يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


على مدى قرون، ظلت الأمهات في القوقاز والبلقان، يغنين لبناتهن، أغنية تقول "متعك الله بالعيش بين الماس والأبهة زوجةً للسلطان" فكانت البنات يعرضن أنفسهن بلا ثمن على تجار الرقيق، الذين يزودون القصر بالجواري.
مكانة الجواري ارتفعت في قصور العثمانيين، وكان الهدف من وجودهن إمتاع السلطان، والإنجاب، وفي بداية الإمبراطورية، كان السلاطين يتخذون الجواري بجانب الزوجات، من الأسر التركية أو المسيحية العريقة، وبعد قرنين حلت الجواري محل الزوجات، وامتنع السلاطين نهائيا عن الزواج من غيرهن.

العثمانلي قطع علاقته بالنساء الأتراك، وامتنع عن الزواج منهن، منذ العام 1512، استبدلهن بالمحظيات الأوروبيات، باعتبارهن أذكى وأعلى مكانة ومنزلة.
رغبة العثماني المحمومة في الانتساب إلى أوروبا، وتراث بيزنطة، كانت الدافع الأهم وراء هذا القرار، بجانب خوف السلاطين من نشوء أسر تركية قوية، تتدخل في شؤون القصر، وتتحدى تسلط السلطان المطلق.
لمدة 400 عام، كان النسل العثماني يأتي من جواري أوروبا والقوقاز، اللاتي امتلأ بهن جناح الحريم السلطاني، فكانت بحق سلطنة العبيد والجواري.

سياسة ومصاهرة
في بعض الأحيان اتبع السلاطين الأوائل التقاليد الأسرية الشائعة، بالزواج من أميرات من العائلات الحاكمة المسيحية أو المسلمة المجاورة، لكن هذه الزيجات كانت تحدث لأسباب سياسية، أو من أجل عقد تحالف عسكري، وليس بغرض إنجاب وريث، أو الإعمار في الأرض.
لم يكن السلطان في أحيان كثيرة يعاشر كل زوجاته، لتجنب الإنجاب منهن، وبعد العام 1500، أصبحت السلطنة قوية لدرجة تغنيها عن الحاجة إلى عقد تحالفات عائلية أو مصاهرة سياسية، وكان بايزيد الثاني (1481-1512) آخر السلاطين الذين أتموا زيجة عائلية مع أميرة من عائلة ذو القادر التركية الأناضولية.

الهوس العثماني بالانتساب إلى قياصرة بيزنطة، كان العامل الأول في التزاوج مع المحظيات الأوروبيات، لتقوية ادعاء أن السلطان وريث بيزنطة، وخدم ذلك أيضا الرؤية العالمية التي أرادها العثمانيون لأنفسهم، كسلاطين دولة تضم قوميات وأديانا وأعراقا متعددة.
الرغبة في السيطرة المطلقة على الدولة، كان سببا آخر في تفضيل الجواري، وهو السبب عينه الذي لأجله تم إنشاء الإنكشارية، فلم يكن لديهم أقارب طموحون أو طامعون في السلطة، ويستمدون قوتهم من السلطان.

آل عثمان حرصوا على إبعاد أسرتهم عن العرق التركي، فلم يكن العثماني مرادفا للتركي، وهو ما أكدوا عليه من خلال اختلاف الثقافة والعادات والملابس والزيجات وكل شيء. 
العرق التركي تراجعت مكانته، بعد قرن من تأسيس السلطنة، وحل محلهم الأوروبيون في الجهاز الحكومي والجيش والقصر، وحتى اللغة التركية تراجعت مكانتها في القصور، وتم استبدالها باللغات الصربية واليونانية والألبانية والرومانية، وغيرها، وحرص السلاطين على حصر التناسل على الجواري، شاهد على القطيعة التامة والاحتقار العثماني للعرق التركي.

جوارٍ وعبيد
القصد من وجود الحريم، هو إشباع رغبات السلطان الجنسية، وقضاء أوقات فراغه بينهن، وأيضا من أجل الإنجاب، لحماية مصالح العائلة، كُن مجرد ماكينات لإعادة إنتاج السلالة العثمانية، حتى إن السلطان محمد الثاني بنى قصرا للحريم في القسطنطينية.
كانت اصطياد المحظيات من جواري القصر، أسهل من السيطرة على الحرائر المسلمات، اللاتي يتمتعن بحقوق قانونية حددتها الشريعة الإسلامية.

رغبات السلاطين الشهوانية كانت السبب في زيادة عدد الحريم، كانوا مولعين بتنوع شريكات الجنس، وكانت المحظيات يُخترن بناءً على عافيتهن وجمالهن، وليس نسبهن أو أصلهن.
أبناء المحظيات، على خلاف أبناء العشيقات، كانوا يزيدون النسل السلطاني، وإنجابهم يضمن دائما وجود وريث ذكر، ما جعل السلطان يحرص على معاشرة الكثير من الجواري لكي يزداد نسله.

كانت محظية التناسل بعد أن تنجب ابنا واحدا، لا يمسها السلطان، وهو ما وفر لكل ابن دعما أم مكرسة له وحده، وعُرفت الجارية والدة ولي العهد باسم "خاصكي سلطان" وكانت لها مكانة عليا في قصر الحريم، بعد اعتلاء السلطان العرش، كانت والدته تحمل لقب "والدة سلطان" أو السلطانة الأم، وكانت أكثر الحريم اتصالا بالعالم الخارجي.
الجواري كن يحصلن على أسماء جديدة، بمجرد دخول القصر، لقطع علاقتهن بالماضي، وكانت الأسماء في معظمها فارسية، مثل "مهرماه" و"ماه بيكر" و "شويكار". 
إمداد القصر بالجواري الجدد، كان ضمن مهام السلطانة الوالدة، كان السلطان يزورها في مخدعها، وتقدم الجواري له القهوة، وإذا أعجبته واحدة ينظر إليها بإمعان، فيتم تجهيزها وإرساله إليه، وتسمى وقتها "غوزدة" أي التي في العين، وبعد أن يعاشرها، تسمى "إقبال" أي مفضلة أو أثيرة.

متعة وتناسل
قبل العام 1402، كان بمقدور السلطان الزواج بإحدى الجواري، وكان بايزيد الأول آخر سلطان تزوج من جارية صربية، تدعى ماريا دسيينا.
لم يشذ عن هذه القاعدة سوى سليمان القانوني، الذي تزوج من خرم سلطان (روكسلانا) بعد أن وقع في غرامها، وهام بها عشقا. روكسلانا أنجبت سليم الثاني، الذي خلف والده على العرش، بعد أن أزاحت أخاه الأكبر مصطفى ابن ماه دوران من طريقه، بتحريض والده على قتله وهو ما كان.
سرقت الجواري ألباب وعقول السلاطين، وتحولن إلى مراكز قوة، وأصبحن من أعمدة السلطنة، تدخلن في شؤون الحكم والسياسة، وتعيين الصدور العظام، وذاع صيت الكثيرات منهن، خصوصا اللاتي حكمن باسم السلطان.

زادت قوة مؤسسة الجواري والمحظيات، بسبب عادة سجن الأمراء في قصور الحريم، بعد استبدال ذلك بعادة قتل الأشقاء الذكور، الذي كان متبعا لقرون، تلاعبن بالأمراء وورثة العرش، حتى بعد جلوسهم على كرسي السلطنة.

حريم وثورات
نظام الحريم حقق بعض الفوائد للعثمانيين، أهمها ضمان إنجاب الذكور، وتلبية رغبات السلاطين، لكن نتج عنه آثار سلبية، أدت إلى اضطرابات سياسية واجتماعية خطيرة، وثورات وسفك دماء واغتيالات بالسم، نتيجة التدخل في أمور الحكم.

خلقت غيرة النساء ومؤامرات الجواري مراكز قوى متصارعة داخل السلطنة، تسببت في خلع سلاطين وقتل أمراء.
هناك أمثلة عديدة على قوة الحريم كان أهمها 
الأوكرانية "خرم سلطان" زوجة سليمان القانوني، والجارية البندقية نوربانو، معشوقة سليم الثاني، وكان اسمها سيسيليا فينير بافو، والدة السلطان مراد الثالث، التي سيطرت على السلطنة، وكانت تتحكم في السياسة الخارجية لها، أمثلة باقية فى تاريخ الدولة العثمانية، شاهدة على حياة الانفلات والانحراف والفساد الديني والأخلاقي في قصور سلاطين آل عثمان، واحتقارهم للنساء من أصول تركية.

المصادر :


Qatalah