يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


من شابه أباه فما ظلم.. مقولة تنطبق على السلطان العثماني، مراد الثاني، الذي ورث عن والده سفك دماء الإخوة، فوالده قتل أربعة من أشقائه أثناء صراع على السلطة انتهى لصالحه عام 1413.
على درب الأب سار الابن، إذ دشّن مراد عهده بقتل عمه مصطفى، الوريث الأحق بالعرش، وبعد سنوات قتل أخاه مصطفى.

مراد الثاني تعرض لعدة هزائمه فادحة في ألبانيا أمام إسكندر بك، وفي المجر أمام هونياد، وأمام أسوار القسطنطينية، وعوض عن هذا الخزي بسفك دماء المسلمين في الأناضول، واغتصاب أملاك الإمارات المسلمة مثل القرمان وإمارة جنيد.

مغتصب العرش
السلطان مراد الثاني الملقب بخير الملوك وُلد عام 1403، وهو ابن السلطان محمد الأول، وتولى الحكم ما بين عامي 1421 و1451.
بعد وفاة محمد الأول طالب شقيقه مصطفى المنفي في القسطنطينية بالعرش، فهو أكبر أفراد العثمانيين على قيد الحياة، لكن مراد بمساعدة رجال والده، اغتصب  العرش وأعلن نفسه سلطانا.

مراد وقع هدنة مع ملك المجر لمدة خمس سنوات من أجل التفرغ للتصدي لعمه، وخاف من استمالة مصطفى للجيش وقرر قتله، لكن العم الذي كان قد حصل على مساعدة من الإمبراطور البيزنطي، خرج إلى غاليبولي واحتلها ثم توجه إلى أدرنة، وواجه جيشًا بقيادة الوزير بايزيد باشا، فخطب في الجنود وطالبهم بطاعته لأنه أحق بالملك، فانحازوا إليه وقتلوا قائدهم.

كانت الكفة تميل لصالح مصطفى بعد انضمام الجيش إليه، لكن مراد لجأ إلى سلاح الخيانة، فاشترى ولاء القادة في جيش عمه، فقبضوا عليه وسلموه إلى ابن أخيه، فقام بشنقه.

قاتل شقيقه
الإمارات التركية المستقلة في آسيا الوسطى خافوا على بلادهم من أطماع مراد الثاني، خصوصا بعد أن وقع معاهدات صلح في أوروبا من أجل التفرغ لهم، فقاموا بدعم أخيه مصطفى للمطالبة بالعرش مقابل التعهد بالحفاظ على أمنهم.

مراد الثاني كان أسرع حركة من أخيه، وبعث جيشا قبض عليه وقام بإعدامه شنقا مع الكثيرين من أنصاره ورفاقه عام 1423.

سفاك الدماء
مراد الثاني استغل أزمة أخيه مصطفى لصالحه، واتخذها ذريعة لمهاجمة الإمارات المسلمة في الأناضول، وأجبر أمير قسطموني على التنازل عن نصف أملاكه وتزويجه ابنته عام 1423.

جاء الدور على إمارة جنيد، فبعث السلطان القائد حمزة بك على رأس جيش شنق حاكمها، قره جنيد، واستولى على أملاكه، وسيطر على مناطق آيدين وصاروخان ومنتشا.

شهية مراد الثاني لسفك دماء المسلمين لم تتوقف عند ذلك، فهاجم إمارة القرمان وقتل أميرها محمد بك، وعين ابنه إبراهيم بدلا منه مقابل التنازل عن إقليم الحميد.

صفعات أوروبية
انتقاما من مساعدة إمبراطور بيزنطة لعمه مصطفى، قام مراد الثاني بمحاصرة القسطنطينية واستخدم المدافع في قصف أسوارها، لكن صمود حامية المدينة وشجاعتهم أجبره على الانسحاب، وعقد معاهدة مع الإمبراطور تقضي بعدم التعرض للمدينة.

الغزو كان أحد الدعائم التي قامت عليها السلطنة ومؤسساتها واقتصادها، وعزز مراد الثاني ذلك بزيادة عدد الإنكشارية باستعباد كثير من أبناء البلقان وضمهم إليه، وحين أتم استعداده حرك الجيوش لغزو صربيا وألبانيا والمجر، وحقق عدة انتصارات في بداية القتال لكنه فشل في دخول مدينة بلجراد، حيث استبسلت حاميتها في الدفاع عنها ضد العثمانيين.

مراد الثاني ارتكب جرائم وحشية في صربيا والمجر وقتل الآلاف واستعبد 70 ألف شخص خلال غزواته، مما أدى إلى كراهية أهل البلدين لكل ما يمثله الأتراك، وعلى رأس ذلك الإسلام الذي رفع الأتراك شعاراته جهلا.

من رحم المعاناة التي عاشها شعب المجر، خرج بطل يدعى هونياد تصدى لجرائم العثمانيين، وكان حاكم إقليم ترانسلفانيا وقائد جيش المجر. هونياد خاض معارك ضارية مع العثمانيين وأنزل بالسلطان مراد الثاني خسائر فادحة، من بينها الهزيمة التي أنزلها بجيش عثماني حاصر مدينة هرمان ستاد، وقتل منهم 20 ألف جندي.

مراد الثاني قرر الثأر لكرامته أمام هونياد، وبعث إليه بجيش قوامه 80 ألف مقاتل بقيادة شهاب الدين باشا، إلا أن الهزيمة كانت من نصيبه ووقع في الأسر، وسار السلطان بنفسه لقتال هونياد، لكن عار الهزيمة لاحقه في مدينة نيش وفر مراد الثاني.

السلطان اضطر إلى توقيع معاهدة صلح مع هونياد، عام 1443 بعد أن فقد كرامته وتنازل عن الحكم لابنه محمد، البالغ من العمر 14 عاما، وعاد إليه مرة ثانية بعد 3 أشهر.

في ألبانيا، ثار البطل الوطني إسكندر بك على الاحتلال العثماني عام 1445، وتصدى لجيوش مراد الثاني وحافظ على استقلال بلاده لعدة سنوات، ولم يستطع العثمانيون احتلال ألبانيا مرة ثانية إلا بعد وفاة إسكندر بك عام 1468.

البندقية حققت انتصارات على السلطان، واضطر إلى استرضائهم حتى لا يتحالفوا مع المجر، وكان مراد الثاني يخشى قوة البندقية البحرية ولم يكن لدى العثمانيين أسطول بحري قوي بعد.

مراد وقع معاهدة مع البندقية حصلوا فيها مكاسب وهي عدم تدخل السلطان في شؤون الجزر والقلاع الواقعة في منطقة البلوبونيز (جزر جنوب اليونان) وحرية التجارة والملاحة في أراضي السلطان.

المصادر :


Qatalah