يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


24 نوفمبر 2018 ملفات محبطة فى قمة إسطنبول الرباعية

على تماس من الهموم والتعقيدات التى فرضها اغتيال الكاتب الصحفى السعودى جمال خاشقجى، عقدت فى مدينة إسطنبول التركية قمة سريعة ليوم واحد بين قادة روسيا وألمانيا وفرنسا وتركيا، كان من المقرر لها أن تركز على الأزمة المحتقنة فى محافظة إدلب السورية ومصير الاتفاق الذى تم التوصل إليه فى قمة ثنائية عقدت فى منتجع "سوتشى" الروسى بين الرئيسين الروسى فلاديمير بوتين ونظيره التركى رجب طيب إردوغان، وإذ بها تتسع لأسئلة تشمل أهم مفاصل الأزمة السورية: الحل السياسى أم الحل العسكري؟ أى مرجعية حقيقية تحكم الحل السياسى إذا تم التوصل إلى أنه الحل الوحيد الممكن والمقبول هل مرجعية جنيف أم مرجعية "أستانة" بأقطابها الثلاثة روسيا وتركيا وإيران؟ وكيف ستتم صياغة الدستور الجديد هل هو دستور جديد أم تعديلات فى الدستور القائم؟ وأى دور للرئيس بشار الأسد فى مستقبل سورية؟ وما هى شروط عودة اللاجئين، وما هى أيضاً شروط الأطراف الدولية للقبول بالمشاركة فى إعادة تعمير سورية؟ ومع كثرة هذه الأسئلة وتشابكها لم يستطع المشاركون الأربعة تحقيق اختراق له اعتباره بخصوص الأزمة، ولم يتوصلوا، إلا لمجرد توافقات عامة حول أولوية تشكيل لجنة الدستور السوري، وحرص على وقف دائم للنار فى سورية، دون تخصيص للوضع المجمد لأزمة إدلب.

الاكتفاء بالحديث عن "توافقات عامة" معناه استمرار الخلافات حول الملفات المهمة سواء التى طرحت مثل مستقبل اتفاق إدلب المهدد بسبب اختلاف الرؤى والأهداف بين أطرافه: روسيا وتركيا حول هل يجب أن يستمر الاتفاق أم أنه محكوم بتوقيت محدد، وبعده لابد من دخول الجيش السورى لتطهير البؤرة الإرهابية فى إدلب؟، ومثل مستقبل الوجود العسكرى الإيرانى فى سورية الذى تطالب به واشنطن وتل أبيب وترفضه موسكو وطهران، ومعه مستقبل الوجود العسكرى للأطراف الأخرى خاصة أمريكا وفرنسا، ومثل الخلاف حول مستقبل إطار أستانة الثلاثى فى ظل تشدد الأطراف الأخرى فى التمسك بإطار جنيف، وكيف يمكن التنسيق بينهما.

مطالعة مداخلات وتعليقات الرؤساء الأربعة تؤكد هذا الاستنتاج، حيث ركز كل منهم على ما يهمه من القمة، أو ما لم تتفق عليه القمة من أولوياته، لذلك جاءت القمة "باهتة" لأسباب كثيرة أبرزها ما يتعلق بالأوضاع الإقليمية غير المواتية وشديدة التعقيد التى حتماً ستؤثر على مستقبل الأزمة السورية، سواء ما يتعلق منها بانعكاسات اغتيال جمال خاشقجى وتداعياته ومنها أيضاً تجديد الدعوة فى "منتدى حوار البحرين" السنوى الذى عُقد فى العاصمة البحرينية بالتزامن مع قمة إسطنبول الرباعية إلى تأسيس "تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي" الذى تصطدم أهدافه مع أهداف ومصالح القوى الأربع المشاركة فى قمة إسطنبول.

ففى كلمته أمام هذا المنتدى (السبت 27/10/2018) رحب عادل الجبير وزير الخارجية السعودى بإنشاء "تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي" بين الولايات المتحدة وحلفاء خليجيين ومصر والأردن "لحماية أمن المنطقة"، وأشار إلى عقد اجتماعات فى السعودية لوضع إطار عمل للتحالف بمشاركة مسؤولين قطريين، فى حين أوضح خالد آل خليفة وزير خارجية البحرين أن التحالف "سيكون مفتوحاً لعضويته أمام من يقبلون مبادئه وسيكون نشيطاً فى مثل هذا الوقت من العام المقبل".

الشروع فى تأسيس هذا التحالف الذى سبق أن رفضه الاتحاد الأوروبى لإدراكه أنه يستهدف إيران بالدرجة الأولى سيلقى بتأثيرات قوية على مستقبل حل الأزمة السورية، ولم يكن مستبعداً ولا مستغرباً أن تصل هذه التأثيرات سريعة إلى القمة الرباعية فى إسطنبول، خاصة ما ورد على لسان وزير الدفاع الأمريكى جيمس ماتيس أمام منتدى حوار المنامة، حيث خص ماتيس كلاً من روسيا وإيران بانتقادات لاذعة. فقد اعتبر أن روسيا "لا يمكن أن تحل محل الولايات المتحدة فى الشرق الأوسط"، وانتقل للهجوم على إيران، وأعلن أن "واشنطن تقف فى وجه إيران التى تدعم الحوثيين فى اليمن"، واختتم بالاستنتاج الأهم وهو قوله: "اليوم أريد أن يكون ذلك واضحاً، وجود روسيا فى المنطقة لا يمكن أن يحل محل الالتزام الطويل والدائم والشفاف للولايات المتحدة حيال الشرق الأوسط التزام أكرر تأكيده بلا تحفظ"، وزاد: "ندعم الشركاء الذين يغلبون الاستقرار على الفوضى".

رسائل ماتيس كانت الأعنف والأكثر صراحة فى رفض ما تعتبره واشنطن تطلعا روسيا للإحلال محل الولايات المتحدة، أو على الأقل توسيع مناطق النفوذ فى الشرق الأوسط على حساب النفوذ الأمريكي، سواء فى سورية أو فى الخليج، وربما تكون واشنطن قد استفزت من تقارب روسي- سعودى على هامش قضية جمال خاشقجي، خاصة مع حرص موسكو على إكمال استعدادات زيارة الرئيس الروسى للرياض، وربما يكون هذا الاستفزاز هو ما حفز واشنطن على التعجيل بالشروع فى تأسيس ذلك التحالف وللعمل على محاصرة وإفشال الدور الروسى فى سورية ومنع روسيا من تحقيق مشروعها داخل سورية، سواء عبر ربط الوجود الأمريكى فى سورية بالوجود الإيراني، وهو ما ترفضه روسيا، أو بدعم مطالب الرئيس التركى فى فرض ديمومة اتفاق إدلب، فى حين تعتبره موسكو "إجراءً مؤقتاً" على نحو ما جاء على لسان ميخائيل بوجدانوف نائب وزير الخارجية الروسى فى رده على تعليقات أمريكية اعتبرت أن الاتفاق حول إدلب "مجمد"، وأوضح أن "موسكو قالت دائماً إن هذا الإجراء مؤقت مثلما كان الوضع بالنسبة لبقية مناطق خفض التصعيد فى سورية"، وأضاف: "أنه (اتفاق إدلب) إجراء مؤقت لأنه، لابد فى المحصلة والنهاية، من تحرير جميع الأراضى السورية من أى وجود للإرهابيين".

الملفات تتداخل وتزداد تعقيداً تماماً كما هى مصالح الأطراف، ولعل ذلك ما يفسر غياب واشنطن وطهران عن قمة إسطنبول الرباعية، وهو غياب يعكس من الهموم بقدر ما يعكس من الطموحات المحبطة لجميع الأطراف، ويزداد التوتر بالإعلان عن تشكيل الحلف الجديد.

Qatalah