يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


في يوم بارد يليق بأجواء مارس الشتوية، خرج مراسل صحافي يبلغ من العمر 19 عامًا من منزله في محافظة أورفة التركية بتكليف من رئيسه في الصحيفة لتغطية خبر عاجل في بلدة سيفريك، ولم يتصور المراسل الفتى وقتها أنه سيصبح مادة خبرية جيدة.
خرج المراسل الصغير ناظم أوغلو في 12 مارس 1994 لرصد انتهاكات حراس قرية بوجاك بحق سكان المقاطعات بأوامر مباشرة من وزير الداخلية التركي محمد أغار الذي أمدهم بالأسلحة، وولى عليهم زعيمهم سادات بوجاك، فعاثوا في المدينة فسادا وفتحوا نيران بنادقهم في السكان العزل.
في الطريق إلى البلدة المنكوبة، والتي كانت تحتضن نسبة كبيرة من الأكراد، تأمل المراسل الصغير في كلمات وزير الداخلية: "لقد قمنا بألف عملية من أجل الدولة"، وكانت تعني له "عمليات تعذيب وقتل وقطع أرحام وتيتيم أطفال" بحق أعضاء حزب العمال الكردستاني وكل من هو كردي.
منذ ذلك التاريخ فقدت أسرة "أوغلو" وصحيفته الاتصال به تماما، ولم يعثر له على أثر بعد مرور أكثر من 24 عاما على الواقعة، ليسطر اختفاؤه فصلا جديدا من فصول التنكيل بالصحافيين الذين تجرأوا على دس أنوفهم لرصد عمليات القتل الممنهج بحق الأكراد وكشفها أمام العالم.

شهادات القتل
ظلت شهادات حادثة اختفاء ناظم أوغلو طي الكتمان، ولم يسمح للصحافة بالنشر فيها، وأصبح الجميع في دوامة من الأفكار والتوقعات، وتعددت روايات الشهود، وبات لكل واحد قصته عن اختفاء الصحافي الصغير، حتى استطاع أحدهم أن يقدم شهادة متماسكة بفضل وصفه الدقيق لملابس "أوغلو" وهيئته يومها.
ذكر الشاهد الذي اشترط عدم الكشف عن هويته للمسؤولين في الصحيفة تفاصيل واقعة اختطاف أوغلو، وقال: "لقد رأيته في بلدة سيفريك، رأيته وأنا متجه إلى البلدية. لقد كان طويل القامة ذا نظارات، ورأيت حراس قرية بوجاك وهم يضعونه داخل سيارة".
آخر الشهادات المقدمة حول اختفاء "أوغلو" كانت في عام 2011، وقدمها أيضين سافينتش الذي قضى عقوبة الحبس داخل أحد سجون مدينة أرضروم التركية، وأرسل خطابا إلى مكتب مدينة أورفة، جاء فيه أنه كان "يعمل لصالح المخابرات ومكافحة الإرهاب في الشرطة، وأنه شهد واقعة اختطاف وقتل الصحافي ناظم بابا أوغلو".
قال سافينتش في خطابه "اختطفوا ناظم بابا أوغلو في عام 1994 ثم قتلوه ودفنوا جثته"، وقامت سلطات المدينة بالبحث عن رفاته ولكنها لم تعثر على أي شيء، حتى توفيت أمه في عام 2017 دون أن تعرف مصير ابنها.
بعد مرور 24 عاما على اختفائه، لا يزال ناظم أوغلو في ذاكرة الصحافة التركية المنكوبة والمغلولة حاليا، وخصص الصحافي التركي فهمي كورو مقالته الأخيرة للحديث والتذكير بقصة اختفائه.

Qatalah