يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


 لا تشير ملامح مولود جاويش أوغلو إلى عمره الحقيقي، فالرجل الذي تجاوز الـ50 ببضعة شهور يبدو أكبر سنا بـ10 سنوات على الأقل، بسبب تجاعيد الكذب التي غطت على وجهه، خاصة وهو يدافع عن سياسات إردوغان ويهاجم كل من يحاول الاقتراب من ذات الرئيس المقدسة.
باستثناء شاربه القصير الذي يخفي خلفه أطول لسان في تركيا، لا تستطيع العثور على شيء مميز في ملامح وزير خارجية أنقرة، لكن مع القليل من التدقيق يمكننا ملاحظة الشبه بين شاربي أوغلو وإردوغان، ما يعني ببساطة أن الرجل يحاول تقمص شخصية الرئيس ولو بشعيرات تحت الأنف.
كان من الممكن أن يظل أوغلو بعيدا عن الأضواء، ولا يغادر أروقة الجامعات باعتباره أكاديميا حصل على العديد من الشهادات في العلاقات الدولية أهمها درجة الدكتوراة من كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية، بعد أن سافر إلى بريطانيا في منحة بين عامي  1993 و1995، لكنه اختار الابتعاد عن الظل وألقى بنفسه في أتون السياسة.
شارك في تأسيس حزب العدالة والتنمية، وتم انتخابه في البرلمان التركي عن ولاية أنطاليا - مسقط رأسه - 5 دورات، وترأس جمعيتي الصداقة البرلمانية التركية الأميركية، والتركية اليابانية بين عامي 2003 و2014 إضافة إلى انتخابه رئيسا للجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا في 2010، ليكون أول برلماني تركي يتولى هذا المنصب، وبعد ثلاث سنوات فقط عمل وزيرا لشؤون الاتحاد الأوروبي (كبير المفاوضين الأتراك) إلا أن أوغلو لن ينسى يوم 29 أغسطس 2014 الذي تولى فيه حقيبة الخارجية والتي لم تغادر يده حتى اليوم بعد أن أعيد اختياره للمنصب نفسه في الحكومتين 64 و65.
يمتلك مولود جاويش أوغلو 3 ألسنة، بالإضافة إلى لغته التركية فإنه يجيد التحدث بالإنجليزية والألمانية واليابانية، الأمر الذي يمكنه من أن ينقل لإردوغان كل ما يكتب عنه في الصحافة الدولية. 


حليف إيران يركع أمام البيت الأبيض 
يتطاول أوغلو، حينما يتعامل مع العرب، يرى نفسه في منزلة أعلى، بينما يتخذ وضع الركوع عندما يتعلق الأمر بواشنطن أو إيران، في حين لا تخلو زيارة له خارج البلاد إلا ويطلق من خلالها تصريحات تتسبب في توتر علاقة أنقرة بغيرها من الدول، حتى أصبحت تركيا بفضل حماقته معزولة عن محيطها الإسلامي وعمقها العربي.
يدرك أن تركيا تعتمد على الاستيراد لتوفير جميع احتياجاتها من الطاقة، باستيراد 55% من النفط الخام من إيران، ولذا يحرص على إرضائها وإبقاء علاقة جيدة معها، أكد أن بلاده لن تقطع العلاقات التجارية مع طهران بناء على أوامر من دول أخرى في إشارة إلى أميركا، ولم يتوقع أن يكون رد فعل ترامب عنيفا  وهو يهدد بأن كل من سيتعاون مع طهران عليه أن يتحمل العقوبات الأميركية، الأمر الذي أعاد أوغلو صاغرا أمام سيده في البيت الأبيض.
يسعى أوغلو بشتى الطرق إلى عرقلة دعم واشنطن للمسلحين الأكراد في سورية، ولا يزال يتفاوض معها بشأن  تسليم رجل الدين التركي فتح الله غولن المقيم لديها، والذي تتهمه أنقرة بتدبير مسرحية الانقلاب في يوليو 2016.
استمرار الدعم الأميركي للأكراد وضع أنقرة في وجه حائط مسدود يحاول أغلو اختراقه بعقد صفقة جديدة لم تتضح ملامحها بعد، بدأها بالمهادنة لواشنطن وهو يقول: نريد أن تستقر علاقاتنا مع الولايات المتحدة على أرضية سليمة.
فور تسلم مايك بومبيو حقيبة الخارجية الأميركية في أبريل الماضي أعلن أوغلو عن رغبته في بناء علاقات طيبة معه، متجاهلا تغريدة نظيره الأميركي التي وصف فيها بالدولة الديكتاتورية الإسلامية المستبدة.

رجل إسرائيل في تركيا
يدرك وزير الخارجية التركي أن إسرائيل مفتاح قلب أميركا وطفلها المدلل، ولذلك فإنه يحتفظ بعلاقات قوية تربطه بصناع القرار في تل أبيب، ويعتبر صديقا شخصيا للعديد من المسؤولين الذين يلتقطون معه صورا "سيلفي" يتم نشرها على صفحاتهم في مواقع التواصل الاجتماعي.
لا يتردد أوغلو في مقابلاته الصحافية في الدفاع عن الكيان الصهيوني ويظهر له الاحترام والخضوع.
في لقاء له مع "صوت إسرائيل بالعبرية"، على هامش زيارة إردوغان لباريس أكد أوغلو أن العلاقات مع إسرائيل ستستمر بسبب المصالح المشتركة بين الدولتين والعلاقات التاريخية المتينة الممتدة بينهما، مشيرا إلى أن بلاده ليست معادية للسامية.
أوغلو أضاف: اليهود الذين يعيشون في تركيا والإسرائيليون الذين يزوروهم، يشهدون بأن أنقرة ترحب بهم دائما، منبهًا: "تركيا على استعداد للوساطة بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني في أي وقت".
وزيرة الخارجية الإسرائيلية السابقة تسيبي ليفني نشرت "سيلفي" يجمعها بوزير الخارجية التركي عبر حسابها على موقع التواصل الاجتماعي "تويتر"، خلال مؤتمر الأمن في ميونيخ بألمانيا الذي شاركت فيه أنقرة وتل أبيب بعد أن وصلت العلاقات بينهما إلى مستوى ممتاز، وفق تقارير صحافية.


لسان إردوغان الطويل​
مواهب أوغلو في التطاول على خصوم إردوغان سمحت له بأن يحتفظ بمنصبه السيادي طيلة هذه المدة، حيث يستطيع وزير خارجية تركيا أن يوجه شتائمه بمختلف اللغات إلى كل من يحاول انتقاد الرجل الأوحد في أنقرة.
عندما كشف وزير الخارجية  الفرنسي جان إيف لودريان أكاذيب إردوغان بشأن اطلاع دول على تسجيلات تخص مقتل الصحافي جمال خاشقجي، كال أوغلو له اتهامات عديدة من بينها أن لودريان تجاوز حدوده ووصف تصريحاته بالوقحة، كما تهكم على الوزير الفرنسي قائلا: "عليه أن يعلم كيفية التحدث مع رئيس دولة".
ليس من المستغرب خروج وزير الخارجية التركي عن القانون في بلاده، إلا أن اللافت كان ممارسة الهواية نفسها خارج حدود تركيا، فقد أصر أوغلو على تحدي السلطات الألمانية التي ألغت تجمعا له مع ناخبين أتراك خلال محاولته الترويج للتعديلات الدستورية التي تنص على انتقال تركيا من النظام البرلماني إلى الرئاسي في العام 2017.
قال في تصريحات لصحيفة حرييت ديلي نيوز التركية، نقلتها رويترز إنه مصر على إلقاء كلمته في التجمع المرتقب له مع ناخبين أتراك بمدينة هامبورغ، تزامنا مع إعلان المتحدثة باسم بلدية هامبورغ رفضها إقامة التجمع ، لافتقاره نظام الإنذار من الحرائق، والذي اعتبره الوزير التركي - الذي لا يعنيه الحفاظ على الأرواح - مجرد وسيلة ضغط من السلطات الألمانية بعد تصاعد حدة الخلافات مع تركيا ليقول :"سأذهب. لا يمكن أن يوقفني أحد". 
لم يكن إردوغان أقل منه تبجحا، وهو يتهم برلين بممارسة سياسات نازية، بعد سحب السلطات تراخيص 3 تجمعات حاشدة كان ينوي تنظيمها في ألمانيا للترويج لتعديلاته الدستورية، في ذلك الوقت، كما وضعت ألمانيا قيودا على السفر إلى تركيا بسبب أعمال إردوغان وسياسة وزير خارجيته، في الوقت الذي تكرر فيه برلين رفضها للاعتقالات القسرية في  تركيا.
كما توترت العلاقات بعد اعتقال الحقوقي الألماني بيتر شتويتنر والصحافي الألماني التركي دينيز يوجيل، فضلا عن أربعة مواطنين ألمان محبوسين في تركيا لأسباب سياسية.


تسويق أجندة التوسع  
تحت مبرر محاربة حزب العمال الكردستاني يسوق أوغلو لأجندة تركيا التوسعية في سورية والعراق، يعلن عن عمليات عسكرية للقضاء على الإرهابيين في الدولتين، في الوقت الذي ترتبط فيه بلاده بعلاقات قوية مع التنظيمات المسلحة وتقتل الأبرياء في الشمال السوري، بينما يفتخر بذلك قائلا: "إن القوات التركية تتقدم بخطوات حازمة صوب قنديل شمال العراق التي يتمركز بها مقاتلو حزب العمال الكردستاني" في حين أن مهمة قوات إردوغان هي تصفية المعارضين من الأكراد بلا رحمة عن طريق عمليات قصف مركزة على بيوت المدنيين.
بازدواجية يتعامل أوغلو مع اليونان، يتهمها بإيواء مجرمين أتراك، ويدافع بوقاحة عن انتهاك بلاده لسيادة آثينا، قبل أسابيع قال وزير الخارجية التركي : وضع علاقاتنا مع اليونان اليوم ليس لمصلحة بلدينا. بناء الثقة ضروري. علينا فتح صفحة جديدة في علاقاتنا، ومواصلة المحادثات الثنائية دون شروط مسبقة. هذا هو السبيل لحل مشكلاتنا.
تصريح أوغلو بعلاقات جديدة مع اليونان ينم عن عدم إدراك  لطبيعة العلاقات المتوترة مع آثينا، خاصة بعد أن كادت أن تشتعل حرب بين الطرفين عام 1996 بسبب الجزر المتنازع عليها في بحر إيجة، واستمرار المناوشات في الشهور  الأخيرة على الأرض وفي البحر، حيث تدخلت تركيا مؤخرا وأرسلت قوات خفر السواحل لإنزال علم اليونان الذي رفعه  عدد من المواطنين على جزيرة فورني اليونانية، ومن قبل أطلق جنود يونانيون نيرانا تحذيرية باتجاه مروحية تركية اقتربت من جزيرة رو علي بعد عدة أميال من الساحل التركي.

التطاول على  الجامعة العربية​
لم تسلم الجامعة العربية ولا أمينها العام أحمد أبو الغيط من تطاول جاويش أوغلو، الذي يتصرف على أن سورية جزء من تركيا، ففي جلسة مخصصة لمناقشة الوضع بالشرق الأوسط في مؤتمر ميونيخ للأمن  أوائل العام الجاري أعلن أمين الجامعة العربية رفضه للتواجد التركي في سورية محذرا أنقرة من تجاوز حدودها، إلا أن أوغلو ادعى كذبا: نحن هناك لدحر منظمة إرهابية، ونستخدم حقنا المشروع في الدفاع عن النفس، وهذا الحق يأتي من القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن، والمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة. 
يحاول جاويش أوغلو بناء علاقات طيبة مع دول البلقان، من خلال تصدير أنقرة كوسيط لحل المشكلات بين كوسوفو وصربيا، مؤكدا أن الحوار بين البلدين يسهم في استقرار  وسلام المنطقة، في الوقت الذي يستخدم فيه الوكالة التركية للتعاون والتنسيق "تيكا" للقيام بأعمال استخباراتية تحت ذريعة العمل الخيري أو التنموي ويفخر بأن المنظمة نفذت 600 مشروع تنموي قيمتها 100 مليون يورو في كوسوفو مؤخرا.
يسعى أوغلو للسيطرة على قرارات كوسوفو وصربيا، خاصة بعد أن باتت ملجأ  المعارضين الأتراك الهاربين من بطش إردوغان، يهددها قائلا: لا نريد لكوسوفو الشقيقة أن تسمح للإرهابيين المتورطين في محاولة انقلاب 2016 بالتواجد على أراضيها، ونحن نتطلع لإعادة هؤلاء الإرهابيين إلينا.
ويقدم لها الجزرة بقوله: أنقرة تواصل بذل الجهود من أجل اعتراف مزيد من الدول بكوسوفو، وتبذل جهودا من أجل نيلها عضوية الشرطة الدولية "الانتربول".
يبغض الأكراد أوغلو، يدركون أنه عدوهم الثاني بعد إردوغان، تصريحاته التي يطالب فيها بقتلهم تملأ الشاشات وصفحات الجرائد، آخرها ما قاله خلال زيارته للنمسا، إذ أكد أن تركيا على وشك إطلاق عملية عسكرية في بغداد لملاحقة حزب العمال الكردستاني عقب الانتخابات العراقية، فيما لم تشر الحكومة العراقية من قريب أو بعيد لأي شيء بخصوص تلك العملية.

Qatalah