يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


بين مطرقة روسيا وسندان فرنسا، صارت السياسة الخارجية العثمانية، بسبب تخبط السلاطين، وأصبحت السلطنة ألعوبة بيد الساسة الأوروبيين، والسلطان "وزيرًا" على رقعة الشطرنج تحركه أوروبا للحفاظ على توازن القوى في المنطقة.

قوة روسيا المتنامية في القرن التاسع عشر أقلقت بقية أوروبا، فقاموا بتوريط العثمانلي في نزاع مع الروس، وانخدع بذلك ظنا أن الفرصة جاءته لاستعادة أمجاده وأراضيه التي سلبها الروس منه.

الأوروبيون كان هدفهم ضرب العثمانيين بالروس واستنزاف قوة الطرفين ثم التدخل عسكريا لسحق القوة الروسية وإنقاذ العثمانيين وفرض إملاءات سياسية على الطرفين. إنجلترا وفرنسا حققتا أهدافهما من الحرب، أما العثمانلي فخرج منها خاسرا استقلاله وسيادته وجنوده وزاد ضعفا على ضعفه.

فرنسا وروسيا
الأسباب المباشرة لاندلاع حرب القرم تتمثل في الصراع الروسي - الفرنسي على حقوق رعاية الأماكن المقدسة في فلسطين وكانت فرنسا قد حصلت على هذا الحق وأصبح الرهبان الكاثوليك مسؤولين عن هذه الأماكن وبيدهم مفاتيح كنيسة المهد لكن الوضع تبدل مع قيام ثورة 1789 في فرنسا وما تبعها من حروب نابليون التي أدت إلى تراجع نفوذها لدى العثمانيين فحل الروس مكانهم وانتقلت رعاية كنائس فلسطين إلى الأرثوذكس الذين تدعمهم.

بعد تولي نابليون الثالث (1848-1870) حكم فرنسا قام بمحاولة لإعادة حق الرعاية لبلاده في محاولة لإرضاء أنصار الحزب الكاثوليكي واصطدم بالقيصر الروسي نيقولا كادت الأمور تصل إلى الحرب بينهما.

النزاع كان على مسألة داخلية تخص السيادة العثمانية لكن بموجب الامتيازات التي منحتها الدولة لأوروبا تم انتقاص هذه السيادة وأصبحت مسألة رعاية كنائس بيت لحم والقدس مسألة أوروبية.

الحكومة العثمانية كان تحدد موقفها دائما بالرضوخ للأقوى مما خلق مشاكل خطيرة لها ففي هذه المسألة، كانت قد منحت فرمان عام 1740 لفرنسا برعاية الكنائس وحين ضعف نفوذ فرنسا منحت الامتياز للروس، ثم بعد ذلك حين طالبت فرنسا بالامتياز القديم لم تستطع السلطنة الدفاع عن استقلال قرارها.

الصدر الأعظم تصرف بطيش في المسألة وبناء على عواطفه وأهوائه فقد كان يكن كراهية شديدة للروس فقام بمنح فرنسا حق الرعاية وتسبب ذلك في نزاع دبلوماسي كبير واعتبرت روسيا ذلك إهانة لها وإعلان حرب.

ورطة السلطان
روسيا أرسلت فرقتين عسكريتين إلى الدانوب في منطقة بسارابيا استعدادا لعبور الحدود التركية وتأهب أسطولها في البحر الأسود للحرب، وأرسلت الأمير منشيكوف سفيرا فوق العادة إلى القسطنطينية، لبحث حل النزاع سلميا.

منشيكوف طلب من السلطان عبد المجيد تطبيق معاهدة كوتشوك قينارجه، ومنح روسيا حق رعاية الأرثوذكس. فرنسا ورطت السلطنة في نزاعها مع الروس وتدخل سفيرها وأوعز إلى السلطان برفض المطالب الروسية، وكذلك تدخل سفير إنجلترا، وقررت الدولتان استخدام السلطنة في كسر القوة الروسية المتصاعدة.

فرنسا وضعت أسطولها في أهبة الاستعداد تمهيدا لإرساله إلى البوسفور وتأزم الموقف نتيجة تعنت السلطان مدعوما من الإنجليز والفرنسيين وإزاء ذلك فشلت مهمة منشيكوف وردت روسيا باحتلال ولايتي مولدافيا وولاشيا، وفرض الحماية عليهما وقامت إنجلترا بإرسال أسطولها إلى الدردنيل وإغلاقه.

رغم تلك الإجراءات لم يخرج الأمر عن مجرد استعراض للقوة بهدف تحقيق الأمن وكان الروس يأملون في أن يقدم الأتراك بعض التنازلات حتى يحفظ القيصر ماء وجهه، وكانت التحركات تتضاعف ناحية التسوية الدبلوماسية، لكن خلافات أوروبا الداخلية تسببت في تعقد المفاوضات، وصاغت النمسا وفرنسا وبروسيا مذكرة موجهة للسلطان والقيصر دون علم إنجلترا، تضمنت تنازلات للروس ورفضها السلطان بإيعاز من إنجلترا.

العثمانيون وجدوا في الدعم الإنجليزي-الفرنسي فرصة مناسبة للانتقام من الروس الذين أذلوهم في معاهدة كيتشوك قينارجه عام 1774 وتم الإيعاز إلى خطباء المساجد بإثارة الناس ضد روسيا ووقعت أعمال شغب في القسطنطينية.

فرنسا استغلت الموقف وطلبت من سفيرها الضغط على استراتفورد سفير إنجلترا للموافقة على إرسال أسطول الدولتين إلى القسطنطينية بحجة حماية الأجانب وهي الخطوة التي كانت تعني إعلان الحرب على الروس.

موقف الحكومة الإنجليزية تغير من ناحية السلم إلى الحرب ضد روسيا وقامت بإرسال أسطولها مع فرنسا إلى القرن الذهبي رغم معارضة السفير استراتفورد الذي كان يرى فرصة في حل المسألة دبلوماسيا.

السلطان خضع لإرادة فرنسا وإنجلترا وأعلن الحرب على روسيا ووصلت القوات التركية إلى الدانوب بقيادة عمر باشا وكانت تلك بداية الحرب. ورغم ذلك ظل القيصر راغبا في إنهاء الأزمة دبلوماسيا بالتواصل مع السفير استراتفورد، وقرر عدم البدء بالهجوم ومنع السفير الأسطول التركي من الإبحار إلى البحر الأسود لتجنب الاشتباك مع الروس هناك.

قائدا الأسطول الإنجليزي والفرنسي سمحا للسفن التركية بالعبور إلى سينوب وقام الأتراك بقصف السفن الروسية التي ردت عليهم وأغرقت جميع السفن التركية ولقي 3000 جندي مصرعهم وهاجم الروس الأراضي التركية خلف الدانوب وسقط آلاف العثمانيين قتلى.

حتى تلك اللحظة كانت الحكومة العثمانية تؤدي الدور المطلوب منها غير آبهة بمعاناة شعبها واستغلت إنجلترا وفرنسا هذه الحوادث في تجييش الرأي العام ضد روسيا حتى يقبل بإعلان الحرب عليها وإرسال الجيوش لمحاربتها.

أعداء الأرثوذكسية
إذلال القيصر الروسي أصبح هدف إنجلترا وفرنسا اللتين أرسلتا بلاغا مشتركا مدعوما من النمسا وبروسيا يطالب القيصر بسحب قواته من الدانوب فورا وإلا أعلنتا الحرب عليه.

القيصر لم يجد مفرا من رفض البلاغ حفاظا على كرامته وردت فرنسا وإنجلترا بإعلان الحرب عليه وبعد أسبوعين أعلن القيصر الحرب وبررها أنها مهمة مقدسة للدفاع عن العقيدة الأرثوذكسية ضد إنجلترا وفرنسا اللتين تحالفتا مع أعداء المسيحية.

إنجلترا وفرنسا وقعتا معاهدة مع السلطان تلتزمان فيها بالدفاع عن تركيا وأخرى بينهما لتحرير ممتلكات السلطان وضمان أمن أوروبا وبذلك وجدت روسيا نفسها تخوض غمار الحرب وحيدة في مواجهة دول أوروبا والعثمانيين.

الحرب بدأت رسميا عام 1854 وعبر جيش روسي الدانوب ودخلت القوات الفرنسية والبريطانية فارنا وبلغاريا وتلى ضباطها قيادة الجيش العثماني واشتبكت القوات المشتركة مع الروس الذين انسحبوا جنوب الدانوب ثم جنوب نهر بروث.

النمسا دخلت هي الأخرى الحرب مع الباب العالي فقد كان من مصلحتها طرد الروس من ولايتي ولاشيا ومولدافيا وإبعادهم عن المجر ونجح النمساويون في إجبار الروس على الجلاء منهما.

الأساطيل الأوروبية حاصرت ميناء سباستيبول الروسي واحتلته بذلك انهزم الروس على جبهة الدانوب، في حرب خاضتها إنجلترا وفرنسا بحجم قوات بلغت 65 ألف جندي، بينما شاركت مصر وحدها بجانب العثمانيين تلبية لاستغاثة السلطان بـ42 ألف جندي وبحار، قاتلوا ببسالة في معارك الدانوب وحماية موانئ البحر الأسود.

الجبهة الثانية للحرب كانت على الحدود الشرقية لآسيا الصغرى في شبه جزيرة القرم حول قلعة قارص والتي دافعت عنها قوة تركية بقيادة الإنجليز ولكنها سقطت في يد الروس نتيجة إهمال الأتراك في إرسال المؤن الغذائية.

آخر مراحل الحرب كانت إرسال قوة عثمانية بقيادة الإنجليز، ساعدت الفرنسيين في الاستيلاء على قلعة ملاخوف ودخلت إيطاليا الحرب ضد الروس وشاركت بقوة عسكرية في معارك سباستيبول التي انتهت بسقوطها بيد الحلفاء وقد شارك الجيش المصري في معارك القرم.

والجبهة الثالثة كانت في بحر البلطيق والمحيط الهادي لكن لم تحرز الأساطيل الإنجليزية-الفرنسية نجاحا يُذكر. وفيما رغب الإنجليز في مواصلة القتال، صمم الفرنسيون على التوقف بعد أن حققوا أهدافهم من الحرب.

معاهدة باريس
الأطراف المتحاربة توصلت إلى توقيع معاهدة باريس عام 1856 والتي سمحت بتبادل المناطق التي استولى الروس في آسيا والحلفاء في أوروبا ولم تحدث تغييرات إقليمية كبيرة. وتم إلغاء الحماية الروسية على ولاشيا ومولدافيا ووضعهما تحت إدارة دولية مع بقائهما تحت السيادة الاسمية للعثمانيين وحصل سكانهما على الاستقلال الذاتي وحق تنظيم جيش خاص وألا يتدخل الباب العالي فيهما إلا إذا هددهما خطر خارجي وبعد موافقة الدول الموقعة. وحصل الصرب على الاستقلال الذاتي أيضا. ونصت المعاهدة على إجراءات إصلاحات جديدة لتحسين أوضاع المسيحيين.

المعاهدة نصت على حرية الملاحة في البحر الأسود ونهر الدانوب ومنع تشييد حصون عسكرية على سواحله ومنع عبور السفن الحربية مضائق الدردنيل والبوسفور.

هكذا انتهت حرب القرم التي كلفت البشرية الكثير من أرواح الرجال والخسائر المادية وكلفت العثمانيين ثمنا باهظا في الأرواح والمكانة الدولية فقد كانت معاهدة باريس مجحفة بحقها.

المصادر :

2 - محمد فريد: تاريخ الدولة العلية العثمانية
3 - جون باتريك: القرون العثمانية - قيام وسقوط الإمبراطورية التركية

Qatalah