يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


6 أكتوبر 2018 ملاحظات من الأزمة التركية

تمر تركيا الآن بأزمة مزدوجة، يتمثل بعدها الأول فى الانهيار الكبير لقيمة الليرة التركية، ويتمثل بعدها الثانى فى تدهور علاقتها بحليفتها الولايات المتحدة، الذى كان له أيضا أثره السلبى على الاقتصاد. ثلاث ملاحظات رئيسية يمكن استنتاجها من هذه الأزمة.

الملاحظة الأولي: تتعلق بالأداء السيئ للرئيس التركى أردوغان فى إدارة هذه الأزمة، والذى اتسم بالعناد والسلطوية، مما دفع الى تضخم كرة الثلج، وبدلا من التعامل مع جذور المشكلة أخذ يتحدث عن أن تركيا تواجه مؤامرة خارجية، وأنه لا توجد قوة فى العالم قادرة على الوقوف أمام شجاعة الشعب التركي، الذى يسير نحو تحقيق أهدافه واضعا الموت نصب عينيه.

وقد دفعت هذه اللهجة الرئيس الأمريكى ترامب الى التشدد هو الآخر فى موقفه، وأعلن أنه لن يتفاوض مع تركيا بشأن الإفراج عن القس الأمريكى أندرو برونسون، وقام بفرض عقوبات اقتصادية على تركيا، وسعى الى إحراج أوردغان أمام شعبه وخاصة تعهده بأن انتخابه كرئيس للبلاد وبصلاحيات واسعة - والذى تم منذ شهور قليلة- سيتيح له السلطة اللازمة لتحسين الأوضاع الاقتصادية، ووعد أردوغان الانتخابى بوضع تركيا ضمن أفضل 10 اقتصادات فى العالم بنهاية فترة رئاسته.

الملاحظة الثانية تتعلق بما يشير له الكثير من المحللين الاقتصاديين إلى أن الأزمة التى تمر بها تركيا ليست وليدة اليوم، بل هى سابقة على فرض العقوبات الاقتصادية الأمريكية عليها، وأن الأحداث الأخيرة لم توجد الأزمة ولكن كشفت الغطاء عن جوانب الضعف فى النموذج الاقتصادى الذى تبناه أردوغان، والذى قام على التوسع الاقتصادى لدعم مكانة حزبه الانتخابية، ولكن جاء تمويل هذا التوسع من خلال الاقتراض من الخارج، وخاصة بواسطة الشركات التركية وليس فقط الدولة، وقامت حكومة أردوغان عام 2009، برفع أى قيود على اقتراض الشركات من الخارج، ووصل حجم ديون هذه الشركات الى 330 مليار دولار، هذه الديون أصبحت فى قلب الأزمة المالية التركية الحالية، وأدى انخفاض قيمة الليرة التركية مقابل الدولار الى مضاعفة قيمة هذه الديون بالعملة المحلية، وتخوف البنوك الأجنبية من عدم قدرة هذه الشركات على السداد، وخاصة أن عوائد نشاطها الداخلى بالليرة و ليس بالدولار أو اليورو. كما اقترضت الحكومة التركية ديونا بعملة أجنبية بلغت 11% من الناتج المحلى الإجمالى لسداد العجز فى الحساب الجارى الذى بلغ 47 مليار دولار عام 2017.

أحد الجوانب الأخرى للأزمة المالية بتركيا تتعلق بتدخل الرئيس أردوغان فى قرارات البنك المركزى التركى ورفضه توصيات صندوق النقد الدولى باستقلالية هذا البنك. و لسنوات طويلة رفض أردوغان رفع سعر الفائدة، وتحدث عن اللوبى المساند لرفع الفائدة باعتباره عدوا للشعب، ولكن الازمة الاقتصادية الحالية اضطرت البنك المركزى الى رفع أسعار الفائدة فى محاولة لدعم العملة التركية، كما أعادت الحكومة فرض معظم القيود المفروضة على قروض العملة الأجنبية التى رفعتها فى عام 2009.

ولكن يشير الخبراء الاقتصاديون الى أن هذه القرارات جاءت متأخرة، وفات الأوان عليها، وكان ينبغى اتخاذها قبل ثلاث سنوات على الأقل.الملاحظة الثالثة تتعلق بموقف الرئيس الأمريكى ترامب من حلفاء الولايات المتحدة، فلم يشفع عضوية تركيا لحلف شمال الأطلنطى من قيام الولايات المتحدة بفرض عقوبات اقتصادية عليها بعد اعتقالها القس برونسون واتهامه بالمساهمة فى تدبير الانقلاب ضد أردوغان فى يوليو 2016، بالتعاون مع رجل الدين التركى فتح الله جولن المقيم بالولايات المتحدة.

وأهمية القس برونسون ترجع الى أنه ينتمى الى الكنيسة الإنجيلية، والتى يمثل أتباعها ركنا رئيسيا فى القاعدة الانتخابية للرئيس الأمريكى ترامب، ومن أجل هؤلاء أيضا اعترف ترامب من قبل بالقدس كعاصمة لإسرائيل بسبب إيمان أنصار هذه الطائفة الإنجيلية بأن هذا الأمر سيسهل عودة المسيح فى نهاية العالم.، أى أن ترامب يتعامل مع العديد من قضايا السياسة الخارجية وعينه بالأساس على قاعدته الشعبية، والتى يحرص على استمرارها طمعا فى إعادة انتخابه كرئيس للولايات المتحدة، ولا يدخل فى حساباته هنا أى اعتبارات إستراتيجية أو أهمية للحلفاء، وهذا النمط واراد التكرار مع حلفاء أخرين. باختصار الأزمة التركية الحالية بشقيها المتعلق بتركيا والولايات المتحدة هى تجسيد لغلبة المنطق السياسى على منطق الرشادة الاقتصادية.

نقلا عن جريدة "الأهرام"

Qatalah