يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


أمام أعين أمهاتهم ذبح الأمير مراد إخوته الـ5 ليجلس على العرش ويديه تقطر الدماء، بينما وقفت والدته نوربانو أمامه وهي تأمر الجنود أن يلقوا بالرؤوس المقطوعة في حجور الأمهات المنتحبات. 

قبل 29 عاما من المذبحة استطاعت نوربانو أن تصل إلى قلب السلطان سليم الثاني، فضمها إلى جواريه عام 1545، لتنجب له في العام التالي الأمير مراد بمدينة مانيسا ، وتحصل على لقب "باش خاصكي سلطان"، ووالدة ولي العهد.

عقب وفاة والده عام 1574 تولى مراد أمير مانيسا صاحب الـ 28 عاما عرش آل عثمان، أما أمور الحكم فقد تركها للسلطانة الأم تديرها كيفما تشاء بعد أن ألقى بنفسه في أحضان الجواري، وغرق في الملذات والخمور. 

سلطنة الحريم
بات مراد الثالث ألعوبة بيد نساء القصر، ما جعل الوظائف مرهونة برغبات أمه نوربانو وزوجته صفية، ليتناوب في عهده على منصب الصدر الأعظم 10 وزراء بمعدل وزير كل عامين تقريبا.

السلطانة الأم ألهت ابنها المعروف بعشقه للنساء، اختارت له الجميلات من الجواري ليقضي في فراشه أغلب أوقاته، ما جعله يعاشر 40 جارية وينجب منهن أكثر من 100 أمير وأميرة.

اخترق اليهود القصر، وتحكموا في مفاصل الدولة عن طريق عشرات المستشارين الذين تم تعيينهم بالرشوة، فيما شغل  إبراهيم كاسترو منصب وزير المالية، وأشرف على عمليات تزييف العملة.

 اعتمد مراد على "إستر كيرا" في رسم سياسات السلطنة الخارجية، عينها مسؤولة عن جمارك إسطنبول، وهي الوظيفة التي مكنتها من تقديم امتيازات جمركية للبضائع الأوروبية بهدف ضرب الصناعة المحلية في الولايات العثمانية. 

صفية التي خطف جمالها  عقل مراد الثالث، جعلته يأمر بعتقها ويعلن زواجه منها ليرتفع مركزها من جارية إلى قادين ثم إلى باش قادين، أي أم ولي العهد، لتحتل المرتبة الثانية في الحرملك و تخوض صراعا قويا مع السلطانة الأم نوربانو، وتنفرد بالحرملك بعد وفاة السلطانة   في 17 ديسمبر 1583.

بات السلطان ألعوبة في يد صفية التي وضعت قواعد صارمة لحياته وعزلته عن الحكم، بعد أن دست أنفها في شؤون السلطنة، خاصة بعد تنصيب ولدها الأمير محمد وليا للعهد، فأغرقت الوزراء بالرشاوى لتضمن انحيازهم لها، فيما جلس السلطان في جناحه مع الجواري تاركا لها إدارة الدولة.

قتل صوقولو
شعرت صفية بخطورة الصدر الأعظم محمد صوقولو (حليف نوربانو)  الذي كان يرفض الانصياع لأوامرها، ما جعلها تقرر التخلص منه وتنصيب شمسي باشا، حرضت زوجها عليه، وألبت قلبه وهي تؤكد له خطورة الوزير على عرش آل عثمان.

مع شيخ البكتاشية دبر مراد مؤامرة قتل الصدر الأعظم، وأثناء وجود محمد باشا في قاعة الديوان بقصر الباب العالي طلب أحد الدراويش مقابلة الصدر الأعظم صوقولو باشا، وأثناء حديث الدرويش مع الباشا طعنه بسكين، فلفظ أنفاسه بعد معاناة استمرت ثلاث ساعات، ليموت في أكتوبر عام 1579. 

المعايير التي وضعتها السلطانة صفية لاختيار الصدر الأعظم، كانت جميعها تتعارض مع المصالح العليا للدولة، في مقدمتها ضعف الشخصية والسلبية والتقدم في السن ومصاهرة السلطان، وقبل ذلك كله الولاء المطلق والطاعة العمياء لها، فيما كان أي تباطؤ في تنفيذ رغباتها كفيلا بعزله في الحال.

سلطنة التنجيم
ورث مراد الثالث عن أجداده جنون العظمة، اهتم بتصوير مظاهر الثراء في قصر طوب قابي سراي، وجمع ألبومات صور تجسد جلوسه على العرش وحفلات الترف والبذخ من حوله، وأمر الرسام عبد الجليل شلبي الملقب بـ "لوني" برسم 437 لوحة لابنه شاه زاده بمناسبة حفلة ختانه.

سيطر التنجيم وتفسير الأحلام على عقل السلطان، فيما عثر على كتاب بعنوان "المنامات" من تأليف نوح أغا يحتوي على 1858 رسالة تروي كل واحدة منها حلما لمراد الثالث، سجلها السلطان بخط يده وأرسلها إلى "شجاع" شيخ الطريقة الخلوتية الذي اشتهر بتفسير الأحلام، فيما كان من عادة السلطان اليومية استدعاء المنجمين ومفسري الأحلام لتفسير رؤياه.

عالم الفلك الدمشقي تقي الدين بن معروف حاول إخراج الدولة من ظلام الدجل والشعوذة، أنشأ مرصد إسطنبول الفلكي عام 1578، ليحاكي مرصد "يورانيبورغ" الألماني، والذي أنشأه الملك فريدريك الثاني في عام 1573، جامعا حوله عشرات الطلاب لدراسة العلوم الحديثة، بعد أن قام بتجهيز المرصد بأحدث آلات، إلا أن السلطان أمره  بأن تقتصر أعمال المرصد على التنجيم. 

رفض تقي الدين الخضوع لإملاءات السلطان، جعل أحمد شمس الدين أفندي قاضي زاده شيخ الإسلام ينتهز الفرصة ويشن حملة معادية أفتى خلالها للسلطان بهدم المرصد ومحاكمة القائمين عليه.

في عام 1580أصدر مراد الثالث أوامره بهدم مرصد إسطنبول، الذي لم يمض على إتمامه ومباشرة الأعمال الفلكية فيه سوى عامين، فيما تم توجيه الاتهامات لتقي الدين الدمشقي بالكفر والهرطقة، بسبب آرائه ونظرياته الفلكية والعلمية، وعوقب بالإقامة الجبرية وعدم مزاولة البحث العلمي، لينتصر مراد الثالث لدولة الرجعية والتنجيم.

اقتصادي فاشل
السياسات الاقتصادية الفاشلة لمراد الثالث قادت الدولة إلى الإفلاس، ما جعله السلطان يلجأ إلى تخفيض قيمة العملة المتداولة أكثر من مرة، عن طريق إضافة معادن رديئة ما عرف بعمليات غش العملة، وأشهرها عام 1585، تزامنا مع فرض ضرائب باهظة على الرعية في مختلف الولايات، ما تسبب في هجر الحرفيين لعملهم والفلاحين لأرضيهم، وتجويع الأهالي.

سياسة غش العملة أدت لانخفاض قيمتها  بالسلطنة، تدنت في عهد مراد الثالث إلى الربع، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وزيادة التضخم، حتى عجز الناس عن توفير قوت يومهم، وسداد الضرائب، فلجأوا إلى الاقتراض من المرابين.

طلب مراد الثالث من أويس باشا -الوالي التركي على مصر- سد عجز الخزانة، ومره بزيادة ضريبة الميري (الضرائب السلطانية) المرسلة إلى إسطنبول إلى ثلاثة أضعاف، فانطلقت قوات فرسان السباهية تلهب ظهور الفلاحين العاجزين عن دفع الزيادة الجديدة، إضافة إلى ضريبة  الطلبة ، فيما قام الملتزمون بتعليق المشانق في القرى لإعدام الممتنعين عن الدفع.

رشوة القهوة
على نهج أجداده سار مراد الثالث، في التضييق على الحريات الشخصية للرعية، ولاسيما شرب القهوة، والتي رأى العثمانيون فيها خطرا على سلطنتهم، بحجة أنها تنبه العقل.

خشي السلطان من تجمعات الأهالي بالمقاهي أن تتطور لحركة معارضة شعبية، خاصة مع استمرار الأزمة المالية طيلة عهده، فيما تغير موقفه منها بعد أن أصبحت تدر عليه المال. 

اجتمع كبار تجار البن وقرروا السفر إلى إسطنبول للتشاور مع السلطان، تباحثوا مع الصدر الأعظم والسلطانة صفية، واتفقوا على تقديم رشوة مالية لمراد مقابل إصدار فرمان يبيح شرب القهوة وفتح المقاهي، ما تم بالفعل، ليفتي شيخ الإسلام بستان زاده محمد أفندي في العام 1590 بإباحة شرب القهوة، فيما صدرت الأوامر لرئيس الشرطة بعدم التعرض لشاربيها مرة أخرى.

عبث الإنكشارية
عجز مراد الثالث عن دفع رواتب جنود الإنكشارية، لاسيما بعد أن تمادى في إنفاق الأموال على الجواري، فأعلن الجنود العصيان والتمرد ثلاث مرات في عهده، قاموا بعمليات سلب ونهب في شوارع وأسواق إسطنبول، هاجموا المخازن السلطانية ونهبوها، ولم يتوقفوا عن عبثهم بأمن الرعية إلا بعد أن قدم لهم السلطان سبائك ذهبية ومجوهرات كهدايا، ووعدهم بعدم المساس برواتبهم مرة أخرى.

ضعف السلطان أغرى أغوات الإنكشارية عام 1588 بأن يطلبوا منه تسليم كل من "الباش دفتردار" أي وزير الخزانة، ومحمد باشا بكلر بك الروملي وهو حاكم الولايات العثمانية في أوروبا، بحجة أنهما قاما بصرف نقود فضية ناقصة المعيار ( مغشوشة).

رفض مراد الثالث تسليم الباش دفتردار ومحمد باشا بكلر بك، حتى لا يفتضح أمره، ما دفع الأغوات إلى فرض حصار حول قصور المطلوبين لمدة أسبوع، عجز خلاله السلطان عن حماية موظفيه ، خاصة بعد أن تلقى تهديدات من أغا الإنكشارية بالقتل إذا تدخل في الأمر، وفي نهاية الأسبوع خرج الجنود إلى الشارع برأسيهما.  

أهمل الإنكشارية المهام القتالية، تفرغوا لإرهاب الرعية في الولايات العربية، فذاقت بلاد الشام أهوال السلب والنهب والقتل على يديهم، فيما كان السلطان يرسل بعض الفرق من العاصمة لتقضي فصل الشتاء في الشام، فكانوا يغيرون على القرى والمدن وينهبون ويهتكون الأعراض ويخطفون النساء والأطفال في وضح النهار.

أصدر مراد أوامره بإحراق أية قرية أو مدينة تمتنع عن استضافة جنود الإنكشارية، ما أضرم النار في عشرات القرى في جبل الشوف وحلب وسائر مدن وقرى الشام.

الامتيازات الأجنبية
انحنى السلطان أمام قناصل الدول الأوروبية، لاسيما بريطانيا، التي منحها امتيازات سياسية واقتصادية عديدة، وأعطى شركة المشرق الإنجليزية التي كانت تتدخل في اختيار السفير البريطاني في إسطنبول حق احتكار الكثير من السلع عام 1582.

كانت الشركة تقوم بدفع رواتب السفير والموظفين في القنصلية في مقابل تقارير استخباراتية دورية عن السلطان ورجال الدولة، حيث اتخذت من المصالح التجارية ستارا لخلق موطئ قدم استراتيجي لبريطانيا في دول المشرق العربي.

خيانة المغرب
ذاع صيت ملوك المغرب العربي بزعامة السلطان عبد الملك السعدي، ونجحوا في صد هجمات القوات البرتغالية، ما جعل مراد الثالث يرتجف من قوتهم المتصاعدة، ليتخذ قراره بخيانتهم بتسهيل مهمة الجيوش البرتغالية في احتلال البلاد. 

بدلا من أن يرسل مراد جيشا لمساعدة مسلمي المغرب ضد الاستعمار البرتغالي في معركة وادي المخازن، استدعى السفير البرتغالي في إسطنبول، ودبر معه مؤامرة لتسهيل مهمة الجيوش في السيطرة على المغرب.

أرسل قائد الأسطول "رمضان العلج" في مهمة خبيثة لاغتيال عبد الملك السعدي على أرض المعركة، حيث بعث القائد العثماني أحد جواسيسه الذي ارتدى الزي المغربي ليقدم كعكا مسموما لعبد الملك وهو في طريقه إلى مدينة فاس، ليسقط السلطان المغربي صريعا.

فشل مخطط مراد في إثارة الفوضى بالمغرب لصالح حلفائه البرتغاليين، إذ تمكن أحمد المنصور الذهبي شقيق عبد الملك السعدي في قيادة جيوش بلاده، ونجح في تطويق القوات الصليبية، وحقق انتصارا كبيرا على البرتغاليين في معركة وادي المخازن عام 1578، ما أسهم في اتحاد البلاد وراء حكم السعديين، وعزز قوة الشعور المغربي المعادي للعثمانيين الخونة.

مراد الثالث أمر قائد الأسطول "قلج علي" بتجهيز حملة عسكرية لاحتلال المغرب عام 1581، إلا أن المنصور حشد جيشا مغربيا جرارا على الحدود الشرقية، وتمكن من صد قوات قلج وهزيمته، وأرغمه على الانسحاب والاعتراف بسيادة السعديين على المغرب.

Qatalah