يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


مخالفًا كل السياسات والنظريات الاقتصادية العالمية، وآخذا بيد بلاده إلى انهيار وراء انهيار، يواصل رجب إردوغان ادعاءاته "العنترية" بتصريحات لا تتسق مع الواقع، معتبرا أن خفض أسعار الفائدة سيساعد على إصلاح اقتصاد بلاده المنهار على يديه، بينما تتسبب قراراته في كوارث أدخلت تركيا في دوامة لن تستطيع الخروج منها في القريب العاجل.

إردوغان، ادعى في كلمة له اليوم الجمعة، أن قرار تخفيض أسعار الفائدة بنسبة 4.25% له نتائج إيجابية، وأنه الأفضل للاقتصاد التركي، رغم معارضة العديد من الخبراء والمؤسسات الاقتصاد العريقة حول العالم لهذا الأمر، متوعدًا بالاستمرار في خفض الفائدة وإصدار قرارات أخرى مشابهة مستقبلا.
أضاف خلال خطابه في اجتماع رؤساء المدن: "لقد خفض البنك المركزي أسعار الفائدة بالأمس، ماذا حدث؟ هل أفلسنا؟ لا تعتبر الأسواق هذا الوضع طبيعي جدًا. خفض سعر الفائدة غير كافٍ، يجب أن يستمر تدريجيًا حتى نهاية العام، ينخفض التضخم كلما انخفضت أسعار الفائدة، أري أن قرار البنك المركزي نقطة تحول حيوية، وسنرى أن التضخم بدأ في الانخفاض بسرعة". 
البنك المركزي التركي، قرر أمس الخميس خفض أسعار الفائدة 425 نقطة أساسية، لتصبح 19.75%، بعدما كانت 24%، في أكبر انخفاض في أسعار الفائدة تشهده البلاد منذ 17 عاماً، وبعد أسابيع من إقالة محافظ البنك السابق مراد تشتين قايا، الذي رفض الانصياع لضغوط الرئيس رجب إردوغان.
خبراء الاقتصاد وأسواق المال، كانوا يتوقعون أن يكون خفض الفائدة، بنحو بمقدار 250 نقطة.

بيان صادر عن البنك المركزي، أمس الخميس، أوضح :"أن لجنة السياسة النقدية قررت خفض فائدة شراء الريبو، التي يُقدر استحقاقها أسبوع واحد من 24% إلى 19.75%"، البيان حاول التغلب على المخاوف جراء القرار، وأضاف :"التوقعات تشير إلى أن معدلات التضخم يمكن أن تظل أقل من المقدار المتوقع فى تقرير التضخم الخاص بشهر أبريل، اعتبارًا من نهاية العام، وأنه تم إصدار قرار خفض الفائدة بمقدار 425 نقطة أساسية، مع الأخذ في الاعتبار جميع العناصر التي تؤثر في ظهور التضخم".

بنك تركيا المركزي، كان قد رفع أسعار الفائدة في شهر سبتمبر 2018، إلى 24%، لترتفع إلى 625 نقطة أساس حتى تكون متساوية مع ارتفاع التضخم، بعد أزمة سعر الصرف، التي حدثت في شهر أغسطس من العام الماضي، وظلت هذه النسبة حتى قبل ساعات من اليوم.

مناقض للواقع
تصريحات إردوغان لا تتسق مع الواقع، حيث رصد  موقع جوزلام التركي سعر صرف الليرة التركية مقابل العملات الأجنبية حتى صباح اليوم الجمعة 10:00 بتوقيت تركيا، مؤكدا أن سعر صرف الليرة مقابل الدولار بدأ في الارتفاع فور صدور قرار خفض الفائدة، وأن أول رد فعل لسعر الصرف بعد صدور القرار مباشرة وصول سعر الليرة 5.78 بعدما كانت 5.64.
صحيفة "جمهوريت" التركية، كشفت أيضاً أن الاقتصاد مني بضربات متعددة مهلكة في شهر يوليو الجاري، حيث بعد الانتخابات المحلية التي أُجريت الأحد 31 مارس، أخذ الانتعاش الجزئي الذي ظهر في الاقتصاد في شهر يونيو منعطفًا سلبيًا في يوليو بسبب إقالة رئيس البنك المركزي مراد تشتين قايا في 6 يوليو الجاري، والأنباء عن إصرار إردوغان تخفيض أسعار الفائدة. 
وكشف تقرير" مؤشرات الثقة القطاعية في يوليو 2019" الذي أصدره معهد الإحصاء التركي، عن انخفاض مؤشر الثقة القطاعية بنسبة 2.2% في يوليو، ليتراجع من 85.4 في يونيو إلى 83.5 في يوليو. 
في هذا السياق، تراجعت مؤشرات الطلب على الخدمات بنسبة 1.6% والوضع التجاري بنسبة 2.9% وتوقعات الطلب على الخدمات بنسبة 2.1% علي التوالي.
كما انخفض مؤشر مبيعات تجارة التجزئة، في يوليو بنسبة 3% ليتراجع إلى 90.4. كما انخفضت مؤشرات "حجم مبيعات المنتجات" بنسبة 2.9%، و"مستوى مخزون البضائع الحالية بنسبة 0.9%، و"توقعات حجم مبيعات المنتجات" بنسبة 5.5%. 
فيما سجل مؤشر ثقة قطاع الإنشاءات، ارتفاعًا طفيفًا في يوليو مقارنة بالشهر الماضي، حيث زاد بنسبة 3.8% ليرتفع من 50.4 إلي 52.4. 
وفي هذا السياق ارتفعت أيضاً مؤشرات"المستوى الحالي للطلبات المسجلة" و"توقعات إجمالي عدد العاملين" بنسبة 3.8%. 

عهد جديد
وصف  بيوتر ماتيس، وهو استراتيجي لدى "رابو بنك" ومقيم في لندن  القرار التركي بخفض أسعار الفائدة بأنه "التخفيض الأكبر من المتوقع يمثل حقبة جديدة للبنك المركزي تم تقويض استقلاليته بشدة".
وأضاف "بينما تعافت الليرة بشكل سريع من رد الفعل الأولي غير المحسوب، فإن قرار اليوم بمثابة إشارة واضحة للغاية إلى أن الفروق في أسعار الفائدة ستصبح محدودة بشكل ملحوظ في الأشهر المقبلة، وسوف يؤدي ذلك إلى تعرض العملة لخطر أكبر عندما تتدهور الخلفية الخارجية".
وقال الخبير الاقتصادي في الشرق الأوسط، زياد داود إن "البنك المركزي التركي يسير على حبل مشدود بين الرئيس الذي يتدخل من أجل تغيير أسعار الفائدة وبين الأسواق المالية التي من المرجح أن تُعاقب على التخفيف المفرط، وستعمل السياسة النقدية العالمية الأكثر تساهلًا البنك المركزي التركي على مواصلة تخفيض أسعار الفائدة حتى تنقلب الأسواق ضد العملة".


يتذرع المحافظ الجديد بالكثير من الأسباب لبدء دورة التخفيض هذا الشهر، حيث يستمر الاقتصاد في التعافي البطيء بعد تراجع الركود والإقراض مرة أخرى. وأدى التحول الحذر في السياسة النقدية وتراجع نمو الأسعار على الصعيد العالمي إلى أن يكون لدى تركيا أعلى معدل حقيقي للفائدة في العالم قبل اتخاذ القرار.
وكالة "بلومبيرج" الأمريكية إن هذا القرار يعد الأعنف والأكثر حدة في تاريخ إردوغان فلم يقدم منذ 17 عاما على تخفيض بهذا القدر، كما أن تركيا لم تشهد تخفيضا في الفائدة منذ 2016.
وقال مدير المال في لندن في GAM UK، بول ماكنمارا، الذي يساعد في الإشراف على الأصول البالغ قيمتها 9.4 مليار دولار، "إن الأتراك يلعبون بحجر النرد"،  مؤكدًا "هذه الاستراتيجية محفوفة بالمخاطر للغاية، إنه السيناريو الأسوأ".
"بلومبيرج" قالت: :"يتعرض المحور الحاد نحو سياسة التيسير النقدي لخطر تزايد قلق المستثمرين المتخوفين من التضخم سعياً وراء نظرية إردوغان غير التقليدية التي تعمل على رفع أسعار الفائدة بدلاً من الحد من نمو الأسعار، وتم عزل "مراد تشين كايا" عن منصبه لفشله في العمل، تاركًا أويسال مع تحدي كيفية تخطي المطالب المتضاربة من قبل الرئاسة والأسواق".

Qatalah