يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


عندما يتطوع أحدهم بإطلاق النار على رأس هاكان فيدان فإن الذي سيموت في الحقيقة هو رجب إردوغان، فالرجل الذي يقود المخابرات التركية القلب النابض للرئيس التركي، ومن دونه يفقد حياته السياسية في غمضة عين.
داخل رأسه يحتفظ فيدان بالملفات السرية للدولة والتي قد لا يعرف إردوغان نفسه الكثير عن تفاصيلها المعقدة ودهاليزها المعتمة وشفرات خرائطها، لكنه في النهاية لا يملك إلا أن يثق في الشخص الذي استطاع أن يأخذ بيده ليصبح الحاكم الأوحد في البلاد، ويكتم أصوات المعارضين حتى لا تصل إلى أذنيه، ويضع اسمه بين القادة الأكثر توحشا في التاريخ.
من ضابط صف إلى رئيس مخابرات، تصلح قصة فيدان أن تكون مسلية للأطفال، لكن من يقرأ التاريخ العثماني يستطيع أن يجد شبها كبيرا بين الشاب الطموح الذي وصل إلى المنصب الحساس في الثانية والأربعين من عمره وبين كوبرولو محمد باشا الذي تسلل من فرقة الخيالة إلى قصر طوب قابي في عصر محمد الرابع، وأدار كل الأمور في البلاط العثماني كصدر أعظم.
يدرك هاكان جيدا أن عليه المحافظة على المسافة التي تفصله عن الرئيس، والتي يقدرها المحللون بخطوة واحدة، حاول مرة أن يتقدم بضعة سنتيمترات عندما قرر الاستقالة من منصبه من أجل تدشين مسيرته السياسية الخاصة، والترشح لعضوية البرلمان، انتبه إردوغان إلى ما يشكله طموح فيدان من خطر كبير على مستقبله، فأمره بالتراجع والبقاء في موقعه وعدم التفكير مجددا في الأمر.
لم يصب هاكان بالسعار، لكنه أيضا لم يبتلع الإهانة، قرر العدول عن قراره الذي تسبب في غضب الرئيس، وعاد من جديد إلى مكتبه في أنقرة ليرسم تحركات إردوغان القادمة بعد أن فخخها بالحفر والمطبات.

شهادة ميلاده السياسية
ولد هاكان فيدان في أنقرة عام 1968، إلا أنه استخرج شهادة ميلاده كرجل دولة بعد أن تخطى الثلاثين من عمره، حين أتيحت له فرصة السفر إلى مدينة مونشنجلادباخ الألمانية، ضمن القوات التركية كضابط صف في حلف الناتو حيث قضى 3 سنوات في إدارة الاستخبارات بمقر التدخل السريع للحلف.
اقتنص الفرصة ليغير مصيره إلى الأبد، فحصل على شهادة جامعية من "ماريلاند كوليدج الأميركية" التي تسمح للضباط بالدراسة في الخارج أثناء مهامهم العسكرية، ليكتشف للمرة الأولى شغفه بالعلوم السياسية والإدارية والتفكير في مغادرة المؤسسة العسكرية.
قارن فيدان بين الدور الخارجي الهزيل لبلاده، وما تلعبه الاستخبارات البريطانية والأميركية من أدوار مؤثرة في المنطقة والدروس المستفادة من ذلك من خلال رسالة الماجستير التي منحتها له جامعة بيلكنت بالتوازي مع عمله العسكري عام 1999
وفي 2011 حقق الشاب أول أحلامه بترك المؤسسة العسكرية بعد أن قضى فيها 15 عاما، ليستقبل عمله كمستشار سياسي واقتصادي للسفارة الأسترالية في أنقرة، ورغم أنه لم يستمر في موقعه الجديد سوى عامين فقط إلا أنه استطاع التنقل إلى الكثير من دول العالم، ولعب نشاطات أكاديمية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ومعهد نزع السلاح التابع للأمم المتحدة، ومركز بحوث وتدريب ومعلومات التحقق في لندن.

قبضة إردوغان الحديدية
عندما وصل إردوغان وعبد الله غول إلى السلطة في 2002 بدأ التخطيط لوضع تركيا في مكان متقدم على الخارطة السياسية، وبفضل إردوغان قفز فيدان إلى منصب رئاسة وكالة التنمية والتعاون الدولي ثم مستشارا لوزير الخارجية آنذاك أحمد داوود أوغلو وتربع على عرش المؤسسة المسؤولة عن دور تركيا الناعم الاقتصادي والثقافي  في 2007.


 مناصب رفيعة سمحت له بتأسيس شبكة تجسس عابرة للدول إلا أنها في الوقت نفسه لم ترض غروره بالتحكم في مفاصل الدولة باعتباره من يمتلك مفاتيحها.
قد لا يعرف أحد تفاصيل اللقاءات الكثيرة التي كانت تجمعه بإردوغان منفردين، لكنها في النهاية أدت إلى أن يصبح فيدان أصغر رئيس لجهاز المخابرات التركية في الثانية والأربعين من عمره بعد أن تم تصعيده للمنصب في 2010 خلفا للرئيس السابق إمره تانر.
وباعتباره اللاعب الأول في السياسة التركية، تحرك فيدان باقتدار ليسد الثغرات التي يستطيع خصوم إردوغان التسلل منها، فأعاد هيكلة المخابرات التركية بعد أن وضع جميع العناصر في وزارة الخارجية وأجهزة الأمن تحت قيادته ليضمن للرئيس قبضة حديدية على البلاد.

نصير إيران 
تمدد فيدان ليصنع من نفسه قنطرة يستطيع إردوغان أن يخطو عليها بثقة وهو في طريقه إلى التقارب مع إيران، قدم رجل المخابرات لطهران معلومات حساسة حصلت عليها أميركا وإسرائيل عن سلاحها النووي، الأمر الذي جعل بعض الدول تتهمه بأنه عميل للملالي خاصة بعد أن حضر ممثلا عن تركيا في مفاوضات أجرتها الدول الكبرى لوقف إنتاج السلاح النووي الإيراني بين عامي 2009 و 2010.
دافع فيدان خلال اجتماعات جنيف عن وجهة نظر طهران في الوقت الذي كشف فيه تولغا تانيش الصحافي بجريدة  حرييت التركية عن التعاون المشبوه الذي يربط بين فيدان والاستخبارات الإيرانية بناء على تقرير من وكالة الأمن القومي الأميركية NSA.
وفي مشهد عكس مدى التقارب الإيراني مع فيدان، تمكنت السلطات الأمنية التركية في 2013 من توقيف عميل إيراني يدعى حسين تانيده، كان يهرب مواد نووية من ألمانيا إلى إيران بعد أن وضعته برلين على القائمة الحمراء وطالبت الشرطة الدولية (الإنتربول) بالقبض عليه حيثما وجد.
طلبت ألمانيا من تركيا تسليمه إليها، لكن  رئيس المخابرات كان له رأي آخر، أخلى سبيله وأعاده إلى إيران معززا مكرما، الأمر الذي أحدث أزمة بين البلدين، وفق صحيفة "طرف".
لم تنته تجاوزات فيدان لمصلحة إيران عند هذا الحد، فقد استطاع أن يحول بلاده إلى ممر آمن لشحنات السلاح التي ترسلها طهران إلى حزب الله من خلال حاويات مخصصة للقطارات تمر عبر سورية وتضم أسلحة متطورة وصواريخ ومدافع.

جوكر المفاوضات مع الأكراد
بعيدا عن الجيش، قاد هاكان المفاوضات السرية مع حزب العمال الكردستاني بهدف التوصل لصيغة سلام ومصالحة تضمن دعم إردوغان في انتخابات 2012، ما أثار حفيظة القادة العسكريين في تركيا، لأن تلك الفترة شهدت معارك دامية مع عناصر الحزب خلفت وراءها مئات القتلى من الطرفين بسبب تضليل فيدان نفسه لرئاسة الأركان بعد أن قدم معلومات تفيد باعتزام الإرهابي فهمان حسين، أحد زعماء الحزب تنفيذ هجوم على بلدة أولو درة ما دفع الجيش لإرسال طائرتين حربيتين من طراز إف- 16 منتصف ليلة 28 ديسمبر 2011، إلى أولو درة، لاستهداف ما اعتبروه نقاط تجمع المسلحين، ليتضح بعدها أنه تجمع لمدنيين أكراد، وأسفر القصف عن قتل 34 مدنيا بينهم 17 قاصرا.
ألقت رئاسة الأركان أمام القضاء العسكري بالمسؤولية على فيدان، لكن رئيس المخابرات نفى ذلك فتحمل الجيش مسؤولية المجزرة، وكانت النتيجة أنه أصبح في موقف ضعف تجاه أية قرارات تخص مفاوضات الدولة مع الأكراد.
واعترف بشير أتالاي نائب رئيس الوزراء التركي أن مدير أجهزة الاستخبارات التركية هاكان فيدان اجتمع مع زعيم "العمال الكردستاني" عبدالله أوغلان في سجنه بمقاطعة مرمرة عام 2012.
ومن خلال المفاوضات قدم فيدان خدمات جليلة إلى إردوغان أهمها كسب تأييد النواب الأكراد أو على الأقل تحييدهم من أجل تمرير مشروع الدستور الجديد نكاية في أحزاب المعارضة التي رفضت انتقال تركيا إلى النظام الرئاسي، وثاني المكاسب تمثلت في الوقاية من أخطار الأكراد شمال سورية.

داعم الإرهابيين 
أكبر فضائح فيدان جاءت عام 2014 بعد أن كشفت قوات الشرطة دعم الاستخبارات للميليشيات المسلحة في سورية بالأسلحة والذخائر، وهي القضية المعروفة إعلاميا بـ "شاحنات المخابرات" حين ضبطت قوات الدرك سبع شاحنات محملة بالأسلحة والمخدرات في طريقها إلى الجماعات الإرهابية في سورية.


أما أميركا فقد أدركت خطورة الرجل فاستعانت به في مشروع تفتيت الشرق الأوسط عن طريق دعم الجماعات المتطرفة وعلى رأسها الإخوان وداعش للعبث بأمن واستقرار دول المنطقة وهو ما يتماشى مع أطماع إردوغان ومصالح البيت الأبيض في الوقت نفسه، الأمر الذي كشفه موقع "ويكليكس" من خلال وثائق مسربة أكدت تنسيق رئيس المخابرات التركية مع المسؤولين في الولايات المتحدة بشأن رسم خريطة جديدة للمنطقة، وتناولت خطة رئيس المخابرات التركية التي تمثلت في إشعال الحرب الأهلية في دول الجوار من أجل الوصول إلى أهداف تركيا السياسية والتوسعية والاقتصادية في بسط نفوذها على المنطقة.

مخرج مسرحية الانقلاب 
كان العام 2016 فاصلا بالنسبة لهاكان فيدان فالرجل الذي عاش طويلا في الظل خرج إلى العلن بعد أن تردد اسمه كثيرا على الألسنة باعتباره منقذا لإردوغان.
خرجت التحليلات حينها تندد بفشل الاستخبارات في التوصل إلى معلومات بشأن ما كان يعتزمه الضباط، بينما لم يكن أحد يعلم أن فيدان هو من كتب سيناريو الانقلاب بنفسه ليتخلص من حركة الخدمة التابعة لرجل الدين فتح الله غولن باتهامها بتدبيره، كل شيء كان تحت سيطرته، وعندما تم له ما أراد جلس ينتظر إردوغان ليعطي أوامره بذبح المعارضين على طريقة حلال الله أكبر.


بطش فيدان بكل من تروط في العملية، ووسع من نشاط الجهاز في ملاحقة المعارضين بالخارج، لدرجة دفعت ألمانيا إلى التعبير عن قلقها من نشاط الاستخبارات في ألمانيا.
واعترف نائب رئيس الوزراء التركي بكر بوزداغ خلال مقابلة تلفزيونية أن المخابرات نفذت عمليات في 18 دولة بينها ماليزيا وكوسوفو وقامت بإعادة العشرات من أنصار حركة الخدمة بالخارج، ومن أشهر العمليات اعتقال 6 مدرسين من مدارس "أوريزونت" التابعة لحركة الخدمة في مولدوفا. 

إخوان مصر 
نصح رئيس المخابرات التركية إردوغان، بضرورة استضافة قيادات الإخوان الفارين من مصر، وإعادة استخدامهم ككروت ضاغطة على القاهرة بتوفير منابر إعلامية لهم لإعادة الوضع إلى المربع صفر.
وكشفت جبهة شباب الصحافيين عن قيام فيدان بتكليف "نوح يلماز" مستشار الجهاز للشؤون الإعلامية باستدعاء أبرز الهاربين لتقديم برامج على قناتي الشرق ومكملين الإخوانيتين بتركيا، وإلحاقهم بدورة تدريبية في "الحرب النفسية" لمدة 60 ساعة مقسمة على 10 أيام.
شيطانية فيدان لا يمكن أن تجعلنا على قناعة أنه سيقبل بالاستمرار في مكانه البعيد عن الأضواء، من المؤكد أن طموحه سيتصاعد ليصل إلى المنصب الأعلى في تركيا، ففيدان من المرشحين بقوة ليكون خليفة إردوغان الذي بدأت ترهقه الأزمات الدولية والداخلية. 

Qatalah