يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


تحول الإسلام في وقت مبكر من حكم الدولة العثمانية إلى لعبة، وتحولت أحكام الشريعة إلى ورق قمار يخسرها السلطان يوما بعد يوم في حربه التي لا تهدأ من أجل جمع الذهب وملء خزائن القصر بالأموال للإنفاق على "الحريم" والجنود المتمردين دوما. 

كان سهلا على سلاطين القصر العثماني أن يجدوا بين الشيوخ المقربين من يسهل لهم هذا الطريق، بل ويشاركهم مكاسب هذه اللعبة، حتى صار الربا المحرم في الإسلام بآيات قرآنية وأحاديث ثابتة صحيحة محل جدل، قبل أن يصبح مادة للتعامل بناء على فتوى من شيخ إسلام السلطنة تعلن - للمرة الأولى في تاريخ العالم الإسلامي- أن فوائد القروض البنكية والمعاملات المصرفية مع أوروبا حلال.

تحايل مشايخ السلطنة على النصوص القرآنية، حللوا الربا تحت مسمى "المعاملة الشرعية"، وأفتوا بجواز الفائدة، بشرط ألا تبلغ ضعف القرض، وبنوا موقفهم على تفسير مغلوط للنص القرآني "لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة"، فزعموا أن التحريم مقصور على الربا المضاعف دون غيره، وأجبروا القضاة على توثيق المعاملات الربوية.

تحريف النصوص القرآنية أداة شيوخ الخلافة لتحليل الربا 
بدأ الالتفاف حول النصوص الشرعية المقدسة في مطلع القرن الـ15، ثم تطور إلى التساهل مع التعامل بـ "الفائدة"، الأمر الذي استفاد منه رجال الدين أنفسهم، حيث تربحوا بإقراض أموال "الأوقاف" تحت غطاء شرعي منحه لهم سيل الفتاوى من مشايخ الإسلام،  فظهر ما يعرف تاريخيا بـ"أوقاف النقود"، وهي مؤسسات أنشئت بهدف تشغيل الثروات النقدية للصفوة العثمانية، والتي قدمت قروضا للرعية بفائدة 10% في ظل استغلال حاجة الناس للأموال.

وفي القرن الـ16 استفاد السلطان والوزراء وكبار رجال الدولة من اللعبة التي ضخمت ثرواتهم بعد أن تحولوا إلى مقرضين، وانقلبت الأمور في عصر السلطان سليم الأول الذي تكبد خسائر كبيرة في معارك الشام، ليواجه تهديدات من جنوده الذين تأخرت رواتبهم بمغادرة ساحات القتال، فاضطر إلى اقتراض مبالغ كبيرة من أسر يهودية ثرية بفائدة 10 %.

أما السلطان سليمان القانوني فقد أعلن تبني سياسات اقتصادية تقوم على استثمار رؤوس الأموال لدى الدولة والأفراد عن طريق الربا، مستندا لفتوى من شيخ الإسلام أبو السعود أفندي تقول"بيع الدنانير والدراهم جائز، وهو في زماننا خير من البيوع التي تجري في أسواقنا، وهو مشروع بإجماع فقهاء السلطنة" وهي الفتوى التي نشرها فى كتابه "رسالة في جواز وقف النقود".

 
شهدت مدن الأناضول (قيسارية وكرمان وأماسيا وطرابزون) رواجا كبيرا للربا الذي انتشر بين شرائح المجتمعات الحضرية والريفية، بفائدة وصلت إلى 20 % بالتنسيق بين السلطان والفقهاء، وشهدت بورصة بين القرنين الـ 16 والـ 18 نشاطا ربويا ضخما، بسبب حجم المدينة ونشاطها الكبير بوصفها ملتقى للتجارة العالمية، وقامت مؤسسات أوقاف النقود بمنح القروض لصغار التجار والحرفيين والسكان  بفوائد تتراوح بين 10 و15 %.

أصبح الربا أساس الحياة الاقتصادية للدولة العثمانية، وأخذت تقترض الأموال من دول أوروبية بفوائد كبيرة محددة سلفا، وفتحت البنوك الربوية أبوابها للشعب، وتراجع التحريم وأفتى شيخ الإسلام محمد أمين أفندي في العام 1686 بفتوى شهيرة تمنح المعاملات الربوية قوة أكبر في الدولة وقال :"القضاة مكلفون بتسجيل عقود المرابحة، بشرط تحصيل الرسوم للخزانة السلطانية".

شرط أوروبا لإقراض العثمانيين: الأوراق النقدية مقابل الذهب
أطلق شيوخ الإسلام فتاويهم بتحليل  الربا إرضاء للسلاطين حتى جاء العام 1887 الذي صدر فيه قانون يثبت سعر الفائدة بـ 9 %، لكن الدولة لم تستطع إيقاف الفائدة في البنوك الأوروبية التي استدانت منها 3 قروض بلغت قيمتها 300 مليون جنيه إسترليني بضمان الإيرادات الضريبية من الولايات، ما أغرق البلاد في الفقر نتيجة مضاعفة الضرائب على الرعية لسداد الفوائد.

 
ونتيجة لتضخم الفوائد، اقترضت إسطنبول من الدول الأوروبية أوراقا نقدية دون قيمة حقيقية على أن تقوم بالسداد بعدئذ بأموال من الذهب والفضة، وهي الضريبة التي قضت على أملها في البقاء، بعد أن نفدت خزائنها ونضبت مواردها في محاولة مستميتة لسداد الديون الربوية التي تضاعفت وتضخمت ولم تجد من يستطيع تحجيمها.

Qatalah