يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


تحت ذريعة مساعدة قوات الأمن في الريف، شكلت الحكومة التركية أقوى ميليشيا لقمع القرى الكردية بأيدى أبنائها "الخونة"، وهي وحدة شبه عسكرية، مؤلفة من عناصر كردية موالية، ينفذون تعليمات النظام القمعي ضد أهلهم بإذعان كامل، حيث يقاتلون إلى جانب الجيش التركي وقوات الأمن في أية مهمة وأي موقع: داخل المدن والقرى وعبر الحدود مع سورية والعراق.
في العام 1985، ومع بدء حزب العمال الكردستاني صراعه مع الحكومة أسس الرئيس التركي السابع قائد انقلاب 1980 كنعان إفرين، ميليشيا "حراس القرى"، ووصفوا في البداية بأنهم "حراس البلاد والغابات"، وعرفوا أنفسهم بأنهم مدنيون يساعدون قوات الأمن في الريف، لكن بعد ذلك وخلال وقت قصير كشفوا عن هدفهم الأساسي وهو مساعدة جيش أنقرة على محاربة عناصر الحزب الكردي في المعارك الصعبة داخل المناطق الجبلية.
تقول تقارير إعلامية إن الاستخبارات التركية قررت الاستعانة بهؤلاء الأكراد المدنيين في تلك المعارك، بسبب معرفتهم باللغة الكردية وطبيعة الأرض.

وعد كاذب
قبل 16 عاما، ومع بزوغ نجم الرئيس التركي رجب إردوغان، وعد بإلغاء "حراس القرى" باعتبارها ميليشيا مسلحة تقتل بيد الدولة، وتمارس القمع ضد الكرد في معاقلهم، إلا أنه وكعادته لم يف بوعده، بل زاد تجنيد الموالين في هذه الميليشيا، وعزز ارتباطها بالجيش من خلال تغييرات هيكلية في التنظيم.
أدرك إردوغان جيدا أهمية الميليشيا في صراعه مع المواطنين الأكراد، فأعاد هيكلتهم وأجرى تعديلات جوهرية في تشكيلهم، بعد انهيار وقف إطلاق النار، الذي استمر 30 شهرا بين الحكومة وحزب العمال، في يوليو 2015.
مع انتشار العمليات العسكرية في المناطق الكردية في العامين التاليين، كان  حراس القرى يقاتلون إلى جانب العسكر في ساحة ديار بكر، كما تم الاستعانة بهم لتمشيط الشوارع التي لم تتمكن فرق الجيش الخاصة من الوصول إليها.
أبرز خدمات ميليشيا الحراس للنظام كانت عام 2015، خلال الانتخابات البرلمانية المبكرة، التي انتهت بفوز حزب العدالة والتنمية بنسبة 49.49% من الأصوات، ليتمكن من تشكيل الحكومة منفردا، بحصوله على 317 مقعدا من أصل 555، حيث نفذت الميليشيا عملية إغلاق كل الطرق المؤدية إلى القرى، وداهموا مراكز الاقتراع بالأسلحة، وهددوا بقتل مراقبي الانتخابات التابعين لحزب الشعوب الديموقراطي الكردي، ذى الشعبية الكاسحة، ومنعوا مؤيديه من التصويت.
لعبت الميليشيا الدور نفسه في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية الأخيرة العام الجاري، والتي حصل خلالها إردوغان على 26 مليونا و330 ألفا و 823 صوتا بنسبة 52.59 %من إجمالي عدد الأصوات، ما مكنه من الاحتفاظ برئاسة الجمهورية لولاية ثانية.

رجب يرد الجميل
بعد فوزه، لجأ إردوغان إلى عملية تجميل شكلية لهذه الميليشيا، بتغيير اسمها سييء السمعة إلى "حراس الأمن"، وخفض سن تقاعد منتسبيها إلى 45 عاما، في محاولة لتجديد شباب المقاتلين، فجرى استبدال 21 ألفا بأكثر من 18 ألف حارس من كبار السن، لينخفض متوسط أعمار المقاتلين من 44 إلى 32، وتولت القيادة العامة لقوات الدرك مهمة إمداد الحراس باحتياجاتهم من الملابس والدروع والمعدات، بل ومنحهم بدلات يومية ومكافآت وأجور المشاركة في العمليات القتالية، فضلا عن التصريح لهم بحمل السلاح خارج أوقات الخدمة، كما أصدرت وزارة الداخلية بطاقات هوية جديدة عالية التأمين لهم ووزعت أكثر من ألف و500 هاتف محمول عليهم، وجرى ربط مرتباتهم بأجور موظفي الدولة.


وفر نظام إردوغان الحماية لميليشيا الحراس من الملاحقة القضائية، إذ تتولى السلطات التركية الدفاع عنهم، وعندما يتم تحريك شكوى جنائية تدين الميليشيا وتفضح جرائمها، يتولى مكتب حاكم المحافظة التي تتبع له الميليشيا بدفع الرسوم القانونية نيابة عن المتهم منهم وتتولى الدفاع عنه قانونيا، خاصة أنه أصبح متاحا لهؤلاء الأشخاص الالتحاق بالقوات المسلحة والارتقاء إلى رتبة ضابط. 
تقول الناشطة الحقوقية نورجان بايسال إن الصلاحيات والامتيازات التي منحتها أنقرة لهؤلاء القتلة، دفعهم إلى التمادي أكثر لتصفية حسابات شخصية والاستيلاء على أراضي وممتلكات المعارضين للحكومة، ما يدفعهم للفرار إلى المدن خوفا على حياتهم.

حرق وتهجير
قالت فريدريكا غيردينك، الكاتبة والخبيرة في الشؤون الكردية: "تم حرق قرى كردية بأكملها، وتهجير أبنائها في تسعينيات القرن الماضي؛ بسبب رفضهم الانضمام إلى حراس القرى، وكذلك معارضتهم لإردوغان".

وفقاً لجمعية حقوق الإنسان التركية، يمنع حراس القرى الأكراد النازحين من العودة إلى قراهم، كما قتلت عناصرهم 54 شخصًا كانوا في حفل زفاف في ماردين بسبب نزاع عائلي وبأسلحة مقدمة من الدولة التركية".

شاهد من أهلها
نقلت صحيفة "الجارديان" البريطانية عن نجاتي يلدز، أحد حراس القرى في منطقة هكاري الجبلية منذ عام 1998 قوله: "سنكون سعداء بإلقاء أسلحتنا إذا طُلب منا ذلك، لكن نحتاج إلى ضمان اجتماعي، ودفع رواتبنا كأي موظف دولة".
يضيف: "لن توظف أي شركة في هكاري حارس قرية سابق، إذًا من أين سنأتي بمصدر رزقنا، لقد تم استخدامنا كأدوات من قبل النظام التركي لتحقيق أهدافه"، متابعًا: "لقد استخدمنا النظام في حربه ضد أكراد حزب العمال، لهذا لا يمكن للحكومة أن تتخلى عنا ببساطة، وليعلموا أن الرجل الجائع أكثر خطورة بمئات المرات من أي مقاتل في الحزب الكردستاني".

العدد مجهول
لا بيانات دقيقة عن أعداد "الحراس"، وفي عام 2015 قال وزير الداخلية سلامي ألتونوك إن عدد حراس القرى في 22 مدينة شرق وجنوب شرق البلاد وصل إلى 5000 شخص، وهو رقم متواضع لأن عدد حراس القرى المؤقتين بلغ في عام 2014 حوالي 48 ألف مجند، بالإضافة إلى 25 ألف متطوع في 22 محافظة، حسب تأكيد "بايسال".
وفي مقال للصحافي التركي جونجور أراص بصحيفة ملييت، نشر عام 2009، قال إن عدد حراس القرى وصل إلى 71 ألفا، مشيرا إلى أنه في الفترة ما بين أعوام  1985 و2009 انضم للميليشيا نحو 123 ألف عنصر.
أراص أوضح أن تأسيس الميليشيا يعود إلى عام 1924، بموجب قانون رقم 442 الذي شرعه أتاتورك، ونص على أن هؤلاء المسلحين سيتولون حماية أرواح وأعراض وأموال الأشخاص، في مهمة مشابهة لقوات الدرك، وخلال عام 1985 تم إضافة مادة جديدة للقانون منحت هذا التجمع شكل المؤسسة.
يؤكد الكاتب أنه كلما زادت المناوشات بين الحكومة وحزب العمال زاد عدد هؤلاء الحراس وحضورهم في المشهد لقمع أعداء الرئيس.

Qatalah