يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


12 نوفمبر 2018 نظرة إلى العجز في ميزان التجارة الخارجيّة التركية

عندما نُشرت البيانات المتعلقة بتجارتنا الخارجية كان أول ما ناقشناه من مواضيع هو عجز الحساب الجاري المفهوم الأكثر شمولًا والأوسع نطاقًا الناتج انطلاقًا من العجز التجاري، ونسبة الصادرات إلى الواردات (هذان المفهومان هما شيء واحد بطبيعة الحال)، وعجز التجارة الخارجية أي الفرق بين الصادرات والواردات.
في السنوات الأخيرة نتحدث، بإلحاح بعض الشيء، ودون أن يكون من الواضح جدًا طبيعة الأسلوب الذي تم استخدامه، عن تصدير منتجات تكنولوجية فائقة، ونقول إنها تتجاوز قليلًا نسبة 2 في المئة من إجمالي صادراتنا، ولكنه، وكما ذكرت، ليس من الواضح كيف يتم تحديد هذه المنتجات عالية التقنية، إن المنهجية ليست واضحة جدًا.
هذه المفاهيم مهمة. وثمة موضوع ضروري تمامًا وبشكل أكيد، مثله مثل هذه المفاهيم على الأقل، بل إنه أكثر ضرورة فيما أرى، موضوع يجب الانتباه إليه عند إجراء التحليلات الاقتصادية الكلية، ألا وهو توزيع التجارة الخارجية وفقًا لأنواع وتصنيف السلع والبلدان. والغريب أن هذا الموضوع، لسببٍ ما، لا يُطرح للنقاش كثيرًا بقدر عجز التجارة الخارجية ونسبة الصادرات إلى الواردات.
ولحسن الحظ أن تقنياتنا في النشر الإحصائي التي كشفت عن تطور مهم جدًا في السنوات العشرين الأخيرة لا تتخطى هذا الموضوع، ومع هذا يشوبها نقص كبير، وسوف أشرح لاحقًا ما هو هذا النقص.
إن توزيع التجارة الخارجية، وبالتحديد الصادرات والواردات بحسب تصنيف السلع والبلدان والمناطق يدلنا على الطريق المناسب بشأن تشكيل السياسة الاقتصادية الرئيسة. فإلى أي مدى سنندمج مع التجارة العالمية، وكيف سندير سياستنا مع الاتحاد الأوروبي ومسيرة الاتحاد الجمركي بصفة خاصة؟
إن أهم مؤشر في هذا المجال هو على الأرجح توزيع التجارة الخارجية بحسب تصنيف السلع والبلدان. 
أدناه سأقدم لكم بعض البيانات حول توزيع التجارة الخارجية، أي توزيع الصادرات والواردات بحسب تصنيف السلع والبلدان:
إجمالي صادراتنا في الفترة من أغسطس 2017 إلى أغسطس 2018 بلغ 162 مليار دولار، 11.7 في المئة منها سلع استثمارية، و46.8 في المئة سلع وسيطة، و46.1 في المئة سلع استهلاكية.
إن الشيء العظيم الذي لفت انتباهي في النسبة المئوية لتوزيع الصادرات هو أن صادراتنا من السلع الوسيطة بنسبة 46.8.
وبعبارة أخرى فإن ما يقرب من نصف إجمالي صادراتنا يتكون في العادة من السلع الوسيطة.
وعلى حين أن هناك أصنافا رئيسة في إجمالي صادراتنا مثل المنسوجات، والسيارات والمنتجات الزراعية، إلّا أن صادراتنا من السلع الوسيطة تقترب من نصف إجمالي صادراتنا، وسأحاول بعد قليل توضيح هذا الوضع المثير للاهتمام.
وفي الفترة نفسها، أي أغسطس 2017 – أغسطس 2018 بلغ إجمالي وارداتنا 243 مليار دولار أميركي، ونسبة 13.6 من حجم هذه الواردات من السلع الاستثمارية، و74.7 منها سلع وسيطة، أما الـــ 11.3 في المئة المتبقية فهي من السلع الاستهلاكية.
إن حصة السلع الوسيطة داخل هذا التوزيع المئوي هي ثلاثة أرباع تقريبًا، لأن واردات الطاقة أيضًا تدخل ضمن بند استيراد السلع الوسيطة.
والواقع أن هذا قد لا يعنى شيئًا من منظور الاقتصاد الكلي، لأن الحجم ليس حاسمًا جدًا، فقد تتعدى أضراره فوائده.
دعونا ننظر إلى توزيع صادراتنا بحسب البلدان:
إن 81 مليار دولار من صادراتنا البالغ حجمها 162 مليار دولار أميركي خلال الفترة المذكورة، أي نصفها بالضبط قد تم تصديره إلى دول الاتحاد الأوروبي.
وفي تلك الفترة أيضًا حققنا صادرات بقيمة 10 مليارات دولار أميركي إلى أميركا الشمالية، و30 مليار دولار أميركي إلى دول الشرق الأدنى والشرق الأوسط، أما بالنسبة لصادراتنا إلى أميركا الجنوبية كلها فقد بلغت 1.6 مليار دولار فحسب، وهذا نقص كبير للغاية فيما أرى.
أما بالنسبة لتوزيع وارداتنا بحسب البلدان فهو كالتالي، وبشكل مختصر للغاية:
خلال الفترة أغسطس 2017-أغسطس 2018بلغ حجم وارداتنا 243 مليار دولار أميركي، 90 مليار دولار منها واردات من دول الاتحاد الأوروبي، و58 مليار دولار من دول آسيا، و19 مليار دولار من دول الشرق الأدنى والشرق الأوسط.
قبل وضع التوصيات السياسية المتعلقة بعملية الاتحاد الأوروبي، والاتحاد الجمركي بصفة خاصة بسبب أحجام التجارة الخارجية هذه دعونا نبحث عن إجابة للسؤال الذي طرحناه أعلاه، أي للسؤال المتعلق بكيف تشكل ما يقرب من نصف إجمالي صادراتنا من السلع الوسيطة.
ففي الفترة يناير-سبتمبر 2018 بلغ إجمالي صادراتنا 123 مليار دولار أميركي، وكانت صادرات السلع الاستثمارية 14 مليار دولار، بينما بلغت السلع الوسيطة 59 مليار دولار.
إن نصف صادرات السلع الاستثمارية البالغ حجمها 14 مليار دولار، يعني 7 مليارات دولار عبارة عن وسائل النقل المستخدمة في الصناعة، أي السيارات والشاحنات والقاطرات التي نعرفها، المقصود سلع قطاع صناعة السيارات، ولكن هذه السلع سرعان ما تسمى سلعًا استثمارية إن كانت الشركات الصناعية تستخدمها.
وأرى أن هناك مشكلات في تعريف جزء كبير من صادراتنا من السلع الوسيطة البالغ حجمها 59 مليار دولار، حيث إن 39 مليار دولار من صادراتنا من السلع الوسيطة البالغة 59 مليار دولار أميركي هي مواد خام معالجة من أجل الصناعة، بينما 8 مليارات دولار منها أجزاء وقطع غيار لوسائل النقل التي صُنّفت ضمن السلع الاستثمارية، أي منتجات صناعية فرعية تستخدم في صناعة السيارات.
كذلك هناك حوالي 3 مليارات دولار في بند صادرات السلع الوسيطة عبارة عن صادرات "من المواد الخام غير المعاجلة والتي تشكل المأكولات والمشروبات أساسها".
نصف تجارتنا الخارجية تقريبًا كان مع الاتحاد الأوروبي (وقد انخفضت حصة الصادرات اليوم)، وبينما كنا نبيع للاتحاد الأوروبي سلعًا استهلاكية بنسبة 80 في المئة، وسلعًا وسيطة واستثمارية بنسبة 20 في المئة، كان الاتحاد الأوروبي يبيع لنا سلعًا استثمارية بنسبة 80 في المئة، وسلعًا استهلاكية بنسبة 20 في المئة.
وفي هذا المشهد المتعلق بالتجارة الخارجية كان واضحًا جدًا، وكما هو اليوم أساسًا، أن ميزان التجارة الخارجية التي لم تكن مسيرة الاتحاد الجمركي حاضرة فيها، أي لم يكن فيها ضرائب ولا ما شابه ذلك من الالتزامات المالية، كان –الميزان التجاري-لصالح تركيا. ويراود الشيطان عقل الإنسان فيتساءل ما إذا كانت مؤسسات الدولة لا تنشر هذه الاحصائيات الأكثر معلومات وتوعية حتى لا ينكشف هذا المشهد بصورة أكثر وضوحا؟
والحقيقة أن مفهوم "حافز الحماية" الذي وضعته في عنوان المقالة يعني ذلك تمامًا.
أما اليوم فقد أصبح الوضع هكذا: إننا نصدر إلى أوروبا نصف صادراتنا أيضًا، ولكن يبدو أن تصنيف ونوعية صادراتنا قد تغير من حيث التعريف. فبينما كنا قبل 10 سنوات نبيع للاتحاد الأوروبي سلعًا استهلاكية بنسبة 80 في المئة انخفضت هذه النسبة اليوم إلى حوالي 50 في المئة، ولكن، وكما ذكرت سابقًا، فإن الشاحنات المستخدمة في النقل أيضًا تدخل في نطاق تعريف السلع الوسيطة في هذا الحساب.
أما بالنسبة لوارداتنا فإننا نستورد أقل من 50 في المئة من الاتحاد الأوروبي (90 مليار دولار أميركي من إجمالي الواردات البالغ 243 مليار دولار). ولكن هذا المشهد لا زال يُقدم، حتى بالشكل الحالي لمسيرة الاتحاد الجمركي، على أنه يصب في صالح تركيا.
يجب علينا تحليل الآراء المعارضة للاتحاد الجمركي بشكل جيد، والتمييز بين معارضي المسيرة الراهنة وحوافز الحماية ومعارضيها أملًا في إقامة اتحاد جمركي أكثر تأثيرًا وتنافسية، يشمل اتفاقيات تجارية حرة تعقد مع دول أخرى. ويجب ألا ننسى أبدًا أن الحافز الثاني هو الجزء الموجود تحت الماء في تركيا من الجبل الجليدي.
نقلا عن صحيفة "أحوال"

Qatalah