يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


وسط مقابر القاهرة القديمة، يغفو جسد العلامة العربي ابن خلدون بينما كلماته، التي أودعها مقدمة كتابه الأشهر في التاريخ المسمى (كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر)، تحتفظ بيقظتها وتألقها القديم، تحمل عبر صفحاتها ذات المقدرة السابقة على التأثير في السياسة، رغم مرور ما يزيد على ستمائة عام على وفاة صاحبها، فالرجل وضع التصور العام لسقوط الدول الظالمة، لذا لم يكن غريبا أن يطارد العثمانيون كتاب المؤرخ والعلامة العربي، بعدما أكد الكثير من المصلحين أن نبوءاته تصيب السلطنة الفاسدة في مقتل وتؤشر لزوالها لا محالة، وهو ما تحقق على أرض الواقع.
من أبلغ دلائل تلك الاستمرارية أن مقدمة ابن خلدون يمكن الاعتماد عليها حتى الآن في تفسير الظواهر السياسية والاجتماعية والتعاطي معها قبولا ورفضا، من ذلك مثلا ما جرى في الحقبة الأخيرة من الدولة العثمانية خلال عصر السلطان عبد الحميد الثاني، حيث واجه زعمه بخلافة المسلمين ردود بحثية قوية من داخل العالم العربي ترفض خلافته استنادا على مباحث ابن خلدون في "إمامة قريش" ووجوبها، وقد كان من أثر الردود أن أقدم عبد الحميد على حجب مقدمة ابن خلدون ومنعها من التداول.
ويرى الأكاديمي التركي، علي آغجاكولو أن مقدمة ابن خلدون قدمت بعض الوصفات التي حذرت من انهيار الإمبراطورية العثمانية، على الرغم من أن ابن خلدون توفي العام 1408 إبان صعود العثمانيين، فيما بدأ المفكرون العثمانيون أمثال العالم كاتب شلبي والمؤرخ مصطفى نعيمة في استخدام أفكار المؤرخ وعالم الاجتماع العربي إبان ركود الإمبراطورية في القرن السابع عشر، حيث حذروا من أن نظرية ابن خلدون في صعود الدولة وانهيارها تنطبق على العثمانيين، كما كانت أفكار ابن خلدون مرجعا لرجل الدولة والعالم العثماني أحمد جودت باشا (1822-1895) في محاولته الإصلاحية، لكن السلطة الرسمية قاومت ذلك، الأمر الذي جعل الدولة العثمانية الرافضة لأي تحديث تطارد المقدمة وصاحبها وترفض نشرها لعقود.
أحد أهم أسباب الرفض العثماني لمقدمة ابن خلدون هو نص الأخير صراحة على ضرورة النسب القرشي في من يتولى منصب الخلافة، الأمر الذي بدد أحلام العثمانيين في تولي المنصب الرفيع، حيث أشار لطفي باشا أحد وزراء سليمان القانوني في أحد كتبه أن رأي ابن خلدون لا يسري سوى على الخلفاء الراشدين الأربعة الأوائل فقط، لذا رفضت إسطنبول ترجمة المقدمة إلى التركية حتى منتصف القرن الثامن عشر، ثم سمحت بترجمة ناقصة تم حذف الكثير من أجزائها التي تعارض سياسات العثمانيين، وعندما ترجمت بشكل كامل في نهاية القرن التاسع عشر قرر عبد الحميد الثاني منعها من التداول، بينما كانت الدولة في طريقها للانهيار فعليا.



عثمان المؤسس وإردوغان المجدد 

من زاوية الحظر الذي مارسه عبد الحميد الثاني يمكن تبين صلة بين تركيا أواخر القرن التاسع عشر وبين أفكار ابن خلدون، ولا تكمن أهمية تلك الصلة فقط في أنها استخدمت لدرء دعوات الجامعة الإسلامية التي أطلقها عبد الحميد، إنما في كونها تقدم  تفسيرا لتاريخ تركيا في نسختها "العثمانية" القديمة، وصيغة تنبؤية تتعلق بمستقبلها في نسختها "الجمهورية" الحالية والتي تعد في عصر الرئيس الحالي رجب إردوغان امتدادا للأولى.
طور ابن خلدون في مقدمته نظرية خاصة بالدولة تعرف بـ"الأطوار الخمسة"، يذهب خلالها إلى أن أية دولة تتنقل بين مراحل عمرية تتشابه وتلك التي يعبرها الإنسان من الطفولة إلى الشباب إلى الكهولة، وأكد أن الطور الأول هو الظفر، وتنتصر فيه العصبية القبلية المؤسسة للدولة، ثم يأتي الاستبداد في الطور الثاني، وفيه تعني الدولة بالتخلص من حلفاء لحظة التأسيس واستحداث نخبة علاقتها أكثر تبعية بالحاكم.
أما الطور الثالث، فهو الفراغ والدعة، ويخلع فيه الحكام ثوب التوسع العسكري ويميلون إلى البذخ والترف، لتدخل الدولة في الطور الرابع، بالقنوع والمسالمة، ويرضى خلاله الحكام بمسالمة الدول المجاورة. ثم الطور الخامس والأخير مع مرحلة الإسراف والتبذير، وفيه يتلف السلاطين ما بناه الأجداد حتى "يستولى عليها المرض المزمن الذي لا تكاد تخلص منه، ولا يكون لها معه برء إلى أن تنقرض" كما يقول ابن خلدون. 
يمكن تبين أصداء "الأطوار الخمسة" بسهولة في التاريخ العثماني بين القرنين الرابع عشر والعشرين، كما تظهر آثارها في سياسات إردوغان اليوم.



من القبيلة إلى الدولة.. التوحش العثماني

يقابل "طور الظفر" عند ابن خلدون الفترة العثمانية التي تمتد من قيام الإمارة على يد المؤسس "عثمان" مطلع القرن الرابع عشر، وتنتهي بوفاة السلطان سليمان القانوني في ستينيات القرن السادس عشر والذي كان عصره ختاما للحقبة الطويلة  والمؤسسة للإمبراطورية الضخمة الممتدة بين قارات العالم القديم الثلاث. 
في تلك الفترة ظهر آل عثمان كجزء من العالم الكبير للبدو التركمان في الأناضول، وكانوا وفقا لابن خلدون مثل العرب والبربر في طور البداوة والتوحش القبلي الذي جعلهم بالنسبة لأهل الحضر والمدنية "الوحش غير المقدور عليه".
ظهرت الوحشية بكثافة في التاريخ العثماني المبكر عندما كان جيشهم يجوب الأناضول والبلقان مخلفا المذابح في حق سكان المدن، والغريب أنه حتى ابتلاع العثمانيين للإمبراطورية البيزنطية صاحبة الحضارة الزاهية لم تغير من سمة التوحش لديهم، إذ ظلت ملازمة لهم حتى عصر هجوم سليم الأول على مصر والشام عامي 1516 و 1517، وكانت المجازر في حق المسلمين من سكانهما سببا في دفع ابن إياس إلى وصفهم بـ"الهمج". 

سياسة استبدال النخب
"طور الاستبداد" يمكن ملاحظة تداخله زمنيا مع "طور الظفر"، الذي عمدت خلاله الدولة العثمانية إلى خلق "نخبة جديدة" تمكن آل عثمان من التخلص من رفقة الأمس من أمراء التركمان والذين مثلوا "النخبة القديمة". 
كان مراد الأول الأسبق في صناعة النخبة البديلة حين أسس نظام "الدوشرمة" من الأطفال المسيحيين الذين اختطفوا من بقاع الأناضول والبلقان وكون بهم الفرقة الأبرز في الجيش العثماني "الإنكشارية". 
في السياق ذاته، يبدو الرئيس التركي الحالى رجب إردوغان مخلصا لسياسات أسلافه من العثمانيين، فيعمد منذ وصول حزبه "العدالة والتنمية" إلى الحكم عام 2002 إلى تصفية النخبة العلمانية الضاربة بجذورها في المؤسسات القضائية والعسكرية والثقافية في الدولة، ثم استبدالها بأخرى جديدة عرفت نفسها منذ البداية باسم "العثمانيين الجدد" وهو اسم واضح الدلالة، بالإضافة إلى أن حملات الاعتقال المستمرة منذ مسرحية الانقلاب في 2016 إلى اليوم ليست سوى دليل على سياسة استبدال النخب. 



الترف العثماني: سلطان منعم وشعب جائع

يدخل "طور الفراغ والدعة" فيما سماه ابن خلدون أنه من "عوائق الملك"، حيث تنقلب القبيلة المؤسسة للدولة من الرغبة في التملك والرئاسة إلى "الدعة والراحة والأخذ بمذاهب الملك في المباني والملابس، والاستكثار من ذلك والتأنق فيه.. فتذهب خشونة البداوة، وتنشأ بنوهم وأعقابهم في مثل ذلك من الترفع عن خدمة أنفسهم وولاية حاجاتهم إلى أن تنقرض العصبية فيأذنون بالانقراض، وعلى قدر ترفهم ونعمتهم يكون إشرافهم على الفناء فضلا عن الملك". 
كلمات ابن خلدون تجد مقابلها منذ انتهاء عصر التوسع العثماني في القرن السادس عشر، إذ تحول اهتمامهم من وضع الخطط الحربية إلى التفكير في اقتناء الجميلات من الجواري وارتكاب الفاحشة في الصبيان المرد، مظاهر الترف دون قيود خلف الأسوار الحجرية العالية لقصور العثمانيين أخذت تأكل دولتهم على مهل لكن بفاعلية كبيرة. 
يتكرر الأمر اليوم مع إردوغان الذي يقدم نفسه أنه "السلطان الجديد"، حيث بدا أنه متمسك بكل شروط السلطنة ومظاهرها الناعمة مهما تناقض ذلك مع أزمة اقتصادية تضرب العملة التركية منذ شهور، وتؤثر بالسلب على قطاعات عريضة من الشعب، يبدو إردوغان منسجما مع أسلافه الذين تركوا الشعوب خاضعة جائعة بينما استأثروا بالخير كله، ولقد كان الإعلان عن بناء "القصر الأبيض" في أنقرة ووسط كل المشاكل الداخلية خير الأدلة على ما سبق. 

الذراع الدينية.. ميراث ممتد
في إشارته إلى التكوين السياسي والأيديولوجي للدولة، أكد ابن خلدون أن "الدعوة الدينية" تزيد قوة الدولة فوق قوة "العصبية القبلية"، ما ينطبق على العثمانيين الذين استخدموا مشيخة الإسلام والطرق الصوفية مثل "البكتاشية" للترويج الدعائي لحكمهم. 
أما إردوغان اليوم، فمن اليسير تبين رجوعه إلى "الأيديولوجية الإسلامية" للسلطنة العثمانية في سياق مضاد للعلمانية، تلك الأيديولوجية قال عنها وزير الخارجية السابق أحمد داود أوغلو في كتابه "العمق الاستراتيجي" إنها السبيل الأمثل لعودة أنقرة إلى مجالها الحيوي مثل العصر العثماني، سواء في العالم العربي والذي تنظر إليه باعتباره "حديقتها الخلفية"، أو بين مسلمي البلقان، ولعل تحول أنقرة إلى حاضنة لجماعات الإسلام السياسي لا يمكن قراءته بعيدا عن ذلك الإطار. 



عمر الدولة ونبوءات الانهيار

أشار ابن خلدون إلى أن عمر الدولة في الأغلب لا يزيد على ثلاثة أجيال أي حوالي 120 سنة بحكم أن الجيل الواحد عمره 40 عاما، ورغم أن الدولة العثمانية عمرت أكثر مما ذكر ابن خلدون ووصلت إلى حوالي 600 عام، لكن المدة الزمنية الطويلة لا تعكس قوتها الذاتية، بقدر ما توضح دخولها منذ نهايات القرن الثامن عشر في لعبة توازنات سياسية كانت هي الطرف المفعول به خلالها، فقد كتب للعثمانيين البقاء بسبب إصرار إنجلترا وفرنسا على عدم السماح لروسيا القيصرية بالاستحواذ على إسطنبول والدولة العثمانية.
أما تركيا اليوم، فلا بد من الإشارة إلى أن ثمة انتقالا حادا من قبل حكومة أنقرة من سياسة الـ"صفر مشاكل" التي نادى بها داود أوغلو إلى سياسة الـ"100% مشاكل" التي تتخذها تجاه جيرانها، ذلك التحول الخطير دفع العديد من المحللين السياسيين إلى القول بأن نزوع إردوغان إلى تنحية النظام الديموقراطي وتنفيذ حملات اعتقال واسعة في صفوف النخبة العلمانية يبشر بغليان كبير يجعل سلطته وحكومة حزبه على المحك. 
تبدو نبوءات الانهيار أوسع من مسألة الترف التي ذهب إليها ابن خلدون، حيث إن إعادة بناء النظام الحاكم في أنقرة عقائديا وسياسيا تمثل مغامرة غير محسوبة العواقب من إردوغان، ويظهر أن رهانه على الموقع الاستراتيجي لتركيا وعلاقاته الوثيقة مع الولايات المتحدة واللوبي الصهيوني الوسيط بينهما لا يضمن نجاحه في تنفيذ مخططه، لأن أميركا -مثل كل قوة عظمى قديما وحديثا- لا تركض سوى وراء مصالحها وقادرة على التخلي بشكل مفاجئ عن حليفها التركي إذا ما كان ذلك يعني فوائد لها في المدى القريب أو البعيد.

Qatalah