يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


هو واحد من نوادر الباب العالي بامتياز، ومن عجائب الحكم في قصور إسطنبول، هو موسى كاظم أفندي الذي كان ضمن هيئة علماء الدين في السلطنة العثمانية بينما اعتنق في الخفاء الماسونية وكان عضوا في جمعية الاتحاد والترقي الملحدة، ثم قادته فوضى الأيام الأخيرة في تركيا العثمانية إلى تولي مشيخة الإسلام، أعلى منصب ديني في العالم الإسلامي وقتها ليصبح أول "شيخ إسلام" ماسوني صديق للملحدين. 

الطورطوملي يتخلى عن النقشبندية
موسى كاظم بن إبراهيم أفندي الطورطوملي، المولود في مدينة طورطوم التابعة لولاية أرضروم في العام 1858، سلك في شبابه طريق التصوف منخرطا في الطريقة النقشبندية، ورغم كونها أكثر الطرق الصوفية التصاقا بالعقيدة السنية، فإن كاظم انطلق في أفكاره الخاصة من فلسفة وحدة الوجود التي ينظر إليها في تاريخ الفكر الإسلامي على أنها "زندقة".
نشأ كأبناء جيله في تلك الفترة ابنا مخلصا لتقاليد عصر التنظيمات: الانبهار بالرفاهية والسطوة الأوروبية على الشرق والغرب، والانقلاب على التقاليد، ونبذ الأفكار القديمة ومن بينها الدين نفسه، ففي العام 1839 أعلن السلطان عبدالمجيد الأول عزمه على تحديث الدولة على الطريقة الأوروبية، وكان من نتيجة ذلك أن نشأت على مدار أربعينيات وخمسينيات القرن التاسع عشر نخبة جديدة في العاصمة العثمانية هواها يميل إلى أعداء وطنها، ولم تسلم طبقة رجال الدين من ذلك التطور الخطير، حيث سعت "التنظيمات" إلى إخضاعهم لمزاجها الجديد بالقوة تارة، أو دفعهم للانخراط فيه بالحيلة والإغراء تارة أخرى، ومن بين الذين استجابوا للحيلة موسى كاظم الذي أسرع به أنصار هذا التيار من النقيض إلى النقيض ودفعوه دفعا إلى الهاوية، حتى جرى قبوله عضوا في محفل "برودوس" الماسوني في باريس إلى جوار كبار رجال نخبة التنظيمات. 

الملحدون يجندون "الشيخ"
عاش أنصار الموجة الجديدة ذروة قوتهم في عصر السلطان عبد المجيد الأول بعد أن نجحوا في تقليص سلطاته، حتى وفاته في 1869، حين بدا أن خليفته وشقيقه عبد العزيز أقل وفاء وإخلاصا لمبادئ "العصر الجديد"، بعد اختبار السياسات الجديدة وثبوت فشلها في إنقاذ الدولة من الأزمات المزمنة، وأهمها نزعات التمرد ودعوات الاستقلال لدى الرعايا المسيحيين في منطقة البلقان.
حاول السلطان الجديد الإمساك بزمام السلطة كاملة مجددا، لكن نخبة التنظيمات المتغلغلة في أروقة الحكم أظهرت شراستها، وشكلت في اجتماع لمحفل "برودوس" جبهة معارضة بقيادة رجل الدولة القوي مدحت باشا للتصدي للسلطان، والحيلولة دون خسارتهم المعركة، ووجدوا الفرصة في غضب رعايا الدولة العثمانية ضد المظالم في كل مكان، ونجحوا في إثارة الفوضى في البلاد وحاصروا العاصمة، وأطاحوا بالسلطان عبد العزيز، وعينوا  مراد الخامس ابن السلطان عبد المجيد خلفا له، وكان عضوا عاملا في محفل برودوس الماسوني وزميلا للشيخ كاظم في المقعد المجاور له مباشرة.
وعلى الرغم من نجاح المؤامرة فإن عبد الحميد الابن الثاني للسلطان عبد المجيد نجح في تدبير انقلاب جديد خلع على إثره شقيقه مراد بعد ثلاثة أشهر من توليه العرش، وفور قبض عبد الحميد على السلطة وتسمية السلطان عبدالحميد الثاني، اتخذ الحاكم الجديد للدولة العثمانية توجهات إسلامية لأغراض سياسية واضحة في محاولة أخيرة لإنقاذ دولة أجداده المنهارة.
ابتلعت نخبة التنظيمات الصدمة وحاولت الوقوف من جديد، وفي العام 1889 أسس مجموعة من ضباط الجيش في المدرسة الطبية العسكرية نواة لحركة الشبان الأتراك، التي مثلت النسخة الجديدة من المعارضة واستهدفت خلع السلطان عبد الحميد، وكان موسى كاظم أفندي أحد المنضمين إلى هذه الخلية منذ ساعاتها الأولى.
كان الهدف الأساس من وجود أشخاص مثل موسى كاظم في حركة الشبان الأتراك (التي عرفت فيما بعد باسم جمعية الاتحاد والترقي) هو ظهور المجموعة الثورية الجديدة أمام الرأي العام بمظهر "المعارضة السياسية" للسلطان، دون جرح الشعور الديني السائد ودون تبييت فكرة معاداة الإسلام، خاصة أن اعتناق الشبان الأتراك الجدد المعلن للإلحاد وترويجهم لأفكار الفلسفة "الوضعية" و"المادية" لتكون بديلا عن الدين، لم تكن خافية على أحد، فقرروا الاستعانة برجل دين "معمم" لدرء تهمة الإلحاد عنهم وتجنب إثارة الشارع من جديد، وكان هذا الشيخ هو موسى كاظم، ومن طرائف إخلاصه للدور الجديد أنه كان يكتب لجرائد الاتحاد والترقي مقالات تتهم السلطان عبد الحميد بالإلحاد.

صعود نجم الشيخ بعد انقلاب 1908 وسجنه بعد الهزيمة
كان العام 1908 فاصلا في حياة موسى أفندي وأعضاء "الاتحاد والترقي" جميعا، فقد خلعوا عبد الحميد الثاني من العرش واستولوا على السلطة في إسطنبول، ولما كان موسى كاظم من أقدم الأعضاء الفاعلين في الجمعية الثورية، أصبح من الطبيعي أن يكافأ على مجهوداته بعد الانتصار، وهكذا اختير عضوا في مجلس الأعيان في 1909، ومن عضوية الأعيان تمت ترقية "الداعية الماسوني" إلى منصب شيخ الإسلام ومفتي الدولة العثمانية، دون نظر لمؤهلاته العلمية وسيرته بين الناس.
والطريف أن الشيخ الماسوني تولى منصب "شيخ الإسلام" مرتين، عاشت خلالهما الدولة العثمانية كوارث عسكرية كبرى أثبتت الفشل الذريع لحكومة الاتحاد والترقي وسيرها على خطى السلطان المخلوع عبد الحميد الثاني، فيما عدا اللافتة الدينية التي كان يحرص عليها لصبغ سلطته بالشرعية، كما اعتاد أسلافه. 
كانت ولاية موسى كاظم أفندي الأولى بين 1910 و1911 في عهد حكومة الصدر الأعظم إبراهيم حقي باشا، في ذلك الوقت احتلت إيطاليا السواحل الليبية وعجزت الحامية التركية عن الدفاع عنها، ونتيجة لذلك أرغم حقي باشا على الاستقالة خوفا من إعدامه كما أعفي كاظم من منصبه، وفي اليوم التالي من إعفائه ، أعيد موسى كاظم إلى المشيخة مع تشكيل حكومة جديدة برئاسة الصدر الأعظم كوجوك محمد سعيد باشا، لكن الضغط السياسي والاجتماعي الذي ولدته الحرب العثمانية الإيطالية في ليبيا تسبب في استقالة سعيد وإعفاء كاظم من منصب المشيخة.
ظل كاظم أفندي بعيدا عن منصب شيخ الإسلام، مع استمرار عضويته المؤثرة في الاتحاد والترقي، حتى العام 1916 عندما تولى المشيخة للمرة الثانية في حكومة الصدر الأعظم سعيد باشا المصري، حين دخل العثمانيون في أتون الحرب العالمية الأولى ليسهم موسى بدور في دعم القادة العسكريين المتحمسين للحرب بإصدار سيل من الفتاوى تدعو المسلمين في العالم إلى "الجهاد" وطاعة "الخليفة العثماني" محمد رشاد الخامس، ولم تكن دعوات "المعمم الاتحادي" تلك سوى خدعة من قبل حكومة الاتحاد والترقي "الإلحادية" لكسب ود شعوب المنطقة المتمسكين بالإسلام، خاصة في القطاع العربي الذي خضع لاحتلال السلطنة، في ظل صراعها المرير ضد الاحتلال الإنجليزي والفرنسي.


فشلت فتاوى كاظم أفندي في المهمة، وبدأت الجيوش العثمانية في تلقي الهزائم تباعا في العالم العربي والبلقان، وفي العام 1917 استقالت حكومة سعيد حليم باشا بسبب تلك الهزائم وأعفي موسى كاظم أفندي من منصب المشيخة.
تكرر ما حدث في الإعفاء الأول، وأعيد الرجل في اليوم التالي من إعفائه إلى مشيخة الإسلام مع تشكيل حكومة الصدر الأعظم محمد طلعت باشا في العام 1917، في أثناء هذه الولاية صعد نجم موسى كاظم أفندي في عالم السياسة، إذ تولى منصب الصدر الأعظم بالوكالة خلال فترة سفر طلعت باشا للتوقيع على معاهدة برست - ليتوفسك مع قادة الثورة البلشفية الروس، لكن مع استقالة حكومة طلعت باشا في العام 1918 بسبب الهزيمة النهائية للدولة العثمانية في الحرب، وانسحاب حزب الاتحاد والترقي من الحياة السياسية جرى إعفاء موسى كاظم أفندي من منصب المشيخة للمرة الأخيرة.
رضخ العثمانيون لتوقيع معاهدة وقف إطلاق النار مع دول الحلفاء، وبعدها ألقي القبض على عدد كبير من أعضاء الاتحاد والترقي وتم اعتقالهم في سجن بكر آغا، وكان من بين هؤلاء المعتقلين طلعت باشا وجمال باشا وأنور باشا قادة تركيا في الحرب إضافة إلى موسى كاظم أفندي، حيث أحيلوا جميعا إلى المحاكمة أمام ديوان الحرب العرفي في 1919 بتهمة المسؤولية عن الهزيمة، ليصدر الحكم بسجن شيخ الإسلام الماسوني ونفيه إلى أدرنة حيث عاش بقية حياته حتى مات معزولا بعد عام واحد فقط قضاه ألما وحسرة في المنفى.

Qatalah