يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


من غرائب محاولة مسرحية الانقلاب في تركيا صيف 2016 - وكلها غرائب - أنها كشفت عن حالة استقطاب شديدة، من مؤيدي رجب إردوغان، فجميعهم متطرفون، يرون في قائدهم "الديكتاتور"، المخلص، والخليفة المنتظر.. أحد أبرز هؤلاء الداعية السعودي ناصر العمر.

ناصر بن سليمان العمر.. تربى على أرض المملكة السعودية لكنه تشرب المنهج الإخواني وتحول إلى أداة لتنفيذ مخططات العثمانلية الجديدة في الوطن العربي، وهو من مواليد قرية المريدسية في مدينة بريدة بالمملكة العربية السعودية عام 1952 ، درس في كلية الشريعة الإسلامية في الجامعة ثم عين معيدا في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بكلية أصول الدين قسم القرآن وعلومه، ثم حصل على درجة الماجستير والدكتوراة من كلية أصول الدين، لكن بعدما تربى ودرس وعمل في السعودية أبى إلا أن يكون ولاؤه لتركيا وخدمة مشروع رئيسها رجب إردوغان التخريبي.
في عام 2010، احتضنت مدينة إسطنبول مؤتمر" السلفيون وآفاق المستقبل" وحضره عدد كبير من رموز السلفية في العالم العربي لكن أبرز شخص حضر المؤتمر وتزعمه كما لو كان ممثل السلفية أمام السلطات التركية الشيخ ناصر العمر.
المؤتمر الذي استمر ثلاثة أيام ظهر فيه إلى جانب العمر نماذج لا تنفي علاقتها بالإخوان كـ محمد يسري إبراهيم السلفي المصري الذي ترشح في أول انتخابات بعد أحداث 25 يناير 2011 على قوائم حزب الحرية والعدالة الذراع الإخوانية في مصر.

إخواني الهوى
ناصر العمر الذي يقبع الآن في سجون السعودية لا يجد إلا الإخوان حلفاء الماضي للدفاع عنه، ومن داخل قنواتهم التي افتتحتها تركيا لهم لتكون منصة استهدافهم للدول العربية، راح الإخوان يهاجمون المملكة التي يحرص نظامها القضائي في كل نصوصه وتصريحاته على تأكيد التزامه بضوابط القوانين وعدم المحاكمة دون أدلة ووقائع اتهام حقيقية.
العمر ارتمى في أحضان الإخوان منذ القدم ولكن ظهرت علاقته بالتنظيم بعد أحداث الخامس والعشرين من يناير في مصر حيث أطلق فتواه التي تطالب بالمشاركة في الانتخابات والاستفتاءات لإنجاح تجربة الإخوان في مصر، قائلا: "الكفر لا يجوز الإقدام عليه إلَّا في حال الإكراه، لكن الفقيه هو الذي يفرق بين المفسدتين بالدوس على أدناهما".
كما أطلق فتاويه لدعم الجماعة إبان ثورة 30 يونيو 2013، حيث وصف الثورة المصرية بـ"الانقلاب على الشرعية"، محذرًا من خطورة الخروج على الحاكم، ومهددًا بسيلان الدماء في مصر إذا لم يتم الرضوخ لحكم الإخوان الذين عاثوا فسادا في مصر وكادوا يهلكونها.
كما تحالف مع الإرهابي يوسف القرضاوي لنشر الفتاوى المضللة، وذلل فتاويه الدينية من أجل خدمة مصالح جماعة الإخوان، كما اعتبر مهرجان الجنادرية مكانا لإشاعة المنكر ومحاصرة المعروف.
وكان العمر أيضا لسان الإرهاب في سورية التي اعتبر الكيانات الإرهابية بها تقاتل في سبيل الله، وقد أعلن الولاء لجماعة الإخوان ودعم مواقفها المعادية للدول العربية، كما حرّض على الجيش المصري بعد عزل مرسي في ثورة 30 يونيو، وانتقد إصلاحات الملك سلمان لتأليب الشارع السعودي ضده، وحاول النيل من سمعة المملكة.


تشجيع الإرهابيين
دأب العمر على مناصر الإرهاب ودعم الجماعات التكفيرية المتطرفة وهو ما تستند عليه سلطات السعودية في محاكمتها له حاليا، ففي 2013 قال العمر مخاطبا المجاميع الارهابية المسلحة في سورية: "إذا ألجأت الضرورة المجاهدين في العراق والشام خلال المواجهات مع الشيعة، فعليهم كشف عوراتهم وذلك لأجل التخلص منهم".
لم يتوقف عند ذلك بل زعم أن هذه الأفعال المشينة فعلها الصحابة، ووفقا لما أوردته وكالة (نادي المراسلين) العالمية للأنباء، أضاف العمر: "إن هذه الحيلة قد قام بها الصحابي عمرو بن العاص ونجا بنفسه وذلك حين واجهه الخليفة الرابع علي بن أبي طالب، وشدد الشيخ ناصر العمر في حديثه لمن سماهم بالمجاهدين "عليكم بكشف عوراتكم حين مواجهة الرافضة، كي تحفظوا حياتكم".
ويرجع مواقف العمر لتأييد الإرهابيين وحمايتهم وتشجيعهم إلى الفكر التكفيري، ففي عام 2011 أصدر عبدالعزيز بن ناصر الجليل كتاب "التربية الجهادية في ضوء الكتاب والسنة"، حاول فيه تلافي الأخطاء التي وقعت فيها الجماعات الإرهابية، وأراد ترتيب صفوفهم من جديد، ومنعت المملكة السعودية طباعته لديها نظرا لاحتوائه على دعوات تكفيرية، ورغم ذلك فقد احتفى به ناصر العمر احتفاءً كبيرا واعتبره نصرا مؤزرا لفصيله ونصحهم باقتنائه وتعليمه لأبنائهم.
الكتاب التكفيري الذي روّج له العمر على موقع "المسلم" يحتوي على تكفير للمسلمين وحكامهم لأنهم حسب وصف الكاتب لا يطبقون الشرع وهو المنهج الذي رسمه سيد قطب للإخوان المسلمين للسطو على الحكم تحت زعمه، بالإضافة إلى ادعاء كفر جميع الدول الإسلامية وأنه لا توجد اليوم دولة إسلامية. 
في منتصف عام 2013، عندما أعلن إدراج جبهة النصرة على قوائم الإرهاب الدولية، أبدى العمر استياءه، وقال: "إن كل من يرفع راية الجهاد سيطلقون عليها إرهابيا مثل أحرار الشام ونحوها من الفصائل الإرهابية والمسلحة في سورية.. كثيرا ما يكون تصنيف جمعية أو جماعة سواء في الشام أو فلسطين أو العراق كجماعة إرهابية شهادة لهم بأنهم يقاتلون في سبيل الله وقال: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ )".
وشجع العمر الإرهابيين بالمضي قدما في طريقهم لتنفيذ مخططات تركيا التي ترعاهم جميعا منذ القدم، ونصح هذه الجماعات الإرهابية بعد إدراجهم كإرهابيين  بـ"ألا يلتفتوا إلى هذه التهم إذا كان منهجهم صحيحا على الكتاب والسنة"، وفق تصريحاته وقتها.

وفي لقاء معه عندما سئل العمر عن الخوارج والإرهابيين وعن كيف ينظر للجماعات التي أدرجت أوستدرج كمنظمة إرهابية، قائلا: "أحيانا يكون تصنيف إخواننا أنهم إرهابيون شهادة لهم لأنهم مجاهدون في سبيل الله".
وكان من أول من دافع عنهم وذكرهم العمر هيئة تحرير الشام التي كونتها ورعتها تركيا وتدين لها بالولاء الكامل، وهي جماعة منشقة عن تنظيم القاعدة، باتت الهدف الأكبر للقوى الدولية في سورية، بعد سيطرتها على مدينة إدلب الحدودية.




وحسب "الإندبندنت" تعتبر مدينة إدلب آخر موقع متقدم للإرهابيين في سورية، مشيرة إلى أن توقعات شن قوات الجيش العربي السوري تلاشت، بعد توقيع اتفاق لوقف إطلاق النار في سوتشي سبتمبر الماضي.
منذ سبتمبر 2018 وحتى الآن، نفذت هيئة تحرير الشام العديد من العمليات الإجرامية، وبسطت سيطرتها على مناطق شاسعة في إدلب، تحت أعين قوات إردوغان، وبمساعدته. تسيطر هيئة تحرير الشام على إدلب، التي يسكنها 3 ملايين شخص، وتتحكم في التعليم ومصادر الطاقة في المنطقة، وتنتشر في شوارع المدينة لافتات تحرض على ممارسة الإرهاب، وتجبر النساء على ارتداء الحجاب، والرجال على الصلاة في المساجد، واستولت الهيئة على المدينة منذ بداية العام الماضي، وكونت ميليشيات صغيرة تحارب بها تنظيم "داعش".

الدفاع عن تركيا
على موقعه "المسلم" يقول العمر تحت عنوان "قراءة في الرؤية التركية لمنطقة الشرق الأوسط"، إن الرؤية التركية تعبّر عن اهتمامها بمنطقة الشرق الأوسط، بالأساس، من منطلق الاستجابة للموقع الجيوسياسي الذي يفرض على تركيا الاهتمام بالاعتبارات الإقليمية المحيطة كمصدر تهديد للأمن القومي أو لإقامة علاقات اقتصادية ذات فائدة للصالح الوطني أو كمجال للحركة والنفوذ الإقليمي والدولي.
يضيف: "وهو ما يتطلب منها مزيدا من الانخراط في هذه الاعتبارات لاسيما أن تركيا تعد تقليديا، جزءا من المنطقة بحكم واقعها الجغرافي والتاريخي والثقافي، و يدرك المسؤولون الأتراك حجم و طبيعة التطورات الإقليمية التي جرت في المنطقة منذ الحرب على العراق والاحتلال الأنجلو أمريكي لأراضيه".
وينتهي من كل هذا المدح والتعظيم لدور وأهمية تركيا إلى ضرورة انقياد العرب والمسلمين لها وتسليم أراضيهم لاستباحتها من العثمانيين الجدد قائلا: "إن تشديد تركيا على المشاركة في ترتيب أعمال المنطقة ورسم تصورها المستقبلية ليس بالأمر المستجد".
يتابع: "ولكن الجديد هو المدى الذي ستندفع فيه تركيا، والذي لن يقتصر بالتأكيد على الجوانب الاقتصادية والسياسية بل قد يتعداه إلى الجوانب الأمنية أيضاً، خصوصاً أن تركيا تحتل وضعاً استراتيجياً حساساً… وتتميز تركيا بمقدرتها على التعامل مع الدول العربية والإسلامية من خلال مسالك وأساليب متنوعة".
وكشف العمر عما وصل لديه من مستوى الوهم بالمشروع الإردوغاني لإعادة الإمبراطورية العثمانية الغابرة، حيث كتب بعد مسرحية الانقلاب في 15 يوليو 2016، "إلى إردوغان! من أعظم الشكر على هذا النصر أن تسعوا لأسلمة أنظمة بلادكم، ونبذ القوانين العلمانية (لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد)".
وفور انتشار تدوينة العمر عبر رفقائه من  الإخوان المسلمين المنتشرين على وسائل التواصل الاجتماعي، رد الكاتب التركي إسماعيل ياشا برسالة شديدة اللهجة على العمر، رافضا تدخله غير المقبول في الشأن التركي، مغردًا: "يا ليت ناصر العمر يخرس ولا يزايد". الأمر الذي لاقى ردود فعل واسعة بين مغردي المملكة.
السعوديون أيدوا إسماعيل ياشا ورفضوا منهج العمر الموالي للإخوان المتجاوز للأنظمة والحكومات والدول، وأكدوا على نهج المملكة المعروف بتجنب التدخل في شأن البلاد الشقيقة الداخلي، وطالبوا الدعاة بعدم التعليق على ما يجري من أحداث في تركيا.


نشر السلفية
في مقابل عمل ناصر العمر ورفاقه من السلفيين الموالين للإخوان المسلمين، أوهم إردوغان المتطرفين بفتح المجال لهم لنشر دعوته المتطرفة في العالم الإسلامي، وفي تركيا سمح لهم ببعض الانتشار وأعطاهم مساحة أكبر للتحرك.
البداية الحقيقية لدخول الفكر السلفي في تسعينيات القرن الماضي، لكن مع وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم 2002 فتح إردوغان البلاد للعمر ورفاقه السلفيين، وينقل موقع العمر "المسلم" عمن سماه أبرز مؤسسي الفكر السلفي في تركيا الشيخ عبدالله الأثري (تركي الجنسية) يقول : "الحمد لله تمكنا خلال 17 سنة تقريباً (سنوات حكم العدالة والتنمية) من العمل على الانتشار، أسسنا دار نشر وطبعنا من 65 إلى 70  كتابا ومجلّدا وكتيّبا، ولدينا 35 مطوية وأصدرنا بعض الأشرطة، ونحاول أن نختار الكتب في العقيدة والدعوة والمنهج الصحيح، وعرض ما لا يؤدي إلى مواجهات أو  يحمل اختلاف".
عبدالله يولجو أو عبدالله الأثري كما يلقب نفسه، من أصول تركمانية عراقية، له كتابان شهيران هما "الإيمان حقيقته، خوارمه، نواقضه عند أهل السنة والجماعة" و"الوجيز في عقيدة السلف الصالح أهل السنة والجماعة"، وترجم العديد من الكتب التي عادة ما يضاف إليها تفسيرات سلفية ككتب التفاسير مثل ابن كثير والتوحيد لابن عبدالوهاب، ومعظم كتب الألباني.
مكتبة الغرباء التي ترتبط بالعمر بشكل وثيق وتنشر مؤلفاته المتطرفة بشكل مستمر، وتقع في منطقة السلطان أحمد احتفت العام الماضي بكتب ابن تيمية بوصفها الأكثر مبيعاً في تركيا، وهي المكتبة التي ترجمت كتاباً يُعتبر الأشرس في نظرته للشيعة والثورة الإيرانية.
ترجمات الكتب السلفية من العربية إلى التركية شهدت زخما كبيرا خلال السنوات الماضية، ما جعل أحد دعاة السلفية يقول في تصريح نقله موقع المسلم السلفي عام 2015: "قبل 13 أو 15 سنة، لو سألتني كم عدد السلفيين الموجودين في تركيا، لقلت لك إنهم لا يتعدون أصابع اليد، أما الآن، فإن الذين أعرفهم فقط أكثر من ألف والذين لا أعرفهم أكثر من ذلك".
ولا خلاف على قوة العلاقة بين سلفيي تركيا وحزب العدالة والتنمية وأهمية المصالح المشتركة بين الطرفين، السلفيون الأتراك يؤيدون إردوغان بقوة ويدينون له بالولاء بعد أن ساهم في الحضور القوي للحركة السلفية واعترف بها رسميا من قبل مؤسسة الشؤون الدينية التركية "ديانِت" بوصفها إحدى المدارس السنية.

لماذا لا يعاقبون
الكاتب السعودي محمد آل الشيخ، وتحت عنوان "لماذا لا يعاقبون"، قال: "إن المدعو ناصر العمر أصدر كتابا تحريضيا على المواطنين الشيعة سماه (واقع الرافضة في بلاد التوحيد) شن فيه على الشيعة حملة تكفيرية، رغم أنهم مواطنون أصيليون من مواطني المملكة، ومكوّن أساس من مكونات شعبها، ومثل هذه الدعوات الضالة المضللة في قواميس المواطنة، هي ما سهل على (داعش) فيما بعد استقطاب سعوديين لتفجير مساجد الطائفة الشيعية في المملكة.
أضاف: "وغني عن القول إن الجهاد المشروع في الإسلام أن يكون تحت راية ولي الأمر أو بإذن منه، وبالتالي فإن كل من دعا إلى الجهاد تمردا على ولي الأمر، سواء من خلال خطبة أو بيان معلن، أو كتاب مدون أو من حرض على مكون من مكونات المواطنين، أو دعا إلى ثقافة البغضاء والكراهية ليوغر بها الشباب ويمهد لتجنيدهم للحركات الإرهابية، فيجب محاكمته، لأنه ساهم مساهمة محورية في تهيئة الأجواء والأنفس لخدمة الإرهاب".

واستطرد: "والسؤال الذي يبحث عن إجابة: لماذا لا يعاقب هؤلاء؟.. القرضاوي ليس في الإمكان محاكمته وعقابه، لأنه يعيش في دويلة تتماهى مع ما يدعو إليه، أما المحرضون السعوديون، فحان وقت محاكمتهم ومحاسبتهم، لا سيما أن الأدلة التي تدينهم، وتدين ممارساتهم الإرهابية والتمردية وعلاقاتهم (المشبوهة) بمهد الإرهاب قطر تدينهم، وتجعل عقابهم من أوجب الواجبات"، حسب صحيفة المرصد.

 

Qatalah