يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


خلد العرب مقاومتهم العنيفة والطويلة للمحتل العثماني- كعادة الأمم المتحضرة- بقصيدة وأغنية، رددوها في سهرات السمر بالحقول، أو في زنازين التعذيب والقهر بسجون ولاة إسطنبول، الذين امتلأت كروشهم من أقوات النساء والأطفال في دمشق وعكا والقاهرة. 
عبرت أغاني المقاومة العربية عن ازدراء العثمانيين، بكلمات لها وقع الرصاص ضد المحتل الهمجي الذي استمر حكمه أربعة قرون ذاق فيها العرب الظلم والعذاب، وتعددت طرق المقاومة من حمل السلاح والثورات الشعبية، بينما جاء على رأسها الفن الأكثر تداولا وخلودا بين الناس.
عاش العثمانيون دون قانون أو قيم أخلاقية، وأخلصوا للنهب والسلب والخطف، واعتبروا قرى العرب وبيوتهم تركة موروثة فعاثوا فساداً وتخريباً، فيما مثلت الأغنية الشعبية سلاحا مهما بيد الشعوب في مصر والشام والعراق وفلسطين، وكشفت فظائع الظلم وظلت ذاكرة حية كي لا ننسى جرائم الأتراك.

 
خطف فتاة الإسكندرون

خطف النساء كان منهج العثمانيين منذ دخولهم المشؤوم إلى الشام، ويذكر المؤرخ الدمشقي ابن طولون في كتابه "مفاكهة الخلان في أحداث الزمان"، أنهم خطفوا مجموعة كبيرة من نساء دمشق رغم أن أهل المدينة فتحوا أبوابها لهم بقصد المساعدة والضيافة.
سجلت الأغنية الشعبية واقعة من آلاف حوادث الاعتداء العثماني على الحرمات العربية، وتروي أغنية "مريم مريمتي" قصة فتاة من لواء الإسكندرون السوري المحتل كانت مخطوبة لشاب من قريتها اسمه جميل، وفي أحد الأيام رأها ضابط عثماني وفي الحال سأل عنها.
فطن أهل القرية إلى قصد الضابط الخبيث، واتفقوا على زفافها بسرعة إلى خطيبها، وحين علم الضابط هاجم القرية وخطف الفتاة، فما كان من خطيبها جميل سوى مطاردة الخاطفين الأتراك إلا أن الضابط قتله بالرصاص.
تقول كلمات الأغنية: مريم مريمتي وعيني مريما.. مريم مريمتي وعيني مريما/ والقلب مجروح بده مرهما.. يا عيني بده مريما/ مريم ع السطوح.. والشعر عم بيلوح/ والقلب مجروح بده مرهما.. يا عيني بده مريما/ قلي الحكيم الخمرة حرام وشربها بيهذيك.. قلتلو يا حكيم الله يبليك بهوا سمرا.. قلتلو يا حكيم الله يبليك بهوا شقرا/ حتى تعرف إنو الخمرة تشفيك .. أمان يابا.. مريم يا دلي/ وشعرا بي تلي.. وعسكر عثمانلي/ خطفوا مرياما.. يا يما أخذوا مرياما.
نخوة العرب وغدر الأتراك
انتكست أحوال البلاد الاقتصادية في زمن العثمانيين، فقد منحوا الامتيازات التجارية للأجانب ولم يساهموا في تطوير الصناعات العربية، بل كان تصورهم عن الاقتصاد العربي جباية الضرائب الباهظة التي تسببت في تدميره.
كان هدف السلاطين العثمانيين إفقار أهل الشام، لأن التجار كانوا يدعمون الحركات الإصلاحية، ويشاركون في الإضرابات المتكررة احتجاجا على الظلم والاحتكار والنهب المنظم.
في إحدى المرات أرسلت الدولة العثمانية باخرة تجارية كبيرة محملة ببضائع كثيرة تدعى "الروزانا" إلى ميناء بيروت، وباع الأتراك البضائع بأسعار بخسة بهدف إفلاس تجار المدينة بفساد بضائعهم في المخازن.
عندما علم تجار حلب بما وقع على أشقائهم في بيروت بيد المحتل العثماني اشتروا بضائعهم إنقاذا للمدينة من الإفلاس، وقد خلد سكان العاصمة اللبنانية الغدر العثماني وموقف الكرم والنخوة العربية لأهل حلب في أغنية تقول:
عالروزانا عالروزانا كل الهنا فيها.. شو عملت الروزانا الله يجازيها/ يا رايحين لحلب حبي معاكم راح.. يا محملين العنب تحت العنب تفاح/ كل من وليفة معه وأنا وليفي راح.. يا ربي نسمة هوى ترد الولف ليا/ لطلع لراس الجبل وأشرف على الوادي.. وأقول يا مرحبا نسم هوى بلادي.
 
تغريبة عربية
إزاء ظلم المحتل العثماني واضطهاد العرب، اضطر شباب الشام إلى الهجرة إلى كل بقاع العالم، ما تسبب في انتشار حزن الفراق بين الأهل والمحبين بينما تكبد الشباب العربي آلام الغربة.
سجل تراث الشام هذا الآلم في أغنيات عديدة، منها واحدة يقول مطلعها: على دلعونة وعلى دلعونة.. القعدة ببلادي أحلى ما يكونا/ أمي يا أمي حبيبي وينو.. سكر البحر ما بيني وبينو/ أن كنو متدين لأوفيلو دينو.. عشرة عثمانلي ما بيهمونا.

خيانة تركية
وصم العراقيون الخذلان التركي لهم أمام المستعمر البريطاني بأغانٍ عديدة منها "جلجل عليه الرمان" التي ترمز للاحتلال بالرمان حيث الطربوش التركي لونه أحمر، وتفضح خيانة الأتراك وتسليم بغداد للمحتل الإنجليزي. 
تقول الأغنية: جل جل عليً يالرمان.. نومي فزع لي/ هذا الحلو ما أريده.. ودوني لأهلي/ جلجل عليه الرمان.. نومي فزع لي/ هذا الحلو ما أريده.. ودوني لأهلي.
 

قتلى.. في جيش الأتراك
في فلسطين، سجل الشعب العربي أغاني ضد جرائم المحتل التركي وقتل الشباب في حروب العثمانيين بعد فرض التجنيد الإجباري، وانتشرت أغنيات عديدة عن آلام الأمهات والزوجات بسبب فقدان الابن والزوج، وعُرف هذا اللون باسم الشعليات.
وظهرت الأغاني التي تهاجم جيش العثمانيين، ومنها واحدة تدعو الشباب للهرب حتى لا يُجندوا في جيش المحتل وتقول: وحَيدْ عن الجيشِ هي يا غالي.. يا عزيز الروح يا بْنِ خالي/ وِإنْ صابك إشي لَـ اقتلْ حالي.. واقًصِ الجديلة وشعري أحِله.
 
درويش يكافح "الخلافة"
كان السجن جزاء التعبير عن آلام الشعوب العربية، وتعرض الشاعر حمد بن مبارك العقيلي الإحسائي للاعتقال بسبب مقاومته للعثمانيين بالكلمات، كما اشتهر محمد بن عبدالله العوني من أهالي بريدة بأشعاره الوطنية أيضاً، التي واجهت عسف المحتل العثماني وعملائه.
وسجل تراث الجزيرة العربية قصيدة شاعر في سجن العبيد العثماني في الإحساء، ويقول فيها: اليماني قال حياتي ما تفيد.. سهران طول الليل وعيني ما تنام/ يا من لقلب طاح في قصر العبيد.. لطال يومه والمسا بوسط الظلام/ ضواه الليل صكوا به حديد.. والعدد عند النبطشي بالدوام

كانت ثورة 1919 لحظة التعبير الشعبي الجارف عن القومية المصرية في وجه المحتل الإنجليزي ودعاة العودة للاحتلال العثماني، الذين اشتهروا باسم "الجامعة الإسلامية".
في تلك اللحظات خلد فنان الشعب سيد درويش أحلام وآمال المصريين في الحرية بكلمات "قوم يا مصري" التي تمجد الذات المصرية على حساب المحتلين وتقول كلماتها:
قوم يا مصري، مصر دايما بتناديك..خد بنصري، نصري دين واجب عليك/ يوم ما سعدي راح هدر قدام عينيك..عد لي مجدي اللي ضيعته بإيديك/ شوف جدودك في قبورهم ليل نهار..من جمودك كل عظمة بتستجار/ فين آثارك ياللي دنست الآثار..دول فاتوا لك مجد وأنت فوت عار.
 بثت الأغاني الدماء في روح القومية المصرية والمناداة بالاستقلال والتخلص من وهم التبيعة للمحتل البريطاني حينا والعثماني حينا آخر.

Qatalah