يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


2 يناير 2019 نواب أكراد تركيا في المنفى يكافحون من أجل الوطن المفقود

يرى العديد من الأعضاء السابقين في البرلمان التركي الذين فروا من البلاد في ظل الاضطرابات السياسية بصيص أمل في الأفق، وإن كانوا يختلفون على مسؤولياتهم تجاه وطنهم وهم في المنفى.

في السنوات الأخيرة، أصبحت أوروبا وطنا ثانيا لآلاف الأتراك من الأكاديميين والفنانين والسياسيين والصحافيين الذين اضطروا لمغادرة البلاد جراء سلسلة من عمليات التطهير في أعقاب محاولة الانقلاب التي جرت في شهر يوليو من العام 2016 وتجدد أعمال العنف في المنطقة الجنوبية الشرقية من البلاد.

ويتعين على أولئك الأتراك في المنفى - خاصة الساسة منهم - أن يتكيفوا ويتأقلموا مع الأوضاع الجديدة وسط تصاعد حدة رهاب الأجانب، حتى وإن كانوا يتشبثون بآمال ضئيلة في العودة إلى تركيا.

وقد تحدث ثلاثة من أعضاء البرلمان السابقين مع موقع "أحوال تركية" عن مغادرة تركيا والذهاب إلى أوروبا. ويرى أحدهم، وهو فيصل ساري يلدز، أن مهمته هي زيادة الوعي بين الأوروبيين بشأن أخبار تركيا.

كان ساري يلدز نائبا عن حزب الشعوب الديموقراطي المؤيد للأكراد في مدينة جزرة بجنوب شرق تركيا، وهي إحدى المناطق الأكثر تضررا من أعمال العنف التي وقعت بين قوات الأمن والمسلحين الأكراد في 2015-2016. وفي ذلك الوقت، تفاقم الوضع جراء حظر التجول الذي فرضه الجيش آنذاك، مما جعل من شبه المستحيل على الكثيرين أن يحصلوا على المساعدة.

وقال ساري يلدز: "لقد كانت عملية تم فيها تدمير مدن كردية بالكامل، كنت نائبا عن جزرة في ذلك الوقت. وفي شهر ديسمبر من العام 2015، شهدتُ أحداثا مروعة خلال حظر التجول الذي بدأ في 14 ديسمبر واستمر 79 يوما. كانت هناك جرائم حرب وأخرى ضد الإنسانية. المدنيون يموتون كل يوم. كان لا بد من إعلان هذا للعالم. غير أنه لم يُسمح للصحافيين بأداء عملهم، ومُنعت الحقيقة من الخروج إلى النور".

ووفقا لما قاله ساري يلدز، قامت أنقرة بإسكاته من خلال إجبار حزبه السياسي على الموافقة على إرساله إلى أوروبا في أبريل 2016 للاضطلاع بعمل ديبلوماسي. وفور وصوله إلى أوروبا، أصدرت تركيا مذكرة اعتقال بحقه.

وقالت توغبا هزر، النائبة السابقة عن حزب الشعوب الديموقراطي في فان التي تقيم أيضا في أوروبا، إنه يجب على أوروبا أن تتحرك وتتدخل.

وأضافت: "في الوقت الذي أتينا فيه إلى هنا، ثمة عشرات القرى دُمرت في كردستان، قُتل ما يربو على ألف شخص، وارتكبت جرائم ضد الإنسانية. أُحرق أناس وهم أحياء داخل أقبية. ومع الأسف، الواقع يقول إنه لا يوجد نهج يراعي حياة المواطنين حتى الآن".

وقُتل حوالي 288 مواطنا داخل أقبية في مدينة جزرة خلال العمليات العسكرية. وتقول هزر إن أوروبا لم تتخذ إجراءات كافية للحد من العنف في جنوب شرق تركيا، مشيرة إلى أن أحد الأسباب التي يجب أن تدفع أوروبا لاتخاذ إجراء هو المخاطر التي يشكلها الرئيس التركي رجب طيب إردوغان الذي "أصر على الحرب".

وتابعت: "هذه حقيقة يجب على الجميع أن يقبلوها، إنها أيضا حقيقة إردوغان، الذي لا يمثل مشكلة إقليمية فحسب، بل عالمية. الاتفاقيات القصيرة الأجل العديمة القيمة لن تضر شعب تركيا فقط، بل ستضر أوروبا كذلك".

أشارت هزر إلى أن الكثير من تلك الاتفاقيات المبرمة بين تركيا وأوروبا تمت على أساس حقوق الإنسان العالمية. وتتمنى النائبة السابقة أن تظل أوروبا تتبع هذا المبدأ، لكنها لا تتوقع أية خطوات مشجعة.

أما أحمد يلدريم، الذي عمل نائبا عن حزب الشعوب الديموقراطي في موش بشرق تركيا، فقد تبنى نهجا مختلفا خلال الفترة التي قضاها في أوروبا. أبلغ يلدريم موقع "أحوال تركية" أنه موجود في أوروبا لا لأسباب سياسية، إنما لأسباب أكاديمية، وأنه غادر تركيا بعدما اتهم بإهانة الرئيس.

وأوضح قائلا: "إنها ليست عقوبة تستلزم عادة حظرا سياسيا أو العزل من عضوية البرلمان، هذه العقوبة لم تكن تستلزم السجن. أنا هنا باعتباري أكاديميا. وقد كنت أكاديميا أيضا قبل دخولي الساحة السياسية، وأتيت إلى هنا لإجراء دراسات محددة تتعلق بهويتي كأكاديمي. فالعمل الذي يؤديه الأكاديمي أو المفكر أو الصحافي من الواجبات الاجتماعية العامة ذات القيمة".

في غضون ذلك، أصيب ساري يلدز بخيبة الأمل تجاه أداء هذا الواجب العام بعد انتقاله إلى أوروبا. ففي ضوء تاريخ أوروبا الزاخر بالحكام غير المؤهلين الذين تسببوا في نتائج كارثية، توقع ساري يلدز أن تكون القارة مكانا جيدا لإثارة المخاوف بشأن رئيس تركيا.

وقال ساري يلدز مستعيدا ذكريات الماضي: "كانت مهمتي هي اطلاع ما يعرف باسم ‘حضارة العالم الحديث‘ على ما يجري في تركيا، وكنت مفعما بالحماسة، لكن بصراحة، أصبت بخيبة الأمل حين رأيت أن عقلية أوروبا تميل إلى الفرز بشأن ما نعرفه باسم الديموقراطية".

وأضاف أنه لا يشعر بأنه في وطنه وهو في أوروبا، وذلك لأسباب من بينها وصفه بأنه مسلم، غريب، و"ليس واحدا منا".

وتابع: "لا يمكن أن تشعر بالانتماء هنا، فعلى الرغم من المشكلات التي تنطوي عليها العودة إلى الوطن، الذي نشأت فيه وترعرعت، إلا أن صدرك على الأقل يمتلئ بالأكسجين حين تتنفس. أما هنا فأنت من ‘الآخرين‘. لن تشعر أبدا بالانتماء هنا".

على نفس المنوال، يرى يلدريم أنه لا يمكن أن يشعر في أوروبا بنفس السعادة التي يشعر بها في تركيا. فيقول: "مهما كان الأمر، لا يمكن أن تكون سعيدا هنا مثلما تكون في بلدك، لا علاقة لذلك بإمكاناتك المالية أو الحرية في بلدك".

على الجانب الآخر، لم تجد هزر أية مشكلة في التكيف مع الحياة الأوروبية، لا سيما حين تنظر إلى الصعوبات المتعلقة بحرية التعبير في تركيا. وفي عهد إردوغان، تغير هيكل الدولة القومية من الحكم السلطوي إلى الديكتاتورية الفاشية.

وقالت: نتحدث عن مكان تم فيه القضاء على حرية التعبير بالكامل من خلال فرض ضغوط هائلة على المواطنين في كردستان وتركيا.

"لهذا السبب، وفي ظل هذه الظروف السائدة هناك والقدوم من مكان كهذا، لا أفكر كثيرا في كيفية تأقلمي مع أوروبا. فعندما نرى الوضع في تركيا الآن، نجد أن لدينا أصدقاء يحاربون ويقاومون ظروفا قاسية".

وفي شهر مايو من العام 2016، صوت البرلمان التركي لصالح تجريد أعضاء في الجناح السياسي لحزب العمال الكردستاني المسلح من الحصانة. وتخوض القوات المسلحة التركية وحزب العمال الكردستاني صراعا مسلحا منذ ما يقرب من ثلاثة عقود.

وثمة اتفاق لوقف إطلاق النار أوقف القتال بين الجانبين من مطلع 2013 وحتى يوليو 2015، حين انهار الاتفاق. غير أن يلدريم يتشبث بالأمل في حل هذه المشكلات في تركيا، وقال إنه يعتقد أن البشرية تفضل السلام على الحرب.

وقال: "أظن أنه طالما أن عقول الناس تفكر وقلوبهم تنبض، فبإمكان البشر أن يجدوا حلا لإقامة العدل والسلام، وستكون الغلبة لذلك، نؤمن بأن ذلك سيتحقق على يد قلة من أبناء شعبنا يضحون بحياتهم. لم أفقد الأمل قط. ففقدان الأمل يعني فقدان معنى الحياة".

نقلًا عن موقع "أحوال تركية"

Qatalah