يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


8 يناير 2019 نظام التوظيف الأكاديمي وراء هجرة العقول من تركيا

كثيرًا ما نسمع عبارات تتضمن الشكوى بل الاستهزاء بهجرة العقول من تركيا إلى مختلف دول العالم. فيقول البعص على سبيل السخرية بأن المرشحين للحياة الأكاديمية يغادرون إلى تلك الدول ليصبحوا نُدُلاً في المطاعم، وما إلى ذلك من العبارات المستخفة. إلا أنه لا يخرج أحد من هؤلاء ليتساءل كيف ينجح هذا الكم الهائل من الأتراك في الحصول على عمل أو وظيفة بأرض الغربة في غياب محسوبية أو أي تزكية من أصدقائهم أو أقاربهم؟ 
كيف يحصل آلاف الأكاديميين الأتراك على وظيفة، ومن ثم يرتقون في سلم الحياة في دول منافسة للغاية كالولايات المتحدة وبريطانيا وهولندا وألمانيا والنمسا وكندا وغيرها؟

كأكاديمي يعمل في الولايات المتحدة منذ 7 أعوام تقريبًا، عملتُ في العديد من لجان التوظيف. لقد ترأستُ مؤخرا مثل هذه اللجنة. لذا أريد أن أقدم لكم عملية التوظيف الأكاديمي في الولايات المتحدة وأقارن بينها وبين تلك التي في تركيا حتى أتشاطر معكم الدروس التي استخرجتها. 

لا بد أن نعترف قبل كل شيء بأن كثيًرا من الجامعات التركية عندما تعلن عن حاجتها لأستاذ مساعد يقول كثير منا في نفسه: إنهم قد قرروا مسبقا الشخص الذي سيقبلونه، لذا فهل ينبغي عليّ ألاّ أتعب نفسي لجمع وتقديم هذا الكم الهائل من الوثائق للجامعة دون جدوى؟ وذلك مع أن شهادة التأهل لدرجة الأستاذ المساعد ليست إلا بداية في المسيرة الأكاديمية مختلفة عن درجة الأستاذ أو البروفسيور. لذلك فإن مصلحة الجامعة لا بد أن تكون في تحديد حاجتها ومن ثم اختيارها المرشح الأفضل في هذا المجال. 

أظن أن الطريقة المثلى في ذلك هي أن تعلن الجامعة فترة مفتوحة للقبول، وتحصل  على أكثر الأكاديميين المؤهلين من بين المتقدمين. لكن إن لم تعلن الجامعة وظيفة جديدة أو إضافية في مجال الأستاذ المشارك والأستاذ، بل ترغب في منح لقب جديد لأكاديمي يعمل في مظلتها فعلا، فعندئذ يختلف الأمر طبعًا. حيث يجب في هذه الحالة ترقية الأكاديمي المؤهل إلى درجة أعلى، والإعلان عن الحاجة إلى أكاديمي جديد لتلك الوظيفة الشاغرة.

أعطي لكم مثالا عن تخصصي: فقد تكون حاجة المؤسسة التعليمية في مجال العلوم السياسية هي الخبير في السياسة المقارنة الذي يتمتع بمعرفة متعمقة بمنطقة معينة (مثل الشرق الأوسط أو الشرق الأقصى والمحيط الهادئ). بالإضافة إلى ذلك، قد تشترط المؤسسة وجود بعض المؤهلات لدى الخبير في مجال ثانٍ أيضًا، من قبيل القدرة على المحاضرة وتدريس طرق البحث أو بعض المواد التمهيدية. إلا أنه إذا كان المطلوب موضوعًا دراسيًّا محددًا للغاية، (مثل العلاقات العسكرية والمدنية في اليابان في النصف الأول من القرن العشرين) فلا يذكر هذا التفصيل في الإعلان قطعًا، بل يمكن أن يكون مضمون الإعلان حينها على النحو التالي: 
إن الجامعة الفلانية (XX) ستستقبل في الفترة المعلنة طلبات للحصول على درجة أستاذ مساعد متخصص في الشرق الأقصى ومنطقة المحيط الهادئ، وحاصل على درجة الدكتوراة في السياسة المقارنة في قسم العلوم السياسية والعلاقات الدولية. وسيتم اختيار المرشحين المؤهلين القادرين على تقديم مادة طرق البحث في العلوم السياسية أو الدروس التمهيدية الأساسية.  

ثم نأتي إلى القضية الثانية المهمة. فالإجراءات في تركيا في هذه المرحلة أكثر تقييدًا وغير ضرورية. كما تعلمون، أن مجلس التعليم العالي يحاول إدارة ما يقرب من مئتي جامعة بالقواعد ذاتها، دون التفريق بين الجامعات القديمة أو الجديدة أو الرسمية أو الوقفية أو الكبيرة أو الصغيرة، بدلا من أن ينتهج أسلوب إدارة يركِّز على النتائج الفعلية، ويقولَ للمشرفين على الجامعات: قوموا بمهمتكم التعليمية، وأنا أتابع النتائج، وأقدر جهودكم في نهاية المطاف. 

كما لا توجد آلية إدارية تراقب تطبيق القواعد الأكاديمية وتعاقب من ينتهكونها. فلو كانت مثل هذه الآلية ضمن مجلس التعليم العالي لكانت راقبت الأكاديميين الذين انتحلوا رسائل الماجستير والدكتوراة، التي يحتفظ بعشرات الآلاف منها في مستودعاته، وقامت بإلغاء رتبهم الأكاديمية. لكن لا توجد جهود رامية إلى تحقيق هذا الهدف، بل هناك تدخلات واسعة للغاية حتى في قضايا غير أساسية، إذ يتدخل مجلس التعليم العالي حتى في طريقة تنظيم الوثائق والمستندات الداخلية الخاصة بكل جامعة، ويملي عليها كيفية معينة من تشفير الملفات. حتى إذا نظرتم إلى اللوائح الداخلية فسترون أنها تبين عملية قبول الأكاديميين في بنود مستقلة بصورة تفصيلية. حيث تنص تلك اللوائح على ضرورة الإعلان عن استقبال الطلبات خلال 15 يومًا، وتشكيل عمداء الكليات لجنة مؤلفة من ثلاثة أشخاص، وإجراء تلك اللجنة امتحان اللغة الأجنبية، وتحديد الناجحين، ومن ثم إبلاغ النتائج للعمداء، لتأتي بعده مرحلة قيام العمداء بتوظيف الأكاديميين. 

كما ترون يتم كل شيء بحسب رغبة آلية إدارية هرمية للغاية تمنح للعميد صلاحية التعيين من الأعلى دون أخذ حتى آراء رؤساء الأقسام. أما الطالب فلا دخل له في هذه العملية أساسًا.  

وأما مسألة اختبار اللغة الأجنبية فليست إلا من قبيل تحصيل الحاصل، حيث لا يوجد أي معيار موضوعي للنجاح أو الرسوب، وإنما الأمر عبارة عن الشكليات التي تفسّر أسباب القبول أو الرفض لسدّ باب الانتقادات فقط. ذلك أن كثيرا من الجامعات في تركيا تعتمد اللغة الإنجليزية في التدريس أصلا. كما أن نسبة كبيرة من الأكاديميين قد حصلوا  عل درجة الماجستير أو الدكتوراة بلغات أخرى في الدول الأجنبية، وكذلك لهم منشورات عديدة باللغات الأجنبية.

لكن مجلس التعليم العالي لا ينظر إلى هذه الأمور مطلقًا، بل حتى أنه لا ينظر إلى نتائج اختبارات اللغات المعتمدة عالميا، وإنما يحشد المرشحين لدرجة الأستاذ المساعد في صالة الامتحان، ويسمح لهم باستخدام القواميس، ويطالبهم بترجمة نص يتكون من حوالي 200 أو 300 كلمة، ومن ثم يقرر إن كانوا مؤهلين من الناحية اللغوية أم لا!

صدقوني إنني كشخص تخرَّج في جامعة "البسفور" (بوغاز إيجي) التركية، وحصل على الدكتوراة في الولايات المتحدة، وتم التصديق على تأهله لدرجة الدكتوراة من قبل المجلس المشترك للجامعات، قد خضعتُ لهذه العملية المثيرة للسخرية. فقد جلستُ وترجمت بضع صفحات من مقال إنجليزي كتبه أحد زملائي في جامعة "البسفور". بمعنى أنني أثبتُّ أهليتي من خلال ترجمة مقال زميلي في الجامعة!

في رأيي أن هذا الاختبار المصغر لنيل درجة الأستاذ المساعد هو مضيعة للوقت تمامًا، لأن الذين يعرفون اللغة الأجنبية أصلا يترجمون المقال بسهولة في خمس دقائق، ويخرجون من قاعة الامتحان. أما أولئك الذين لا يتقنون اللغة الأكاديمية فيجتازون الامتحان بمساعدة القواميس. أي أن الجميع يجتازون بشكل أو بآخر حاجز اللغة، وكأن شرط اللغة الأجنبية ليس هدفه التمييز بين المتقنين للغة وغيرهم.  

وإذ يضيِّع مجلس التعليم العالي الوقت باشتراط تجاوز حاجز اللغة الأجنبية غير الضروري أبدًا، يهمل من جهة أخرى شرطًا أو حاجزًا مهمًّا آخر، وهو القدرة على المحاضرة والتدريس، إذ يُطلب من الأستاذ المساعد الحاصل على الموافقة تقديم ثلاثة دروس مختلفة أسبوعيًّا، لكن المجلس لا ينظر إلى ما إذا كان المتقدم حائزًا على الميزات المطلوبة في هذا المجال أم لا. فهو لا يطلب من الأكاديمي إلا ملف منشوراته، ولا ترِد بين مطالبه شهادة الاحتراف في موضوع المحاضرة والتدريس. حتى أن المجلس لا يعير بالا لما إذا كان المرشح ناطقًا أم أبكم! بينما من الأهمية بمكان التأكد مما إذا كانت للمرشحين تجربةٌ أو خبرة سابقة في مجال المحاضرة وما هي المواد التي درّوسوها من قبلُ. هل سبق أن عملوا معيدين أو باحثين؟ هل هناك أي دليل ملموس يكشف عن مستوى أدائهم في هذا الصدد؟ على سبيل المثال، تجري العديد من الجامعات استطلاعات تقييم الموظف في نهاية الفصل الدراسي. هل لدى المرشحين شهادات تحوي نتائج مثل هذه الاستطلاعات؟ هل لديهم خطط دراسية وقوائم كتب للقراءة وإنجازات الطلاب (الجوائز والمنح الدراسية، والمنشورات، وفرص العمل / التدريب، وما إلى ذلك)؟.

إذا رغبت جامعة في توظيف أحد كأستاذ مساعد وفقا لهذا القانون، فمن الممكن أن توظِّف أي مرشح بالنظر إلى ما يبديه العميد واللجنة المكونة من ثلاثة أشخاص من رأي، من دون أن تكلِّفه بتدريس الطلاب، بل حتى من دون أن تنظر إلى ما إذا كان يتمتع بقابلية النطق أم لا. ومن ثم يتذمر الطلاب طيلة العام الدراسي من الأستاذ لعجزه عن التعبير أثناء المحاضرة، ثم تحفل مواقع التواصل الاجتماعي بمثل هذه الشكاوى. وسبب كل ذلك أن مجلس التعليم العالي لا يضع في الحسبان قدرة المرشح على التدريس في عملية القبول والتوظيف. 

خلاصة القول: لا توجد معايير موضوعية قادرة على قياس وتقييم قدرات المرشحين على البحث والنشر العلميين والمحاضرة والتدريس، وإن كانت هناك بعض المعايير الشكلية كامتحان اللغة الأجنبية. كما أن عملية القبول والتوظيف غير شفافة وغير قابلة للمحاسبة، ولا يعرض الأمر على الشركاء الآخرين في العملية التعليمية من أعضاء هيئة التدريس والطلاب، مع وجود عدد قليل من الجامعات تحقق المعايير العالمية في هذا الصدد.   

للأسف الشديد يتوجه الأكاديميون في تركيا إلى ضمان حصولهم على التوظيف من خلال إقامة علاقات وثيقة مع المسؤولين والإداريين. وما وراء ذلك ليس إلا إجراءات شكلية لطمأنة الرأي العام وسد باب الاعتراضات. 

وفي هذا السياق نوجه للأكاديميين المخضرمين الذين ينظرون بنظرات مستهزئة إلى زملائهم الذين هاجروا إلى دول أخرى لاستكمال مسيرتهم الأكاديمية سؤالَا: ما هي الجهود التي تبذلونها في سبيل تغيير عملية القبول والتوظيف هذه حتى تكون علميّةً موضوعيّة عادلة يا ترى؟! 

أليست هذه العملية هي السبب الرئيس الذي يدفع الأكاديميين لمغادرة تركيا؟ فهم لا يريدون للآليات غير الأخلاقية أن تعوقهم من استكمال مشوارهم العلمي بعد أن اجتهدوا وبذلوا كل ما بوسعهم في هذا السبيل. 

ولا شك أن اختزال سبب هجرة العقول من تركيا في عامل المرتب فقط، وغضّ البصر عن هذه المشاكل الهيكلية، كما أنه مجافٍ للحقيقة كذلك لن يجدي نفعًا في تطوير حلول ناجعة لها.

نقلًا عن موقع "أحوال تركية"

Qatalah