يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


قبل دقائق من تقدم  ابنها للجلوس على العرش، حضرت الأم لتمنحه هدية ثمينة: 5 رؤوس بشرية مقطوعة، داخل طبق من الفضة المذهبة المصنوع في مصر، فقط ليمتلئ بالثقة، ويشعر بأنه جدير بالحكم، وكان أصحاب الرؤوس الخمسة إخوته الذين حاولوا الوصول قبله إلى العرش.
 
كان هدفها محددا، أن تصبح سيدة الحكم وصاحبة الكلمة الأولى، لا ابنها، الذي أغرته بالغرق في ملذاته وشهواته، ليترك لها إدارة إمبراطورية مترامية الأطراف، فتعمل بكل نجاح على أن تتركها أرضا محروقة.
 
زرعت الجارية "نوربانو" أهلها من اليهود في المناصب العليا، فأحكموا قبضتهم على الشؤون الداخلية والخارجية، ونشرت الرشوة وانحازت للفساد بكل حماس، بل وأشرفت على عملية تزييف العملة، بينما كانت توزع الموت بالمجان على كل من يعارض أوامرها، وبلغ كرهها للدولة حد أن حرضت الجيش على التمرد، لولا أن صفية زوجة ابنها مراد وضعت حدا لجرائمها، فأطعمتها السم ليسري في عروقها وينهي رحلة من الدم والفوضى.
 
أسيرة من "كالي"
في السابعة من عمرها كانت "كالي" تعيش على جزيرة كركيرا التابعة لإدارة البندقية مع أمها وشقيقها في رعب بسبب حصار الأسطول العثماني، وكادت الجزيرة أن تسقط، لكن الطقس السييء وبسالة القوات خلف المدفعية حال دون ذلك، إلا أن الجنود العثمانيين لم يعودوا بأيديهم فارغة، اصطحبوا معهم العديد من الأسرى خلال انسحابهم في العام 1537، من بينهم كالي وأسرتها.
في سوق الجواري بالقسطنطينية (إسطنبول) وقفت كالي ترتجف والنخاس يقبض على يدها ويتقدم بها ليبيعها في مزاد علني، نزع ملابسها فوجدت الطفلة الصغيرة نفسها عارية تلتهمها العيون وتمتد إليها الأيادي بلهفة، ربح النخاس في ذلك اليوم ثروة كبيرة بينما ذهبت كالي إلى قصر السلطان سليمان القانوني لتبدأ رحلتها الناجحة في تخريب الدولة.
 
زهرة الحرملك الشقراء
8 سنوات مرت على كالي داخل الحرملك، محت تفاصيلها الطفولية واستبدلتها بملامح مراهقة في الخامسة عشرة من عمرها تمتلك جسدا يشع بياضا وعينين واسعتين يتصارع فيهما موج أزرق، وشعر مثل سبائك الذهب الأصفر ينسدل على ظهرها، وقوام ملتف كشجرة لبلاب يسلب العقول، فباتت كالي زهرة الحرملك ووصلت سيرتها إلى ولي عهد السلطان الأمير سليم.
كان سليم في الواحد والعشرين من عمره، حينما وقعت عيناه على الفتاة الإيطالية اليهودية، فهوى في غرامها، وأطلق عليها اسم نوربانو أي سيدة النور، وألحقها بجواريه في العام 1545.
ولدت له الأمير مراد سنة 1546 داخل المصيف الجبلي "بوزداغ" بمدينة مانيسا، التي كان سليم حاكما عليها، باعتباره ولي العهد، لتحصل على مرتبة باش خاصكي سلطان، أرفع مكانة بين جواري الأمير سليم، وبمثابة زوجته الأولى.
 
الطفلة الصغيرة التي كانت ترتعش في أسواق النخاسة تحولت إلى سلطانة بعد وفاة سليمان القانوني في العام 1566، وجلوس زوجها على العرش، فتفرغت لبث سمومها وأحقادها على الجميع، فنازعت "محرمة" بنت السلطان سليمان على رئاسة الحرملك، ودبرت لها المكائد والمؤامرات وأورثتها الأمراض حتى ماتت في العام 1578.
 
تخلصت نوربانو من نفوذ محرمة وباتت سيدة الحرملك الذي صار في عهدها سلطة قائمة بذاته، ولم يعد السلطان سليم الثاني ضعيف الشخصية  قادرا على اتخاذ أي قرار دون الرجوع إلى نوربانو التي لعبت دورا كبيرا في توجيه السياسة الخارجية، تفوق على أي دور لعبته جارية من الحرملك.
 
أغرقت زوجها في الملذات، فتغيب عن حضور جلسات الديوان، ولم يغادر حجرتها إلا ليطمئن الرعية أنه مازال على قيد الحياة، ومن يديها الناعمتين قدمت له أول كؤوس الخمر فانشغل بالشرب وتفرغت نوربانو لإدارة شؤون الدولة بعد أن تحالفت على خرابها مع  صدر الدولة  الأعظم محمد باشا صوقوللو.
 
مذبحة الأمراء الخمسة
لم تضيع الجارية اليهودية وقتا في ادعاء الحزن على زوجها بعد أن وافته المنية، فقد كانت مشغولة بما هو أهم، مذبحة عاجلة لأبناء سليم الخمسة، بواسطة حراس القصر، قبل أن تستدعي ولي عهده الأمير مراد من مانيسا ليتجه إلى إسطنبول ليخطو على جثامين إخوته، ويجلس على العرش دون أن ينازعه أحد على السلطة.
 
حصلت نوربانو على لقب "السلطانة الأم" رسميا، واحتفظت به حتى وفاتها في 17 ديسمبر 1583، ليتصاعد خطرها على الدولة في ظل وجود ابنها السلطان المعروف بعشقه للنساء وإفراطه في علاقاته الجنسية مع أكثر من أربعين جارية، والنتيجة ذرية كثيرة العدد تخطت 100 أمير وأميرة.
 
40 جارية تسابقن على الفوز بقلب ابنها مراد وواحدة فقط ربحت فؤاد السلطان، إنها صفية خاتون الشابة التي دعمها السلطان بحبه فراحت تبسط سطوتها على الحرملك لكن نوربانو انتبهت إلى تهديدها، فقسمت الحرملك بما يتناسب مع نفوذ السلطانة الأم وجارية السلطان المفضلة.
كسبت الجولة الأولى في المعركة فوسعت مساحة الحرملك بصورة غير مسبوقة، وجعلت من غرف الجواري جدارا حماية لجناحها، وأصبحت شرفتها تطل على أرجاء الحرملك، لتحقق انتصارها الكاسح على صفية.
 
اليهودية "إستر" مأمور جمارك
نوربانو الجارية اليهودية التي جاءت من البندقية قررت أن تطمس التقاليد الإسلامية وتدعم بني جلدتها بكل ما تملك من نفوذ، فدفعت بتغلغل اليهوديات في الحرملك، واعتمدت عليهن في رسم سياستها الخارجية كما فعلت مع "إستر كيرا" التي عينتها مسؤولة عن جمارك إسطنبول بفرمان أصدره السلطان مراد الثالث - الذي صار لعبة في يد أمه - وهي الوظيفة التي ظلت كيرا تحتفظ بها لمدة نصف قرن قدمت خلالها امتيازات جمركية للبضائع الأوروبية بهدف ضرب الصناعة المحلية في كل الولايات العثمانية.
 
دفعت السلطانة الأم ابنها مراد الثالث إلى تعيين إبراهيم كاسترو وزيرا للمالية وهو الذي جاء مهاجرا إلى الدولة العثمانية مع خمسمائة يهودي في عهد السلطان سليمان القانوني عام 1553، بعد أن كان مسؤولا عن سك العملة في مصر.
 
إعدام جماعي للجنود والوزراء
خضوع مراد لوالدته مكنها من إطلاق يدها بالتخريب، فأشرفت على عمليات تزييف العملة مما كان له أثر سييء على خزانة الدولة، كما باعت المناصب مقابل الأموال، ونشرت الفساد الإداري والرشوة بين الموظفين.
وعلى الرغم من علم الدفتردار ( وزير الخزانة) بتزييف النقود إلا أنه كان يوزعها على الجنود، خوفا من بطش السلطانة الأم، ما أدى إلى نشوب حركات تمرد داخل الجيش وإعدام عدد من الوزراء، بعد اكتشاف الفضيحة.
 
لم ترفع صفية الراية البيضاء أمام السلطانة الأم التي حطمت خططها وحرضت رجال الدولة لتهميشها وفي مقدمتهم ذراعها الأيمن الصدر الأعظم محمد باشا صوقللو، ما جعل صفية تفكر في الإطاحة به ليخلو لها وجه السلطان، فنفذت جريمة اغتياله بمساعدة عدد من الوزراء عام 1579.
 
لم يمر على وفاته 4 أعوام حتى تسربت الأخبار من القصر في العام  1583، بأن السلطانة الأم نوربانو ماتت بالسم، أما الدليل الوحيد على تورط صفية فكان شهادة أحد الحراس الذي قال إنه رأى جارية صفية تخرج من حجرة السلطانة الأم والارتباك يعلو وجهها، لكن الشاهد توفق عن الكلام، حيث أرسلت به صفية إلى القبر ليصمت إلى الأبد.

المصادر :


Qatalah