يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


تجارة تنظيم الدولة (داعش)، في الآثار السورية والعراقية القديمة، التي ازدهرت خلال الفترة بين عامي 2014 و2018، تعتبر إعادة تمثيل من التنظيم الإرهابي، لتجارة الآثار التي أدخلها العثمانيون إلى الشرق الأوسط، أثناء احتلالهم للمنطقة لنحو 4 قرون كاملة. 
تنظيم "داعش" لعمليات نهب الآثار يعيد للذاكرة السياسات العثمانية القديمة تجاه آثار المنطقة، فمنذ القرن الـ 17 الميلادي، وحتى انهيار السلطنة العثمانية في أعقاب الحرب العالمية الأولى، دأبت إسطنبول على إصدار فرمانات تنقيب لصالح الأوروبيين، خاصة بريطانيا وفرنسا، أدت إلى خروج آلاف القطع الأثرية الأصلية بصورة قانونية على مرأى ومسمع الأتراك.
من أمثلة ذلك، قيام البريطاني كلوديوس ريتش ممثل شركة الهند الشرقية في بغداد عام 1820 بنهب مجموعة كبيرة من آثار نينوى ونمرود بابل، والتي تعرض إلى الآن في المتحف البريطاني. وهناك كذلك إميل بوتا القنصل الفرنسي بالموصل، الذي اكتشف العاصمة الآشورية القديمة "دير شاروكين"، وسرق كنوز الملك سرجون منها، ونقلها إلى متحف اللوفر بباريس. 
هناك أيضا الأثري الإنجليزي أوستن لايارد، الذي اكتشف مكتبة آشور بانيبال وسط الأنقاض البابلية عام 1849، وقام بنقلها للعرض في المتحف البريطاني بلندن. 
وفي 1899، أصدر السلطان عبد الحميد الثاني، فرماناً لصالح غليوم الثاني قيصر ألمانيا سمح للأخير بنقل بوابة عشتار من العراق إلى متحف برجامون في ألمانيا. 
لورانس العرب الشهير، حصل مع فريق كشفي بريطاني عام 1911 على فرمان من السلطنة، سمح له فيه بالتنقيب عن أطلال مدينة قرقميش في أقصى الشمال السوري، والوارد ذكرها في التراث التوراتي. وقد اكتشفها لورانس العرب بالفعل، ونقل محتوياتها إلى لندن. وكان ذلك قبل أن يتحول إلى أهم ضابط استخبارات إنجليزي في الشرق الأوسط. وينجح عبر إشعاله الثورة العربية عام 1916 في إسقاط الحكم العثماني للأبد.
مقاتلو "داعش"، يُقدمون عادة بصفتهم مدمرين للحضارات القديمة، والسر في ذلك يرجع إلى تلك المقاطع الشهيرة التي أذاعها التنظيم منذ استيلائه على الموصل في شمال العراق يونيو 2014، وظهر خلالها رجاله، وهم يحطمون محتويات متحف الموصل التاريخية، إضافة إلى تدمير مدن أثرية كاملة مثل نمرود والحضر. 
تقارير استخباراتية وإعلامية دولية، أكدت منذ عام 2016، أن مقاطع داعش لم تكن سوى محاولة للتغطية على تجارة الآثار التي انخرط فيها رجال التنظيم بغرض توفير مصدر دخل لهم. وقد قدم فيتالي تشوركين، السفير الروسي لدى الأمم المتحدة تفاصيل خطيرة إلى مجلس الأمن أبريل 2016، أكد خلالها أن داعش تتاجر في آثار سورية والعراق، وأنها أسست قسماً للآثار أصدر أذونات للتنقيب للأجانب الذين تواجدوا في مناطق نفوذه بالبلدين العربيين.
إيرادات "داعش" من تلك التجارة، بلغت نحو 200 مليون دولار سنويًا، وفق تشوركين، الذي أشار إلى أن تركيا هي التي تلعب دور الوسيط الذي تمر من خلاله الآثار المنهوبة إلى العالم الغربي.

Qatalah