يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


عندما نشبت حرب القرم بين السلطنة وروسيا، عام 1853، كان الصحافي والأديب الأرمني السوري، رزق الله حسون، يعيش وقتها في العاصمة إسطنبول، فقرر إصدار "مرآة الأحوال"، لتكون أول صحيفة تصدر باللغة العربية في العاصمة العثمانية.
 
"مرآة الأحوال"، تعد أول صحيفة عربية غير رسمية، وثاني صحيفة بعد "الوقائع" المصرية. أنشأها رزق الله حسون لمناهضة استبداد العثمانيين، لكن العثمانلي لم يتحمل الصوت الحر، وتربص بصاحبها، وألقى القبض عليه، لكنه نجح في الهروب إلى روسيا، ومنها غادر إلى لندن، وتحمل اضطهاد العثمانيين الذين منعوا أسرته من السفر إليه في منفاه، فظل وحيدا حتى وفاته.
 
صوت عربي
في بدايات إطلاقها، غطت حرب القرم على موضوعات "مرآة الأحوال"، بسبب أهميتها على مستقبل العرب في السلطنة. وبجانب أخبار الحرب، نشر الكاتب مقالات سياسية عن أوضاع السلطنة، وتناول بالنقد مواطن الضعف في سياسة الحكومة.
 
الشأن المحلي العربي لم يكن غائبا، رغم صدور الصحيفة في العاصمة إسطنبول، وتناولت أحوال المدن العربية خصوصا بعلبك ومنطقة لبنان وحاصبيا. الجريدة غطت أحداث الاضطرابات الاجتماعية والدينية التي شهدها جبل لبنان قبل وقوع كارثة عام 1860، ولو اطلع رجال الحكومة في إسطنبول على الجريدة لأمكن لهم تلافي الأزمة قبل وقوعها، واستبدال الموظفين الأتراك الفاسدين في لبنان، بآخرين من أهل الكفاءة، وتجنب تدخل دول أوروبا عام 1860، واحتلال جيش فرنسي لبنان لمدة عامين.
 
عام 1860 وقعت مذابح في الشام، بتحريض ودعم وغض طرف من السلطة العثمانية، حيث شن الدروز وأهل دمشق سلسلة مذابح ضد المسيحيين، ونتيجة تدخل القوى الدولية بعث السلطان بوزير الخارجية فؤاد باشا، على رأس جيش كبير لضبط الأمن، ومعاقبة المذنبين، وكان الصحافي رزق الله حسون على علاقة طيبة بالوزير فؤاد باشا، فقام الأخير باصطحابه معه إلى لبنان ليتولى الترجمة، والإشراف على تعريب المناشير التي سيعلنها الوزير بما تضمنته من قرارات.
 
خلال إقامته في دمشق، اتصل رزق حسون بالأدباء والمفكرين من أهلها، واتصل بالأمير عبد القادر الجزائري، ومدحه على مواقفه المشرفة من حماية السكان المسيحيين من المذابح.
 
كان لرزق الله حسون اهتمامات أدبية، وحرص على حفظ المخطوطات، فزار مكتبات دمشق وقام بنسخ عدد من المخطوطات، ومنها إنجيل مخطوط باللغة العربية، يعود إلى عام 1540. ثم عاد إلى إسطنبول مع فؤاد باشا، وظل مشرفا على إصدار جريدته "مرآة الأحوال" يتناول فيها الشأن العربي، ويطرح رؤى إصلاحية تعالج مواطن الخلل، والتي لمسها خلال زيارته الأخيرة.
 
مؤامرة العثمانلي
بعد عودة فؤاد باشا إلى إسطنبول، قام السلطان باختياره صدرا أعظم. وسافر رزق الله بصحبة الصدر الأعظم إلى لندن، وعاد معه إلى إسطنبول، وتم تعيينه في نظارة جمارك الدخان.
المكانة التي حازها رزق الله حسون في إسطنبول، لم ترض حساده ومناوئيه، فتحايلوا على اتهامه باختلاس أموال الجمارك، وشجعهم على ذلك غضب السلطة العثمانية من مقالات الكاتب الجريئة في جريدة مرآة الحق.
 
السلطة العثمانية استغلت الوشاية كذريعة، وقامت بسجن الكاتب، لكنه تمكن من الفرار إلى روسيا، ومنها انتقل إلى فرنسا، حيث أعاد نشر صحيفته، واستأنف شن مقالات أشد حدة على الفساد الحكومي.
السلطان عبد العزيز استاء من نقد حسون للحكومة، فتدخل لدى السلطات الفرنسية لإغلاق الصحيفة، وقد كانت علاقة الطرفين على أتم ما يرام، فخشى رزق الله حسون من استجابة فرنسا، فبادر بالمغادرة إلى لندن.
 
في لندن أعاد حسون نشر جريدته، واستمر في منهجه من مهاجمة الفساد الحكومي، ونقد مواطن الضعف في النظام السياسي العثماني، وعرض رؤى إصلاحية في البلاد العربية، واستكتب مشاهير عصره من المفكرين العرب، فكتب فيها جبرائيل الدلال، وعبد الله المراش.
 
أعداء الحرية
في افتتاحية العدد الأول في لندن، هاجم حسون الحكومة العثمانية بسبب قمعها للصحافة، فقال: "مرآة الأحوال كانت في ما سلف تنشر كاسمها مرآة تتجلى فيها حقيقة الأحوال وفعال الرجال، إن صالحة فصالحة وإن طالحة فطالحة. فتأذى بها أصحاب العسف ونصبوا لها فخاخاً. وما برحوا يمكرون حتى أوصلوا إليها صدأ بغيهم وعدوانهم، فتعطلت زمناً عن كشف مظالمهم واتخذت طريقها في البحر تطلب عند الإنجليز مأمناً وفي مدينة لندن صيقلاً. وقد جعلت الحرية لها شعاراً، ولا ريب أننا سنصير هدفاً لأهل الأهواء والمتعنتين لتركنا عوادل الطريق الملتوي. فمن شاء فلينطح، ومن شاء فليقدح، فإن ذلك يطيب قلب مخدومه عنه، فيحصل له بسببنا خير، ولا يمسّنا ضير".
 
حسون كان مدركا أنه سيصبح هدفا للانتقام العثماني، خصوصا بعد تولي السلطان المستبد عبد الحميد الثاني الحكم عام 1876، وتعطيله الحياة النيابية العام التالي، وقمعه للإصلاحيين.
القضايا العربية كانت حاضرة في مقالات الجريدة، ومنها أحقية العرب بالخلافة، ومساوئ الإدارة العثمانية في البلاد العربية. كتب في مقال بعنوان "العرب والترك": "مضار الأتراك غير مقصورة على رعاياهم من النصارى فقط، لكنها أشد نكاية في المسلمين العرب. إن وطأة الأتراك قد ثقلت على العرب واشتدت حتى حملت أهل بعض البلاد في أوقات مختلفة على ثورة يكون فيها المسلمون والنصارى يداً واحدة. وقد جرى ذلك في حلب مراراً". 
 
حسون تحدث عن أحقية العرب بالحكم فقال إن "الأتراك لم يكتفوا باختطاف الملك من العرب، بل عملوا على إطفاء سراج العلم فيهم وإماتة الحضارة، وفعلوا ذلك لأن التركي عندهم ولو كان أمياً هو خير من العربي ولو كان فيلسوفاً. ولا غرو، فإن العربية عندهم لقب عار يلقبون به من يريدون احتقاره. فيا لله العجب، أصارت العربية عاراً والتركية فخراً"؟.
رزق الله حسون كان على وعي بتعصب الأتراك لجنسهم، وتحقيرهم للشعوب الأخرى في السلطنة، وكشف مخططاتهم لتدمير عوامل القوة فيهم، خصوصا العرب، حتى لا يثوروا يوما ضد الظلم العثماني.
 
وهم الإصلاح العثماني
كتاب جريدة "مرآة الأحوال"  مثل حسون والمراش كانوا على وعي بمشكلة السلطنة الحقيقية، وهي الحاجة إلى إصلاح حقيقي، يهدم الاستبداد من جذوره، حتى لا تصير المحاولات الإصلاحية إلى لاشيء.
كتب حسون في العدد 12 الصادر 5 يناير 1877 بعد إعلان الدستور العثماني، وتولي مدحت باشا الصدارة العظمى: "ما أشبه مدحت باشا ودستوره الجديد برجل أراد أن يبني بيتاً فشرع بالسقف قبل كل شيء". 
 
الكاتب تساءل: "كيف يقدر مدحت باشا أن يرتب في برهة شهر دستوراً تسلك عليه أمة مؤلفة من أجناس ولغات ومذاهب شتى، وهم غير مترشحين إلى شيء من ذلك ولا سيما الأتراك منهم، فإنهم ليس سجية تدرك الحرية بمعانيها المتسعة التي هي من لوازم الدستور". إلى أن قال: "إن في دستور مدحت باشا قضايا متناقضة قد حكمت عليه منذ ميلاده أن يموت ويعتبر في تربة إخوته من الغرامين والخطوط الشريفة والهمايونية".
 
توقعات الكاتب عن دستور مدحت باشا تحققت، فقام الاستبداد التركي المتمثل في شخص السلطان عبد الحميد الثاني بتعطيل الحياة النيابية، وحل مجلس المبعوثان بعد 11 شهرا على انعقاد المجلس، وتم القبض على مدحت باشا، ومطاردة النواب.
 
كاتب آخر في الصحيفة كان الإصلاحي "عبد الله المراش" انتقد قيام السلطان عبد الحميد الثاني بإلغاء مجلس المبعوثان عام 1878. الكاتب أدرك ألا قيمة للإصلاحات العثمانية طالما بقي السلطان مطلق اليد، ولا حدود لسلطانه، فكتب "إذا كان حق الانتخاب هو مفتاح الإصلاح، فقد ألغته حكومة المابين (حكومة عبد الحميد) بعد وقت قصير من فتح بوابة مجلس النواب أو المبعوثين". وقال المراش عن مصادرة الحق الانتخابي وتعطيل الحياة النيابية بأمر المستبد عبد الحميد الثاني إن ذلك أمر متوقع: "لأننا اعتدنا على أشنع منه وأفظع بلا قياس".
 
كانت جريدة "مرآة الأحوال" تبيع 450 نسخة من العدد، الذي يصدر أسبوعيا، وكانت تحصل على التمويل عن طريق الاشتراكات.
ظلت الجريدة تصدر حتى عام 1879، حين عطلها رزق الله حسون، وأصدر مكانها مجلة نصف شهرية بعنوان "حل المسألتين الشرقية والمصرية" وكانت تبحث المواضيع الشعرية في لغة شعرية، وصدرت عدة شهور ثم توقفت.
رزق الله حسون توقف عن إصدار الصحف، وتفرغ لتصحيح ونسخ عيون التراث العربي، ومساعدة كبار المستشرقين في أبحاثهم.
 
ابن حلب
رزق الله حسون، أرمني من حلب، ولد عام 1825، وتعلم مبادئ القراءة والكتابة باللغة العربية وهو طفل صغير، وأتقن الخط العربي على يد الشيخ سعيد الأسود الحلبي. درس العلوم اللاهوتية واللغات والعلوم الرياضية في مدرسة دير رهبنة الأرمن الكاثوليك الأنطونية. 
 
نبغ في نظم الشعر وهو طفل صغير. بعد أن أنهى دراسته عاد إلى حلب، واشتغل بالتجارة، وقام برحلات عديدة إلى أوروبا ومصر. وسافر إلى الآستانة، وكان على اتصال كبير بأدباء ونخب عصره.
أثناء إقامته في لندن قام بترجمة عدد من المؤلفات الأدبية الإنجليزية، ومؤلفات عن التراث العربي منها كتابه "أشعر الشعر"، وكتابه "حسر اللثام" وغيرها من الكتب. كما تعرض لمضايقة السلطات العثمانية بسبب جريدة "مرآة الأحوال"، ومنعت سفر أسرته من إسطنبول إلى لندن، فظل وحيدا في منفاه حتى وفاته عام 1880، وحينما أحس بدنو أجله كتب بيتين يعبر فيهما عن حزنه على الموت وحيدا دون أسرته فقال:
قد قضى الله أن أموت غريبا
في بلاد أساق كرها إليها
وبقلبي مخدرات معان
نزلت آية الحجاب عليها

المصادر :


Qatalah