، ولا يرجعون إلى عقل، ولا يعبدون شيئاً، بل يسمون كبراءهم أرباباً، فإذا استشار أحدهم رئيسه في شيء قال له: يارب إيش أعمل في كذا وكذا؟".
هكذا وصف ابن فضلان الدين عند الأتراك الذين رفضوا الدخول في الإسلام، وظلوا على عبادة كبرائهم من دون الله، فقد اعتنقوا منذ البداية الديانة الشامانية الوثنية وظلت راسخة في عقولهم، وتقوم على ممارسات السحر والإيمان بقدرة الكائنات العلوية التي تظهر في مظاهر الطبيعة المختلفة.
ثم سرعان ما اتخذ الأتراك الإسلام ذريعة لنيل احترام بين الأمم المسلمة من حولهم، فيما ظلت روحهم جاهلية، وسجل ذلك ابن فضلان بقوله :"سمعت بعضهم يقولون لا إله إلا الله محمد رسول الله، تقرباً إلى من يمر بهم من المسلمين، لا اعتقادا لذلك"، وعلى نفس المنوال سار أحفادهم من السلاجقة والعثمانيين، فقد استغلوا الإسلام لخداع الشعوب العربية من أجل الاستحواذ على أرضها وممتلكاتها.

ملوك بلا عهد
ملوك الترك لا عهد لهم، وكل ما يشغلهم السلطة، وحكى الرحالة العربي قصة الملك ينال الصغير مع الإسلام قائلا :"أول من لقينا من ملوكهم ورؤسائهم ينال الصغير وكان قد أسلم، فقيل له إن أسلمت لم تعد رئيسنا، فرجع عن إسلامه".
اجتمعت بعثة الخليفة العباسي مع أحد ملوك الغز وكان يلقب بـ"يبغو"، ثم نزلت لاحقاً على قائد جيشه أترك بن القطغان، ورغم أنها قدمت الهدايا الثمينة، إلا أنه لم يسمح لها بالعبور إلى الشمال.
اجتمع ابن القطغان مع قادته طرخان وينال وايلغز للتباحث حول مصير رسل العرب، هل يتركهم يعبرون أم لا؟
اقترح طرخان قتلهم، قائلا :"هذا شيء ما رأيناه قط ولا سمعنا به ولا اجتاز بنا رسول سلطان مذ كنا نحن وأباؤنا وما أظن إلا أنه (الخليفة) قد أعمل الحيلة ووجه هؤلاء إلى الخزر لتجييشهم علينا، والوجه أن يُقطع الرسل إلى نصفين ونأخذ ما معهم".
كان موقف القائد التركي من بعثة الخليفة المقتدر، يعبر عن جهل بالعلاقات الدولية، إذ لم يدرك أن العباسيين في حرب ضد الخزر، لكنها الطبيعة التركية الوحشية وحب سفك الدماء والاندفاع بلا روية.
قائد تركي آخر قال: "لا بل نأخذ ما معهم ونتركهم عراة يرجعون من حيث جاءوا"، واختلف الثالث وكان رأيه "لنا عند ملك الخزر أسرى، فنبعث بهؤلاء نفدي بهم أولئك".
كاد الهلاك أو الاستعباد أن يكون مصير المشاركين في البعثة على يد ملوك الترك الذين ظلوا سبعة أيام يتداولون في شأنها، ثم تركوها نهاية المطاف.

عبادة شاذة
كانت عبادة الأعضاء التناسلية شائعة بين قبائل الأتراك، وقد عبدت قبائل الباشغرد فرج المرأة، "كل واحد منهم ينحت خشبة على قدر الإحليل (الفرج)، ويعلقها فإذا أراد سفرا أو لقاء عدو قبّلها وسجد لها قائلا :"يارب افعل بي كذا وكذا".. فقلت للترجمان سل بعضهم ما حجتهم في هذا ولم جعلوه ربهم؟ قال أحدهم: لأني خرجت من مثله فلست أعرف خالقاً غيره" حسب ما يروي ابن فضلان.
تعدد الآلهة لدى الأتراك لفت نظر رحالتنا "كان بعضهم يزعم أن له اثنى عشر ربا، وكانت طائفة تعبد الحيات، وأخرى السمك، وثالثة الكراكي، وبرروا عبادتهم بأنهم كانوا يحاربون أعداءهم وكادوا ينهزمون، ثم صاحت الكراكي وراء العدو ففزع واستغل الترك الأمر وأعادوا الهجوم وانتصروا. وقالوا: هذا ربنا وهذه فعاله فينا".

غرامة الاغتسال
لم يكن الترك يحبون النظافة الشخصية، وسجل صاحب الرحلة فظائعهم في القذارة، منها أنهم لا يستنجون من غائط ولا بول، ولا يغتسلون من جنابة ولا غير ذلك، و"ليس بينهم وبين الماء عمل خاصة في الشتاء"، بل كانوا يفرضون غرامات على التجار الأجانب إذا ضبطوهم يغتسلون.
ومن العادات الغربية التي لاحظها أنهم "يأكلون القمل، يقرض أحدهم القمل بأسنانه، وكان معنا منهم واحد قد أسلم، وكان يخدمنا، فرأيته وجد قملة في ثوبه، فقصعها بظفره ثم لحسها فلما رأني قال: طعمه جيد".
وكان الترك لا ينزعون ملابسهم الداخلية عن أجسادهم حتى تبلى، وحين قدم ابن فضلان خُلعة (ثوبا رسميا كهدية من الخليفة) لأحد ملوكهم خلع ثوبه الفاخر ليرتديها، وظهر ثوبه الداخلي قذراً ممزقاً.

إباحية جنسية
لم تكن المرأة عند قبائل الترك تستتر عن الرجال ولا عن الأجانب، وكذلك لا تستر شيئا من بدنها عن الناس.
كانت المرأة تكشف أعضاءها التناسلية أمام الغرباء، فيما الرجال يمارسون الجنس على مرأى من الناس كالبهائم، "ليس يصل الواحد إلى امرأته حتى يوفي الصداق الذي قد وافق وليها عليه، فإذا وفّاه إياه جاء غير محتشم حتى يدخل إلى المنزل الذي هي فيه، فيأخذها بحضرة أبيها وأمها وإخوتها فلا يمنعونه من ذلك، وإذا مات الرجل وله زوجة وأولاد، تزوج الابن الأكبر بامرأة أبيه، إذا لم تكن أمه".

الغدر بالمسلمين
لم يكن أحد من المسلمين بقادر على أن يجتاز بلاد الأتراك، حتى يجعل من أحدهم صديقا يحمل له ثوبا، ولامرأته شيئا من فلفل وزبيب وجوز.
يسجل ابن فضلان عادة غريبة لدى الترك في تعاملهم مع المسلمين في ذلك الوقت "إذا زار تركي بلاد المسلمين وأقام عند شخص ومات بشكل طبيعي، فإن قبيلته لم تكن تقبل بالقدر، بل كانوا يحملون الذي استضافه ذنب موته وينتظرون إذا اجتازت قافلة فيها هذا الشخص فيقومون بقتله، وقالوا: أنت قتلته بحبسك إياه، ولو لم تحبسه لما مات. فإن لم يكن في القافلة عمدوا إلى أعظم من فيها فقتلوه".

شوارب التيس
لاحظ ابن فضلان أن الترك ينتفون لحاهم ويتركون شواربهم، ويتركون أحياناً جزءاً من الذقن تحت الشارب، حتى صاروا يشبهون التيوس "ربما رأيت الشيخ الهرم وقد نتف لحيته، وترك شيئاً منها تحت ذقنه، فإذا رأه إنسان من بُعدٍ لم يشك أنه تيس". 
لم يعرف الأتراك الإنسانية والتكافل، فقد كانوا إذا مرض الرجل الثري يضربون له خيمة فلا يزال فيها إلى أن يموت أو يشفى، أما الفقراء والعبيد فقد كان مصيرهم الرمي في الصحراء وتركهم يلاقون حتفهم بالموت، فلم يكن الترك يعرفون طبا ولا دواء.

المصادر :


Qatalah