يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


تصرفات لا تليق إلا بعصابة احتيال محترفة، تلك التي تعاملت بها حكومة الرئيس التركي، رجب إردوغان، والشركات التركية مع المستثمرين والسياح العرب في بلادهم، فبعد تقديم إغراءات وعناصر جذب لشراء وحدات سكنية في البلاد، لم تسلم الشركات التركية المشترين الوحدات التي تعاقدوا عليها أو ترد لهم الأموال التي دفعوها، في ضربة قاصمة لمصداقية اقتصاد أنقرة.

وفي وقت حاولت فيه حكومة إردوغان الاستعراض بما سمته "النهضة العقارية" التي تحققت في ظل حكم حزب العدالة والتنمية جاءت الأزمة الاقتصادية التي ضربت البلاد في أغسطس الماضي لتؤكد فساد الخطى التي سار عليها الحزب لإدارة البلاد اقتصاديًا.

قطاع العقارات كان واحدًا من أكبر القطاعات الخاسرة والمتضررة من الأزمة الاقتصادية، ويعود ذلك إلى تقديم البنوك التركية- بناء على طلب من إردوغان- قروضًا بفائدة مخفضة، ما أدى إلى انتعاش السوق العقاري بشكل هائل ومفاجىء فيما عرف باسم "الفقاعة العقارية" التي انهارت مع بدء الأزمة الاقتصادية في أغسطس 2018، ما أدى إلى تضرر آلاف المستثمرين والمواطنين العرب، وبينهم كويتيون.

حكومة إردوغان حاولت استقطاب العرب والأجانب للاستثمار في تركيا بمزاعم الاستقرار الاقتصادي والأمان، حتى إنها قامت بتعديل بعض القوانين لجذب أموال سكان الخليج العربي بالتحديد، فألغت الشروط المعقدة لشراء العقارات، ومنها إلغاء بند يمنع المستثمرين الأجانب من شراء العقارات في حال كانت دول هؤلاء المستثمرين لا تسمح للأتراك بشراء العقارات فيها.

نصبت الشركات التركية ومن خلفها حكومة العدالة والتنمية الفخ، وباعت الوهم للمستثمرين العرب بمشروعات عقارية لم تكتمل وجرى تجميدها، وتحولت مواقع إقامتها إلى مناطق خربة، لا وجود للبشر فيها، مع توقف الأعمال، وإفلاس الشركات القائمة على هذه المشروعات.


 
أبراج النصب 
مشروع النصب أو "الباباز" هو أبرز مثال على الاحتيال الذي تعرض له الكويتيون في تركيا، إذ أكد نحو 300 كويتي ممن تقدموا لحجز وحدات سكنية في المشروع أنهم لم يحصلوا على الوحدات التي دفعوا أثمانها، بالرغم من مرور أكثر من عامين على فترة استحقاق استلام هذه الوحدات.

مشروع "برج الباباز" كان يراود إردوغان والشركات التركية لإقامته كمشروع سكني وترفيهي في شكل مدينة تضم 732 فيلا مقامة على هيئة القصور الفرنسية، يصل سعر الواحدة منها إلى نحو نصف مليون دولار، على أن تشبه مدينة الملاهي "ديزني لاند" الأمريكية، لكنه تبخر مع الأزمة الاقتصادية، وبدلًا من تعويض المستثمرين تهربت الشركات والحكومة التركية.

في العام 2014 بدأت مجموعة "ساروت" العقارية التركية في تنفيذ المشروع الفاخر "الباباز" الواقع بالقرب من قرية "مودرون" بمدينة بولو شمالي تركيا، وعلى بعد نحو 200 كيلو متر شرق مدينة إسطنبول، على أن يتكلف نحو 200 مليون دولار.

المجموعة العقارية نجحت في إنشاء 587 مبنى فقط من أصل 732 تم التخطيط لإنشائها، ولكن مع اشتداد الأزمة الاقتصادية في تركيا، تراكمت الديون البالغة 20 مليون جنيه إسترليني على المجموعة العقارية، وأعلنت محكمة تركية إفلاسها في 20 نوفمبر 2018 .

نائب رئيس مجموعة ساروت العقارية مظهر ياردالان لم يقدم تفسيرات لعدم تسليم الوحدات للمستثمرين، وروج معلومات مضللة منها أن الأزمة "سببها عدم قدرة بعض المستثمرين على دفع أموال الفيلات التي اشتروها في المجمع السكني"، مضيفًا أنه تم بيع 351 فيلا للمستثمرين العرب.

في تصريحات أطلقها في أوائل العام الجاري تابع ياردالان: "هناك حل لهذه الأزمة، ألا وهو بيع 100 فيلا لسداد الديون، فإذا تم بيع هذا العدد، سيتم تجاوز هذه الأزمة في غضون 4 إلى 5 أشهر، وستتم إعادة العمل بشكل جزئي في المشروع، وسيتم افتتاح المشروع في أكتوبر 2019".

خارجية الكويت تتدخل 
بعد أن تأكد المستثمرون الكويتيون من إفلاس الشركة قدموا شكاوى إلى حكومة بلدهم ونظيرتها التركية، ما عزا بالخارجية الكويتية إلى إصدار بيان لها في منتصف يناير الماضي أكدت خلاله أنها تتابع أزمة مواطنيها الذين اشتروا عقارات في المشروع التركي "الباباز" ولم يتسلموا الوحدات التي تعاقدوا عليها، مشيرة إلى تفويض مكتب محاماة معتمد في الكويت لمتابعة القضية قانونًا.

البيان دعا المتضررين إلى تسجيل "مطالبهم المالية" خلال يومي عمل "حفاظا على حقوقهم"، منبهًا إلى أن سلطات نظام إردوغان حددت مهلة لإخبارها بأسماء المستثمرين المطالبين بتعويضاتهم حتى نهاية يناير 2019.

المستثمرون أكدوا في بيان صادر عنهم أيضًا أن عددهم 300 شخص، وأنهم يريدون حلا عاجلا من أجل استرجاع حقوقهم بعد مرور عامين على الموعد المفترض لتسلم الوحدات، مشيرين إلى أن استثماراتهم تقدر بأكثر من 50 مليون دولار، أي نحو 350 مليون ليرة.

المشترون أوضحوا أنهم تعاقدوا مع الشركة التركية عبر شركة كويتية في أحد المعارض التي أقيمت في الكويت، وكان العقد ينص على تسلم المشروع قبل تاريخ الأول من يناير 2017، إلا أن ذلك لم يتم حتى الآن.

المجموعة التركية "ساروت" لم ترد على طلبات الكويتيين ولم تتواصل معهم، حتى إنها اختفت فيما يؤكد تصرفها تهربها من المسؤولية ويضعها في خانة "الاحتيال" على عملائها الذين لم تصارحهم بالحقيقة.

لا أثر لها
وبالرغم من وجود موقع إلكتروني أنشأته المجموعة التركية للمشروع على الإنترنت باسم "أبراج الباباز"، متوفر بثلاث لغات، هي: التركية والعربية والإنجليزية، إلا أنها حذفت أغلب المعلومات الواردة فيه، كما أغلقت جميع وسائل التواصل الاجتماعي الخاصة بالمشروع، كأن المشروع لا وجود له.

المجموعة اكتفت بإتاحة معلومتين فقط عن المشروع مع صور تظهر مباني غير مكتملة الإنشاء. ومن المعلومات المتاحة على الموقع أن المساحة التي تباع للفيلا الواحدة تصل إلى 324 مترا، فيما أكدت تقارير دولية أن مشروع فيلات "أبراج الباباز" كتبت شهادة وفاته بإعلان القضاء التركي إفلاس المجموعة المديرة له (ساروت).

صحيفة "القبس" الكويتية أكدت في أبريل الماضي أن خسائر عقارات الكويتيين في تركيا وصلت إلى نحو 150% من قيمة شرائها لمن قام بعملية الشراء قبل 3 سنوات، وذلك نتيجة تراجع قيمة الليرة وفقدانها نحو 40% من قيمتها خلال العام 2018.

خسائر الكويتيين في تركيا لم تتوقف على العقارات التي يملكونها وبحوزتهم فقط، بل امتدت إلى العقارات في المشروعات التي ألغيت أو تجمدت مثل "الباباز"، مؤكدة وقوع الكثيرين من أبناء البلد الخليجي ضحية لتعثر شركات العقارات التركية.

ممتلكات الكويتيين من عقارات سكنية في تركيا بلغت في العام 2018 فقط نحو 2199 عقارا، وجاء أبناء الدولة الخليجية في المركز الخامس في قائمة الأكثر شراء بعد كل من: العراقيين والإيرانيين والسعوديين والروس.

الممتلكات العقارية للكويتيين في تركيا تنوعت بين فيلات وبيوت وشقق في المناطق السياحية، منها مدينة إسطنبول وبورصة وأنطاليا وإزمير، وانقسم ملاك العقارات بين مستثمر يسعى لتحقيق ربح من جراء شراء العقار، وسائح هدفه امتلاك مكان للإقامة حال القيام برحلات سياحية في تركيا.

الخداع التركي
وبعد أن قامت حكومة إردوغان باستقطاب المستثمرين الكويتيين عبر تعديلات قانونية، خانتهم أيضًا بتعديلات قانونية، فبعد الأزمة الاقتصادية أصدر إردوغان مرسومًا يمنع إبرام عقود بيع العقارات وتأجيرها بالعملات الأجنبية، ما أدى إلى خسارة فادحة لملاك العقارات الكويتيين الذين سعوا مثل أي مالك أجنبي لبيع عقارات بالعملات الأجنبية لتعويض خسائره من انهيار سعر صرف الليرة التركية بعد أن فقدت 40% من قيمتها.

وإجمالا، فقد بلغت خسائر الكويتيين من قضايا الاحتيال في قطاع العقارات خارج البلاد بداية من العام 2017 حتى نهاية العام 2018 نحو 3.5 مليار دولار، وكانت تركيا في مقدمة الدول التي شهدت هذا النوع من القضايا.

وزارة التجارة الكويتية أكدت أنها تتخذ إجراءات سريعة فور تقدم المواطنين بشكاوى إليها في هذا الصدد، موضحة أنها تعمل على التواصل مع الجهات المعنية في الدولة محل واقعة النصب، وتساعد المواطن في تحريك دعوى قضائية للحفاظ على حقوقه، محذرة من التعاقد على شراء عقارات في الخارج من دون الانتباه للقواعد التي تضمن عدم الوقوع في فخ "المحتالين".

إجمالي حجم الاستثمارات الكويتية في تركيا بلغ خلال العام الماضي (2018) ليرة نحو ملياري دولار، استحوذت العقارات على 70% منها على مستوى الشركات والأفراد بقيمة قدرت بنحو 1.4 مليار دولار.

خراب 
الأزمة الاقتصادية التي ضربت تركيا شلت قطاع العقارات الذي كان عاملًا أساسيًا في نمو وهمي للاقتصاد التركي في السنوات الأولى من حكم حزب العدالة والتنمية، ومنذ بداية الأزمة وحتى الآن لا يبدو أن هناك تحسنا في أوضاع القطاع أو الأوضاع الاقتصادية عمومًا في البلد الذي هجره المستثمرون وأغلقت فيه المصانع بفضل السياسات المالية الكارثية لنظام إردوغان، وصهره وزير الخزانة بيرات آلبيراق 

وزيرة التجارة التركية روهصار باكجان قالت إن هناك 846 شركة أعلنت إفلاسها من جراء الأزمة الاقتصادية في العام 2018، غير أن الرقم الحقيقي بلغ نحو 3 آلاف شركة، فيما أكد خبير الاقتصاد التركي في جامعة إزمير، ألبار دومان أن 3 من أصل 4 شركات في تركيا أصبحت تعلن إفلاسها أو تتقدم بطلب إفلاس.

مبيعات العقارات شهدت تراجعا حادًا في الشهور الأخيرة، وصلت إلى احتلال تركيا المرتبة الثالثة في قائمة الدول الأكثر تراجعًا بسوق العقارات بنسبة 7.6% للعام 2018، وفي يونيو الماضي انخفضت مبيعات القطاع بنسبة 48% مقارنة بالشهر ذاته من العام الماضي، وفق معهد الإحصاء التركي.

Qatalah